ساعة واحدة
بعد توتر محدود.. كيف حافظت سلمية على توازنها الاجتماعي وتعايشها؟
الأحد، 5 يوليو 2026
خارج مدينة سلمية بريف حماة من جهة الغرب، وقرب قلعة شميميس وجبل "عين الزرقا"، يراقب رواد أحد المقاهي الجديدة في المنطقة، الطبيعة وأفق المدينة حتى ساعة متأخرة من الليل، من دون أن يشعر أحد بالخوف إلا من بعض الحشرات التي يرتبط وجودها بفصل الصيف الحار الذي تعيشه المدينة. أما على الكورنيش الشمالي قد تشاهد شابا وفتاة يتمشيان رغم ضعف الإضاءة في الشارع، الذي يعتمد في إنارته على أضواء المحال التجارية.
تغيرت أجواء مدينة سلمية بعد التحرير، حيث أزيلت الحواجز من شوارعها، والأهم من ذلك أن الحواجز الجغرافية و"الذهنية" التي فصلت المدينة عن باقي المدن والمحافظات بدأت بالتساقط أيضا، ففي شوراعها المزدحمة ستلاحظ تنوعا يلفت الانتباه بين أهالي المدينة وأهالي الريف من سكان القرى والعشائر العربية، وتفاعلا ضروريا في الأسواق الرئيسية مثل شارع الثورة وشارع السعن.
ليل السبت، أفاد مراسل تلفزيون سوريا، باندلاع شجار داخل مدينة سلمية بين شبان من المدينة وآخرين من ريفها، تدخلت فرق الأمن الداخلي لاحتوائها.
وأضاف المراسل أن التوترات تصاعدت عقب توقيف قوى الأمن الداخلي أربعة شبان من المدينة على خلفية مشاجرة مع أبناء الريف في شارع البريد، مشيراً إلى أن العشرات من الشبّان تجمّعوا أمام مقر المجلس الإسماعيلي للمطالبة بإنهاء الخلاف والإفراج عن الموقوفين. وبحسب فيديو متداول على السوشيال ميديا، ومصادر محلية، هتف بعض المتجمعين بهتافات دينية لاقت استهجانا لدي شريحة واسعة من سكان المدينة. هذه الهتافات حاول بعض الأشخاص والحسابات المجهولة على مواقع التواصل الاجتماعي استغلالها لإحداث "فتنة" وفق ما قال أهال لموقع تلفزيون سوريا، وأكدوا أن الحادثة تم احتوائها وانتهت بعد تدخل مدير المنطقة عدنان كوجان والمجلس الإسماعيلي ووجهاء من المنطقة.
وأصدرت قيادة الأمن الداخلي في محافظة حماة، بياناً قالت فيه إنها "تتابع مجريات الإشكال الذي وقع مساء السبت في شارع البريد بمدينة سلمية، إثر خلاف تطور إلى مشاجرة وتجمهر لعدد من الشبان".
وأضافت: "فور تدخل دوريات قسم الشرطة لفض الخلاف، جرت محاولات لممانعة عمل الدوريات، ما استدعى تدخلاً مباشراً ونشراً مكثفاً لوحدات من قوى المهام الخاصة في المدينة لمنع أي تصعيد".
وأكد البيان أن الأمن الداخلي يواصل عمليات البحث والمتابعة لتوقيف جميع الأطراف المتورطة في افتعال المشاجرة ومثيري الشغب، تمهيداً لاتخاذ الإجراءات القانونية الصارمة بحقهم، مشدداً على "عدم التهاون مع أي محاولة للمساس بأمن واستقرار المدينة".
في الخامس من كانون الأول 2024، تمكنت "إدارة العمليات العسكرية" من بسط سيطرتها على مدينة سلمية، إثر انسحاب قوات النظام المخلوع وميليشياتها. واستقبل الأهالي قوات "ردع العدوان" بحفاوة معلنين تحرير مدينتهم من قبضة نظام الأسد.
وتكتسب سلمية أهمية استراتيجية على مستويين: عسكرياً، يشكل موقعها في ريف حماة الشرقي نقطة وصل بين مناطق الوسط والشرق، أما سياسياً واجتماعياً، تُعد المدينة مركزاً تاريخياً للطائفة الإسماعيلية، مما جعلها محط أنظار المتابعين، خاصة مع اقتراب المعارك من حدودها. لذا، شكل دخول المدينة اختباراً حقيقياً لانضباط وهوية قوات "ردع العدوان"، وسط تساؤلات حول قدرتها على إدارة تنوع المدينة الاجتماعي والديني.
وقبل تحريرها جرت اتصالات مع الوجهاء والمعارضة المدنية في المدينة، إضافة إلى المجلس الإسماعيلي الأعلى، رتبت للدخول إلى المدينة من دون قتال، ما يبرز دور هذه الفعاليات في حل أي خلافات أو مسائل قد تهدد السلم الأهلي في المدينة.
يقول أحد المقاتلين الذين دخلوا إلى مدينة سلمية بعد تحريرها واستقروا لاحقا فيها، إن "التواصل مع أهالي سلمية سهل وهو ما دفعه للاستقرار في المدينة وبناء صداقات فيها"، ويشير في حديثه لموقع تلفزيون سوريا إلى أن الجميع في سلمية "سواسية" بالنسبة لمؤسسات الدولة وغيرها.. ويضيف "الموضوع بسيط بعد التحرير تسعى الدولة للبناء من خلال الدروس التوجيهية وغيرها، بدأت ببناء ثقة بين أبناء الشعب، فبغض النظر عن طائفة الشخص ومن يكون.. هو في النهاية سوري.. هذه أرض الجميع أما المجرمون سيحاسبون.. وسلمية من أولى المدن التي ثارت والنظام المخلوع حاول إخافة أهلها بداعش وميليشيا الدفاع الوطني..".
ويضيف "الشعب هنا متسامح وينسى بسرعة، عائلتي من مدينة إدلب وسكنت سلمية، وكانت تأخذ مساعدات من مؤسسة الآغا خان للتنمية بشكل دوري، آخر دفعة كانت قريبة رغم توقف المساعدات، والدي مصاب وأجرى عمليتين جراحيتين على حساب المؤسسة".
وعن الحياة الاجتماعية في المدينة يقول ضاحكا "لو لم أجد الوضع جيدا لما بقيت هنا وكنت عدت إلى إدلب أليس كذلك؟.. لكن الوضع هنا أفضل لسببين: في سلمية يوجد ثقافة الناس تدرس وتتعلم وأولادنا اعتادو العيش هنا وصاروا متفوقين دراسيا وهذا أمر مهم لنا، ويتابع (رافق الأمير بتصير أمير صحيح أم لا)".
ويضيف "الكثير من أقربائنا جاؤوا من إدلب اشتروا أراض وبنوا بيوتا لهم، وأعرف أدالبة بصدد بيع منازلهم في إدلب من أجل الاستقرار في سلمية.. وبعضهم فتحوا مهنا ومصالح تجارية، وهناك مشروع لبناء مول تجاري وآخرون استثمروا في الثروة الحيوانية باعتبار المنطقة قريبة من البادية.. إضافة للمهن الصغيرة.. الحركة تغيرت بعد التحرير في سلمية وهي أرض سورية يعيش عليها سوريون..".
يقول إسماعيل القصير مدير العلاقات العامة في هيئة العمل المدني بسلمية، لموقع تلفزيون سوريا: "مضى 175 عاما على آخر إعمار للمدينة، خلال هذه الفترة ترسخت مبادئ أساسية للمدينة أعطت ملامح رئيسية للمواطنين فيها، خلال هذه المسيرة الطويلة حصل أيضا بعض الإشكالات ولكنها كانت سرعان ما تطوق من قبل الفعاليات والوجهاء، وهي مرجعيات تصالحية لبناء سلم أهلي وعيش مشترك هذا كان قديما، قبل التحرير حصلت توترات أيام النظام المخلوع.. هوية سلمية كانت دائما مع الثورة والتغيير وبناء الدولة، وخلال السنوات الماضية نزح كثير من السوريين إلى سلمية.. من شمالها وجنوبها من الرقة والحسكة وحمص وإدلب.. إلخ ومنهم من استقر واشترى بيتا وأصبح من أهالي المدينة، ولهم أعمالهم وهذا واضح لمن يمر في الأسواق وعموما لم يحصل أي أشكال.. ولكن هناك أناس من المدينة لديهم رؤية مغايرة للتنوع وهم منغلقون".
ويتابع "ماجرى البارحة هو إشكال متكرر ربما دخلت عناصر جديدة شباب من الريف المجاور مرجعيتهم قليلة جدا ولديهم رؤية ضيقة.. يعتقدون أنهم أصبحوا الدولة والسلطة.. ولكن مرجعياتهم ليست كذلك، أذكر في إحدى جلسات السلم الأهلي الكبار في السن قالوا (الجيل الجديد لا يسمع الكلمة) الكبار ضد هذه التصرفات.. سابقا حصلت بعض الإشكاليات ولكن تم حلها.. من يشعر بالاستقواء بالسلاح هؤلاء ليسوا مقياسا، لأن مرجعياتهم تصالحية وتحافظ على السلم الأهلي بنفس الوقت هناك أفراد من سلمية يحبون العزلة وأن يكون الامتياز خاص لهم لذلك عندما يرددون شعارات مثل التي سمعناها أمس هي شغارات مرفوضة ومدانة.. الموضوع خاص بكل فرد بينه وبين نفسه لا يجوز أن يمتد للشارع.. الشارع هو لجميع من يعيش في سلمية وحتى لضيوفها.. سلمية مدينة مفتوحة للجميع والحكم فيها للقانون.. القانون هو المرجعية مع دور هام جدا للمجلس الإسماعيلي بإجراء المصالحات وحتى دور الهيئات المدنية.. نحن كهيئة شاركنا في السلم الأهلي في الريف وجوارها هذا يجب أن يكون جزءا من ثقافة الناس.. الجهات التي لا يعجبها التفاعل في سلمية قد تحاول خلق فتنة، وأعتقد أنهم لن ينجحوا.. وإذا حاولوا مجددا نحن مع القانون وتكريسه ليكون الحكم من دون وساطات أوتمييز.. الحادثة الأخيرة جاءت من بعض الشباب غير الممتثلين لموضوع التعايش والسلم الأهلي من كافة الأطراف.. وأيضا هناك جهات إعلامية تحاول تضخيم الأخطاء.. سلمية مرجعياتها أوعى من الاستجابة لهذه الاستفزازات.. وستحافظ على نسيجها الاجتماعي وسلمية من اسمها تسعى للسلم والمحبة بين الناس".
يرى بعض "السلامنة" الذين استطلع موقع تلفزيون سوريا آراءهم؛ أن التنوع في المدينة مهم لبناء الهوية السورية، ويقول أحد سكان الحارة "الشمالية" إن جاره من حمص وهو يسكن الحي منذ سنوات وقد قرر الاستقرار في سلمية رغم أنه يعمل في حمص. مؤكدا أن ذلك "حالة طبيعة وصحية في المدينة".
يقول أبو محمد لموقع تلفزيون سوريا وهو سوري ينحدر من ريف إدلب الجنوبي بلدة خوين الكبير: "انتقلت إلى مدينة سلمية في تاريخ 2017/9/7حيث نزحنا من معارك النظام وحملات القصف البربرية التي طالت بلدات ريف إدلب الجنوبي الشرقي من بلدتي بلدة (خوين الكبير) نزحت إلى منطقة الرهجان شرقي سكة الحجاز ومن ثم انتقلت الي حماة ومن بعدها إلى مدينة سلمية وهذه التنقلات جاءت في فترة قصيرة خلال شهر واحد، وبقي ولدي الذي كان في صفوف حركة أحرار الشام حتى فترة التحرير".
ويصف الحياة الاجتماعية في سلمية "الحياة في سلمية قبل التحرير وبعد التحرير كانت جيدة ولنا علاقات وطيدة مع عدة أصدقاء في مدينة سلمية هذه المدينة التي أثبتت أنها ملاذ آمن لجميع السوريين وجميع المكونات، لكن كانت هناك بعض العوائق مثل الحواجز الأمنية للنظام المخلوع ومحاولتهم التجييش الطائفي ولكن الحمد لله حقبة وانقضت حيث أن النظام المخلوع كان يعوم فكرة (الحماية لهم وأنه إذا تركهم سيقتلون لكن ذهب هذا النظام وبانت نفوس السوريين الذين هم أبناء وطن واحد تجمعهم أخوة الدم".
لاحظ أبو محمد تغييرات اجتماعية طرأت بعد التحرير، ويوضح أن الثقة ازدادت بشكل أكبر بعدما فشل النظام المخلوع بتعويم الفكرة الطائفية وسقطت معه كما سقط، على حد قوله.
وحول بناء علاقات اجتماعية مع السلامنة يضيف "نعم بنينا علاقات كثيرة كما ذكرت سابقا ولدينا جيران طيبون ـ ونعم الجيرةـ أصبح لدينا قرابة مع السلامنة وبيننا نسب والعكس أيضا".
ويتابع أبو محمد "لا يوجد هناك تمييز أبدا في المعاملة بين أبناء المدنية، وعلى الصعيد الخدمي والأمني الحكومة الحالية عملت على تحقيق المساواة بين جميع المكونات ونجحت ولله الحمد اليوم سلمية كغير عهدها تعيش فترة ازدهار اهلي لم تمر به من قبل".
ويرى أبو محمد أن السكن والانتقال للعيش في مدينة أخرى يعزز التفاعل ويدعم السلم الأهلي بين السوريين إن كانوا من إدلب وسلمية أوغيرها من المحافظات: "نعم هنا تتقاطع المصالح هنالك من انتقل للعمل ومن انتقل للعيش في جو صافي تماما، حيث تعتبر هذه المدينة من المدن الأكثر علما وتفوقا في المجال التعليمي وصناعة الخبرات وتوجيه الكوادر".
ويروي أبو محمد قصة رسمت بداخله صورة جميلة عن المدينة "عندما نزحنا من إدلب الى سلمية لجئت لشخص من سلمية وهوا والد طبيب معروف، ولديه مزرعة على أطراف المدينة حيث قال لي اسكن فيها أنت وعائلتك حتى يشاء الله ويأتي الفرج ولم يتوان عن المساعدة مرارا وتكرار، هذه المزرعة مجهزة من ماء وكهرباء وحتى يومنا هذا لم يأخذ مني ليرة سورية، وإلى اليوم أعيش في هذه المزرعة بعد أن هدم النظام المخلوع بيتي ونهب محتوياته وسرق حديده".
ويتابع " لكننا نحمد الله على صحتنا وأننا بخير وأذكر موقفا ثانيا، فأنا لدي بتر في القدم اليسرى الدكتور جميل التلاوي كان يساعدني مرارا وتكرارا وعندما أعرض عليه أجره طبيب يقول لي (عيب الناس لبعضها لو إنت مكاني كان عملت نفس الشي) ومازال يساعدني حتى يومنا هذا لكن سوء حال قدمي وصل لمرحلة لا علاج له، والحمد لله علا كل حال هذا موقف من آلاف المواقف التي حصلت مع عدد كبير من نازحين مناطق ريف حماة وإدلب لو أردنا التحدث لن ننته".
ووفق مصادر محلية، يوجد في سلمية عدة مشاريع قيد الإنشاء أصحابها من محافظة إدلب، وهنالك مشاريع انطلقت، مثل مغاسل ومكاتب السيارات والسوبر ماركت إضافة لعدد كبير من المداجن ومعامل الأعلاف ومكابس البلوك وصناعات السيرامك، وتشير المصادر إلى مشاريع ستجهز في الفترة القادمة في الريف الشرقي، وأغلب أصحابها من أرياف إدلب وحلب وحماة"، ويعلق أبو محمد على هذه النقطة بالقول "أصحاب هذه المشاريع لديهم إيمان بأن هذه المنطقة ستزدهر وستكون صرحا سوريا عظيما بخبرات محلية لكنها بحاجة لعمل مستمر واكتشاف خيراتها الدفينة التي كان النظام المخلوع قد غيبها وأوقف الزمن فيها وجعلها مرتها لشبيحته".
تماضر طلبت عدم ذكر اسمها كاملا، ناشطة في المجتمع المدني بسلمية تقول لموقع تلفزيون سوريا تعقيبا على مشاجرة شارع البريد: "لا أريد أن أعمم، ولكن هناك نظرة متعالية غير محببة من أهالي المدينة لأهالي الريف، وكأن سلمية منفصلة عن ريفها وهذا غير صحيح، من افتعل المشكلة وقام بالتصعيد لا يعرف أن اقتصاد سلمية يقوم على أهل الريف ولولاهم ربما ينخفض للثلث.. أهل الريف منكوبون وهناك قرى دمرت بالكامل، أنا ضد التمييز أهل الريف هم بشر مثلنا ومعدنهم أصيل".
ويذكر أن الحساسية بين الريف والمدينة في سوريا ليست حالة عارضة، بل نتاج تراكمي لعقود من السياسات المركزية، والتوزيع غير العادل للثروة والسلطة، وتوظيف التنوع الديني والمذهبي في الصراعات السياسية.
Loading ads...
والمدن مثل سلمية، بخصوصيتها وتنوعها وموقعها الاستراتيجي، تظل اختباراً حقيقياً لأي قوة تسعى إلى إعادة تشكيل المشهد السوري، لأنها تلامس جوهر معضلة سوريا: كيف يمكن بناء دولة واحدة من تنوع معقد، دون إعادة إنتاج التهميش؟
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً

