ساعة واحدة
"مغرب بسرعتين"... تطور لافت وفوارق اجتماعية تعيد رسم خريطة التنمية
الإثنين، 21 سبتمبر 2026

على طول الرصيف البحري لمنطقة عين الذئاب بمدينة الدار البيضاء في المغرب، حيثما وليت وجهك ثمة مظهر من مظاهر الغنى والثراء. مراكز تسوق تضم أشهر العلامات التجارية، تعج بالزبائن، وإقامات سكنية راقية تمر من أمامها سيارات فاخرة، لا شيء يوحي بوجود اختلالات تنموية. لكن، وبمجرد التقدم بضع كيلومترات، سرعان ما يتبدد هذا الانطباع، وتتغير ملامح المشهد العمراني والاجتماعي، وتظهر تفاوتات واضحة في السكن والبنية التحتية ومستوى الخدمات.
حي الرحمة، الواقع ضمن الامتداد الحضري جنوب غرب العاصمة الاقتصادية للمملكة، مثال لذلك، بعد أن نشأ في إطار برامج لإعادة إسكان أسر كانت تقطن في مساكن غير لائقة، لا يزال إلى اليوم يواجه تحديات مرتبطة بالتجهيزات والخدمات والنقل، في مشهد يعكس التفاوتات الاجتماعية والمجالية التي لا تزال حاضرة داخل الدار البيضاء، رغم التحولات الاقتصادية والعمرانية التي شهدتها المدينة خلال السنوات الأخيرة.
ابراهيم، بائع متجول في منطقة الرحمة، يعمل نحو 10 ساعات في اليوم مقابل دخل محدود وغير مضمون كما يقول "ليس لدي بديل، قضيت الصيف كله أعمل طوال النهار تحت لهيب الشمس لكسب لقمة عيشي، وكذلك سأفعل خلال الشتاء والبرد القارس، ليس لدي الحق في المرض، فذلك سيكلفني وأسرتي كثيرا".
على الرصيف الساحلي، حيث يعمل المهدي في أحد نوادي السباحة وسط زبائن من الميسورين والأثرياء، يلتقي يوميا بعالم مختلف عن واقعه. وللاقتراب من طموحاته وتلبية احتياجاته، يقول إنه يضطر إلى الجمع بين عملين، إلى جانب التجارة، عبر الإنترنت، في مجال الأجهزة الإلكترونية. "نفتقد إلى العدالة الاجتماعية، ونحاول أن نعمل من أجل انتزاعها"، يقول المهدي، الذي يخطط أيضا للهجرة إلى إيطاليا، حيث يقيم والده وأفراد من أسرته. "سيصعب علي كثيرا أن أبلغ ما أصبو إليه في المغرب".
وغير بعيد عن مكان عمل مهدي، يواجه سمير، سائق سيارة أجرة، حسابات يومية مختلفة. يبدأ عمله عند الثامنة والنصف صباحا، ويقول إن ارتفاع أسعار الوقود يثقل كاهله، فيما يتعين عليه دفع نحو 250 درهما يوميا لصاحب المأذونية.
بعد انفصاله عن زوجته، يستأجر اليوم غرفة صغيرة بنحو 800 درهم (80 دولارا)، ويتحمل أيضا مصاريف ابنه. وحتى الساعة الحادية عشرة والنصف صباحا، يقول سمير إنه لم يكن قد جمع بعد المبلغ المطلوب لدفع مستحقات المأذونية، ما قد يضطره إلى اقتراض المال لتسديدها.
نموذج المهدي وسمير، يعكس صور الضغط الاقتصادي الذي يواجهه هؤلاء الشباب في حياتهم اليومية.
على النقيض من ذلك تماما، تتبدى ملامح حياة مختلفة في الحي المالي الجديد Casa Finance City.
نوفل، شاب بالكاد يبلغ من العمر عشرين عاما يقود سيارة فارهة، ينبعث منها صوت موسيقى هادئة، يتحدث عن حياة لا تنقصها الامتيازات. يدرس في مدرسة خاصة، ويقول إن اختياره للهندسة المعمارية جاء استجابة لرغبة والديه اللذين يريدانه أن يصبح مهندسا معماريا. والده الذي يملك مصنعا للنسيج، يوفر له كل ما يرغب فيه بحسب قوله، يوضح "جلت أوروبا والولايات المتحدة، وأعيش حياة ميسورة توفر لي خيارات واسعة". ومع ذلك، حين يتحدث عن المكان الذي يفضل أن يعيش فيه، لا يتردد بالقول "المغرب" فهو، بالنسبة إليه، "بلد جميل، بمناخه وأجوائه وثقافته، ولا يرى أن "العيش في الخارج" يجعل وضعه بالضرورة أفضل.
من أطراف الدار البيضاء إلى مناطق أبعد قليلا، تتغير الصورة مرة أخرى. في أحد الدواوير قرب مدينة الدروة، تبدأ رحلة تلميذات مع ساعات الصباح الأولى، إذ تقطعن نحو أربعة كيلومترات للوصول إلى مدرستهن. مسافة قد تبدو قصيرة على الخريطة، لكنها تصبح أكثر ثقلا حين تقطع يوميا للوصول إلى مقاعد الدراسة.
