في لحظةٍ بدت للوهلة الأولى مجرّد جولة جديدة من جولات الحرب التجارية بين واشنطن وبكين، كان اللقاء الصيني – الأميركي الأخير يحمل ما هو أعمق بكثير من الرسوم الجمركية وصفقات الغاز والنفط. لقد بدا أشبه بمحاولة لإعادة تعريف ميزان القوة العالمي، لا عبر الحروب المباشرة، بل عبر التحكم بشرايين الطاقة، وإدارة الأزمات، وتحديد من يملك حق إنتاج الاستقرار في النظام الدولي الجديد.
ما جرى في بكين لم يكن مجرد تفاهم اقتصادي حول شراء الصين للنفط والغاز الأميركي، بل كان انعكاساً لتحول تاريخي في بنية النظام العالمي نفسه. الولايات المتحدة التي أمضت قرناً كاملاً باعتبار الخليج جزءاً من أمنها القومي، وحارسةً لتدفق نفطه نحو العالم الصناعي، تجد نفسها اليوم أمام معادلة مختلفة تماماً: لم تعد هي المستورد الأكبر للطاقة، ولم تعد هي الطرف الأكثر خوفاً على مضيق هرمز، بل أصبحت الصين هي الدولة الأكثر ارتباطاً عضوياً باستقرار الخليج وإمداداته النفطية.
منذ ولايته الأولى، لم يتعامل ترامب مع النفط والغاز بوصفهما سلعتين اقتصاديتين فحسب، بل كسلاح جيوسياسي يعيد عبره تشكيل النفوذ الأميركي العالمي.
هذا التحول هو الذي يفسر جوهر الخطاب الأميركي الجديد تجاه بكين. فواشنطن لم تعد تقول للصينيين إنها ستضمن أمن الطاقة العالمي بالمجان، بل باتت تطرح معادلة مختلفة: إذا كانت الصين تريد الاستمرار كقوة صناعية كبرى، فعليها أن تتحمل كلفة حماية خطوط الإمداد أو أن تشتري الطاقة مباشرة من الولايات المتحدة. هنا تحديداً تكمن فلسفة ترامب الحقيقية، والتي تتجاوز بكثير عقلية “الصفقات” التي يُختزل بها عادةً.
منذ ولايته الأولى، لم يتعامل ترامب مع النفط والغاز بوصفهما سلعتين اقتصاديتين فحسب، بل كسلاح جيوسياسي يعيد عبره تشكيل النفوذ الأميركي العالمي. الضغط على أوروبا لاستبدال الغاز الروسي بالغاز الأميركي، ثم محاولة تحويل الصين إلى مستورد كبير للهيدروكربونات الأميركية، لم يكونا مجرد خطوات اقتصادية، بل جزءاً من مشروع أوسع لإعادة هندسة الاعتماد العالمي على الطاقة بما يخدم الهيمنة الأميركية.
لكن المفارقة أن الحرب التي أرادت واشنطن من خلالها تطويق الصين من بوابة الطاقة، دفعتها عملياً إلى الاعتراف بالحاجة إلى بكين نفسها. فالتصعيد ضد إيران، ومحاولة خنقها، كان يفترض أن يؤدي إلى وضع الخليج بالكامل تحت مظلة أميركية أكثر إحكاماً، بما يجعل الصين أكثر اعتماداً على الترتيبات التي تقودها واشنطن.
غير أن ما حدث كان العكس تقريباً: كلما ارتفع التوتر في الخليج، ازدادت حاجة الولايات المتحدة إلى الدور الصيني لضبط الانفجار ومنع تحول المنطقة إلى فوضى شاملة تهدد الاقتصاد العالمي.
هنا تكمن أهمية الغموض الذي أحاط بالبيان الصيني – الأميركي المشترك حول مضيق هرمز والملف النووي الإيراني. ظاهرياً، بدا البيان متوافقاً على رفض إغلاق المضيق ورفض امتلاك إيران سلاحاً نووياً، لكن عملياً، لم يقدم أي تصور واضح لكيفية تحقيق ذلك، ولا ما إذا كانت واشنطن وبكين متفقتين فعلاً على الوسائل أو النتائج.
وهذا الغموض جزء من العقيدة الصينية ذاتها. فبكين لا تريد أن تتحول إلى شريك مباشر في الحروب الأميركية، لكنها أيضاً لا تريد انهيار النظام الإقليمي بطريقة تهدد مصالحها الاقتصادية. لذلك تفضّل دائماً البقاء في المنطقة الرمادية: لا تمنح واشنطن تفويضاً كاملاً، ولا تصطدم بها مباشرة، بل تترك الباب مفتوحاً أمام كل الاحتمالات.
في هذا السياق، تبدو الصين وكأنها تطبق حرفياً فلسفة سون تزو: الانتصار الحقيقي لا يكون بسحق الخصم، بل بجعله يخطئ في قراءة الواقع. فإذا اعتبر ترامب الموقف الصيني دعماً ضمنياً للتصعيد ضد إيران، فقد يجد نفسه يغرق أكثر في مستنقع إقليمي مفتوح. وإذا فهمه كممر دبلوماسي، فهو يعترف عملياً بأن أي تسوية كبرى باتت تمر عبر بكين. وفي الحالتين، تكون الصين قد عززت موقعها بأقل كلفة ممكنة.
لم تعد الولايات المتحدة قادرة على فرض نظام أحادي كما بعد الحرب الباردة، ولم تصل الصين بعد إلى مرحلة الحلول مكانها كقوة مهيمنة كاملة.
أما إيران، فهي الطرف الأكثر حساسية في هذه المعادلة. فطهران بنت خلال السنوات الماضية جزءاً كبيراً من استراتيجيتها على افتراض أن الصين تمثل عمقاً دولياً يحميها من العزلة الأميركية. لكن الواقع أكثر تعقيداً بكثير. الصين ليست حليفاً أيديولوجياً لإيران، بل شريك مصلحي. هي تريد النفط الإيراني، وتريد منع انهيار إيران الكامل، لكنها لا تريد أيضاً أن تتحول طهران إلى قوة نووية تجر المنطقة إلى حرب شاملة تهدد الاقتصاد الصيني نفسه.
ولعل أخطر ما كشفه اللقاء الصيني – الأميركي هو أن العالم يدخل تدريجياً مرحلة جديدة من “الإدارة المشتركة للفوضى”. لم تعد الولايات المتحدة قادرة على فرض نظام أحادي كما بعد الحرب الباردة، ولم تصل الصين بعد إلى مرحلة الحلول مكانها كقوة مهيمنة كاملة. لذلك يبدو النظام الحالي وكأنه مرحلة انتقالية بين عالمين: أميركا لا تزال الأقوى عسكرياً، لكنها لم تعد قادرة على فرض النتائج وحدها، والصين تصعد اقتصادياً واستراتيجياً، لكنها لا تريد تحمل أعباء الإمبراطورية التقليدية.
لهذا السبب تحديداً، لم يعد السؤال في الخليج أو آسيا أو حتى أوروبا: “من الأقوى؟”، بل “من يحتاج إلى الآخر أكثر؟”. الولايات المتحدة تحتاج إلى الصين لضبط الاقتصاد العالمي ومنع انفجار سلاسل الإمداد والطاقة، والصين تحتاج إلى الولايات المتحدة لمنع تحول النظام الدولي إلى فوضى غير قابلة للإدارة. وبين الطرفين، تقف قوى إقليمية مثل إيران ودول الخليج وروسيا وهي تحاول إعادة تموضعها داخل هذا التوازن الجديد.
Loading ads...
في النهاية، قد لا يكون أهم ما خرج به ترامب من بكين صفقة نفط أو غاز، بل إدراك أكثر قسوة: الولايات المتحدة لم تعد تستطيع إدارة الشرق الأوسط وحدها. أما الصين، فهي لا تحتاج إلى هزيمة أميركا في الخليج، بل يكفيها أن تجعل واشنطن مضطرة للمرور عبر بكين كلما اقترب العالم من حافة الانفجار.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً
من يجيب الناس حين تغلق الحكومة أبوابها؟
منذ ساعة واحدة
0