تعرض الشابات حياتهن كل يوم للخطر حين تسلكن نفس طريق السيارات، في غياب مسار آمن مخصص للمشاة، وهو مشهد يكشف وجها آخر من التفاوتات المجالية، فبينما تتوفر في بعض الأحياء الحضرية المدارس والخدمات ووسائل النقل على مسافات قريبة، لا تزال المسافة إلى المدرسة نفسها تشكل تحديا بالنسبة إلى تلميذات في مناطق أخرى.
بالنسبة إليهن، لا يتعلق الأمر فقط بالوصول إلى المدرسة، بل بظروف بلوغها، وطول الطريق، ووسائل النقل المتاحة، وكذا الوقت الذي تستغرقه الرحلة يوميا. تفاصيل تبدو بسيطة، لكنها تكشف جليا كيف يمكن للمكان الذي يعيش فيه الشاب أو الشابة أن يؤثر مباشرة في تجربته التعليمية وفرصه.
تقول إحداهن "نصل إلى المدرسة وقد نال منا التعب، يصعب علينا التركيز داخل الفصل، وعدنا مرات بتوفير خدمة النقل المدرسي، لكننا ما زلنا ننتظر".
لا تقتصر صعوبات الوصول إلى المدرسة على هذه المنطقة. ففي سؤال كتابي وجهته النائبة البرلمانية خديجة أروهال إلى وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت، أشارت إلى أن عشرات التلميذات في دوار بوغانيم بجماعة أصادص بإقليم تارودانت جنوب المملكة يقطعن أكثر من خمسة كيلومترات سيرا على الأقدام يوميا للوصول إلى نقطة الطريق المعبدة، قبل مواصلة نحو عشرة كيلومترات أخرى بواسطة النقل المدرسي حتى الثانوية التأهيلية الكردان.
وربطت النائبة هذه الوضعية بعدم تعبيد مقطع طرقي يصل الدوار بنقطة انطلاق حافلات النقل المدرسي، معتبرة أنها تعرض التلميذات لمعاناة جسدية ونفسية وتؤثر في تحصيلهن الدراسي.
الانتخابات التشريعية في المغرب: "لا نلمس أثرا لوعود الأحزاب"... الشباب بين الأمل وأزمة الثقة
غير بعيد عن المسار الذي تسلكه هؤلاء الشابات في طريقهن إلى المدرسة، تتقدم مشاريع البنية التحتية المرتبطة بخط القطار فائق السرعة الذي سيصل مدينة القنيطرة بمراكش، فيما تمر في المنطقة نفسها طرق ومسارات يومية يسلكها السكان للوصول إلى المدارس والعمل والخدمات.
بالنسبة إلى الشابات اللواتي يقطعن هذه المسافة سيرا على الأقدام، لا تقاس سرعة التنقل بسرعة القطارات، بل بعدد الكيلومترات التي يتعين عليهن قطعها للوصول إلى مقاعد الدراسة.
العاهل المغربي، الملك محمد السادس نفسه، كان قد أقر بضرورة معالجة هذه المفارقة خلال خطاب عيد العرش في يوليو/تموز 2025، حين أشار إلى استمرار مظاهر الفقر والهشاشة في بعض المناطق، ولا سيما في العالم القروي، بسبب النقص في البنيات التحتية والمرافق الأساسية، مؤكدا أن ذلك لا يتماشى مع تصور المغرب الذي تسعى إليه الدولة ولا مع هدف تحقيق العدالة المجالية. وقال: "فلا مكان اليوم ولا غدا، لمغرب يسير بسرعتين" داعيا إلى "تدارك الفوارق الاجتماعية والمجالية" وضمان استفادة جميع المواطنين، في مختلف المناطق والجهات، من ثمار التقدم والتنمية.
المحلل السياسي المغربي والخبير في الشؤون الأمنية والاستراتيجية عبد الحق الصنيبي، أكد أيضا أن المغرب "يعيش بسرعتين"، قطاعات سيادية تشتغل، بحسب تعبيره، "وفق رؤية استراتيجية بعيدة المدى، مقابل قطاعات حكومية ومنتخبة تتحرك بمنطق الزمن الحكومي والانتخابي"، ما يفسر، في رأيه، "تفاوت وتيرة العمل بين الطرفين".
المتحدث يعتبر أن هذا الوضع "يرتبط بعطب مزدوج، يتمثل في ضعف الطبقة السياسية من جهة، وفي استمرار الفقر والبطالة والأمية لدى شريحة من المواطنين من جهة أخرى"، وهي عوامل يقول إنها "تؤثر في طبيعة الاختيار السياسي".
ومع ذلك، يؤكد الصنيبي أن المغرب "حقق تطورا مهما في عدد من القطاعات الاستراتيجية بفضل رؤية بعيدة المدى"، فيما لا تزال المؤسسات المنتخبة، بحسب تحليله، "تواجه صعوبات في مواكبة هذه الوتيرة."
من جهتها، تشير منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية (OECD) إلى أن المغرب عرف تحولات مهمة خلال العقود الماضية، سواء في البنية التحتية أو السكن أو التنمية الحضرية، لكنها ترى أن المرحلة المقبلة تتطلب معالجة أكثر تنسيقا للفوارق المجالية والاجتماعية. وتعتبر أن تعدد الاستراتيجيات والبرامج القطاعية المتعلقة بالتخطيط والنقل والسكن والبيئة والتنمية الاقتصادية يعكس اهتماما متزايدا بالتنمية الحضرية، لكنه يكشف في الوقت نفسه عن غياب سياسة حضرية وطنية موحدة وصريحة تجمع هذه المبادرات ضمن رؤية متكاملة.
مظهر آخر للتفاوتات المجالية يظهر في الوصول إلى الإنترنت والخدمات الرقمية. ففي بلد يتسارع فيه التحول الرقمي، لا تزال جودة الاتصال متفاوتة بحسب المنطقة، بما يجعل العدالة الرقمية جزءا من تفاوت أوسع في الوصول إلى التعليم والعمل والخدمات.
في هذا السياق، سبق أن أثارت نائبة برلمانية من خلال سؤال كتابي أجابت عنه الحكومة في يوليو/تموز 2026، قضية استمرار ضعف أو انعدام تغطية الهاتف والإنترنت في عدد من الدواوير بإقليم ورزازات، مشيرة إلى أن بعض السكان يضطرون إلى التنقل لمسافات أو الصعود إلى المرتفعات بحثا عن إشارة الشبكة.
ولا تقتصر تداعيات ذلك على التواصل اليومي، إذ ربط السؤال البرلماني ضعف التغطية بصعوبات تواجه التلاميذ والطلبة في الولوج إلى الموارد التعليمية، وبالعراقيل التي يمكن أن تطرحها محدودية الاتصال أمام الخدمات الإدارية الرقمية والأنشطة الاقتصادية والتواصل في الحالات الاستعجالية.
في المقابل، تشير المعطيات التي قدمتها الوكالة الوطنية لتقنين المواصلات (مؤسسة رسمية) في يوليو/تموز 2025 إلى أن عدد مستخدمي الإنترنت في المغرب بلغ نحو 40 مليون شخص، أي ما يقارب 90 بالمئة من السكان، فيما تعمل السلطات على توسيع التغطية لتشمل المناطق التي ما زالت تعاني من ضعف أو غياب الشبكة، ولا سيما المناطق الجبلية.
وفي أبريل/نيسان 2026، أعلنت الحكومة أن المرحلة الأولى من الخطة الوطنية لتنمية النطاق العريض مكنت من تغطية 10,690 منطقة من أصل 10,740 بخدمات الهاتف والإنترنت، مع إطلاق مرحلة ثانية تستهدف نحو ألفي منطقة قروية إضافية خلال العام نفسه، والاستعانة بالحلول الفضائية في المناطق التي يصعب الوصول إليها بالشبكات الأرضية.
هذه المعطيات، تكشف مفارقة لافتة في مسار التحول الرقمي بالمغرب. فمن جهة، تتوسع شبكات الاتصال وتقترب التغطية من مناطق جديدة، ومن جهة أخرى، لا يزال بعض السكان يعيشون واقعا رقميا مختلفا، حيث يصبح الوصول إلى الإنترنت نفسه عقبة إضافية أمام التعليم والعمل والخدمات.
تظهر مراجعة منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية (OECD) للسياسة الحضرية في المغرب أن البلاد شهدت خلال العقود الأخيرة تحولا حضريا متسارعا، إذ ارتفعت نسبة السكان المقيمين في المدن من 38% عام 1975 إلى 65.2 بالمئة عام 2024، ومن المتوقع أن تبلغ 67.8 بالمئة بحلول عام 2030. وأصبحت المدن المحرك الرئيسي للاقتصاد المغربي، فهي تولّد نحو 80 بالمئة من النشاط الإنتاجي و75 بالمئة من الوظائف، فيما تستحوذ جهة الدار البيضاء-سطات وحدها على نحو ثلث الناتج المحلي الإجمالي، رغم أنها تضم نحو ربع سكان البلاد.
Loading ads...
غير أن هذا النمو الحضري والاقتصادي لا ينعكس بالقدر نفسه على مختلف المناطق والفئات الاجتماعية، إذ ترى المنظمة أن المغرب لا يستفيد بصورة كاملة من المزايا الاقتصادية التي يمكن أن توفرها التجمعات الحضرية، بسبب تحديات مرتبطة بالنقل والبنية التحتية والحصول على الأراضي واتساع القطاع غير المهيكل، وهو ما يساهم في استمرار التفاوتات بين المناطق الحضرية والقروية، وبين مختلف الجهات.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً




