ساعة واحدة
سياسة “الحياد” العُمانية.. كيف خدمت المصالح الإيرانية على حساب الخليج؟
الثلاثاء، 30 يونيو 2026

رغم المسار التاريخي اللافت للعلاقات بين سلطنة عُمان وإيران خلال العقود الماضية، سواء على المستويين السياسي والاقتصادي أو التجاري، فإن تطورات المشهد الميداني خلال الأشهر الأخيرة، وتصاعد وتيرة الأعمال العسكرية بين واشنطن وطهران، وما رافقها من استهداف مواقع وقواعد في منطقة الخليج العربي، شكّلت تطوراً لافتاً في المشهد الإقليمي، وأثارت العديد من علامات الاستفهام حول مدى استمرار نهج مسقط القائم على مبدأ “الحياد الإيجابي” في التعامل مع طهران، فضلاً عن عدم إدانتها الصريحة لبعض الهجمات التي تعرضت لها دول الخليج عموماً وهي من بينهم، ولا سيما البحرين والكويت، اللتان شهدتا في مراحل مختلفة توترات وتهديدات أمنية.
ثمة دلالات تقدمها السياسة دائماً لتفسير ثوابت الجغرافيا، إلا أن محددات العلاقة بين سلطنة عُمان وإيران تتجاوز الاعتبارات الجغرافية لتستقر قريباً من حقائق الهوية السياسية التي تدركها مسقط، وهو ما يعكس جملة من الاعتبارات الاستراتيجية.
وتشير أنماط السياسة الخارجية التي تنتهجها السلطنة العُمانية في تعاملها مع إيران إلى بروز مسقط كنقطة رئيسية للتبادل التجاري الإيراني مع عدد من الأسواق والقارات، كما يبدو في كثير من الأحيان أن السلطنة تتحرك بهامش مستقل داخل منظومة مجلس التعاون لدول الخليج العربية.
تمتد جذور هذه المقاربة إلى التاريخ البحري والإمبراطوري لعُمان، حين امتد نفوذها عبر سواحل شبه الجزيرة العربية والمحيط الهندي وشرق إفريقيا وشبه القارة الهندية، الأمر الذي جعلها تنظر إلى محيطها البحري بمثابة امتداد لمجالها الاستراتيجي. ومن ثم، فإن علاقة عُمان بدول المحيط الهندي تعكس، بصورة واضحة، حجم الاهتمام الذي توليه السلطنة لهذه الدائرة الحيوية في سياستها الخارجية، وهو ما يفسر جانباً من خصوصية علاقتها مع إيران.
في ظل العدوان الإيراني على مسقط، ظلت علاقتها مع طهران هادئة ومنضبطة، حتى إن التنديد واستنكار العدوان كان مثيراً للشكوك، إذ إن المراعاة العُمانية لطهران في خطابها السياسي أدت إلى أن يتمادى “الحرس الثوري” الإيراني على السيادة العُمانية.
وقد بدا هذا التوجه أيضاً وفق مسؤولين خليجيين وأميركيين لوسائل الإعلام، إذ أفادوا بأن الكويت والبحرين والسعودية والإمارات شعرت بخيبة أمل إزاء امتناع سلطنة عُمان عن إدانة الهجمات الإيرانية بالصواريخ والطائرات المسيّرة التي استهدفت أراضيها.
كما تجلّى ذلك في تصريحات وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي، التي نُشرت في مقابلة مع مجلة “الإيكونوميست” خلال شهر آذار/مارس الماضي، إذ اعتبر أن الولايات المتحدة “فقدت السيطرة على سياستها الخارجية” لصالح إسرائيل، ورأى أن الضربات الإيرانية التي استهدفت دولاً خليجية تستضيف قواعد عسكرية أميركية كانت “أمراً لا مفر منه”.
قد لا يختلف الأمر كثيراً عندما ننتقل إلى قضية شائكة أخرى فرضتها تداعيات الصراع العسكري، وبدت هي الأخرى امتداداً لحقائق الجغرافيا. فمضيق هرمز، الذي يقع بين إيران وسلطنة عُمان، يُعد أحد أهم الممرات المائية الاستراتيجية في العالم، إذ يبلغ عرض أضيق أجزائه نحو 30 كيلومتراً، فيما تتقاسم إيران وسلطنة عُمان الإشراف على مياهه الإقليمية وفق قواعد القانون الدولي، الأمر الذي يجعل أي تطور فيه ذا تأثير مباشر على أمن الطاقة والتجارة العالمية.
وقد منح هذا الواقع الجغرافي طهران مساحة واسعة لتوظيف المضيق كورقة ضغط على المجتمع الدولي، مستفيدة في كثير من الأحيان من خصوصية الموقف العُماني وسياسة الحياد التي تنتهجها مسقط، في محاولة للتأثير في أسواق الطاقة والاقتصاد العالمي. وفي المقابل، كشف المضيق أيضاً حجم الضغوط التي تمارسها إيران لتحقيق مصالحها الاستراتيجية، دون أن تضع في الحسبان دائماً مصالح شريكها العُماني، بل إن ذلك لم يمنعها في بعض المراحل من توجيه رسائل تهديد غير مباشرة إلى مسقط على خلفية إدارة المضيق ومستقبله.
وفي هذا السياق، يقول الكاتب والباحث السياسي الإماراتي محمد خلفان الصوافي إنه إذا وضعنا الموقف السياسي العُماني مع النظام الإيراني وفق سياق العلاقة التاريخية بينهما، والمعروفة من الجميع، سنجد أنها لم تتغير، وبالتالي فهي استمرار لتلك العلاقة حتى خلال هذه الأزمة الالتزام بـ”الحياد”. وربما استغلّت إيران الأمر بطريقة محرجة لعُمان، مما أدى إلى أن يهدد الرئيس الأميركي دونالد ترامب بقصف مسقط.
ويضيف الباحث الإماراتي لـ”الحل نت” أن المتغير الجديد في هذه العلاقة هو أنه، في ظل العدوان الإيراني على مسقط، ظلت علاقتها مع طهران هادئة ومنضبطة، حتى إن التنديد واستنكار العدوان كان مثيراً للشكوك، إذ إن المراعاة العُمانية لطهران في خطابها السياسي أدت إلى أن يتمادى “الحرس الثوري” الإيراني على السيادة العُمانية، بأن يرفض مرور السفن من الممر الجنوبي لمضيق هرمز، الذي هو المياه الإقليمية لعُمان.
وإلى أي حد يمكن أن يؤثر ذلك على بنية الأمن في دول الخليج، يرى الباحث الإماراتي، أن الأمن الخليجي سيستمر كما تم تأسيسه في عام 1981. والخلافات، أو بالأصح التباينات الخليجية، مهما تصاعدت، فإن التهديد الذي تواجهه عامل موحد ويجبرها على الاستمرار في التعاون مع بعضها؛ لأنه لا يوجد خيار استراتيجي آخر يمكن الاعتماد عليه.
لكنه يشير في الوقت ذاته إلى أنه عندما يهدأ التوتر العسكري بالمنطقة، سيكون هناك نوع من المراجعة الخليجية التي تعزز العمل الخليجي، وبالتالي إذا لم تراجع سلطنة عُمان سياساتها حيال إيران وتعدياتها بالمنطقة، فربما تواجه جملة من المواجهة وإن كانت غير مباشرة من دول الخليج وحتى العربية منها بغية تغيير هذه السياسات التي لا تخدم سوى مصالح طهران وتمدد أذرعها العدائية بالمنطقة.
وخلال الساعات الماضية، أعلنت إيران عقد أول اجتماع مع سلطنة عُمان بشأن إدارة مضيق هرمز، وذلك بعد التوصل إلى اتفاق مبدئي بين طهران وواشنطن يهدف إلى احتواء الصراع في الشرق الأوسط، في وقت لا يزال فيه المضيق يمثل إحدى أكثر القضايا حساسية في أي تفاهمات محتملة بين الجانبين.
وفي هذا الإطار، كتب نائب وزير الخارجية الإيراني كاظم غريب آبادي، عبر منصة “إكس”، أن “الاجتماع الأول للجنة هرمز المشتركة عُقد خلال الزيارة إلى مسقط”، مشيراً إلى أن الجانبين استعرضا القضايا الراهنة المتعلقة بالمضيق، وتبادلا وجهات النظر بشأن آليات إدارته خلال المرحلة المقبلة.
ويبدو أن مضيق هرمز سيظل أحد أبرز المؤشرات الكاشفة لطبيعة التعاطي الإيراني مع الملفات الإقليمية، ومدى توظيف طهران لهذا الموقع الاستراتيجي لخدمة مصالحها، حتى وإن تعارض ذلك مع مصالح شركائها، وفي مقدمتهم سلطنة عُمان. وفي المقابل، قد يدفع هذا الواقع دول الخليج إلى فتح نقاش أكثر وضوحاً مع مسقط بشأن تداعيات هذا النهج، والعمل على توضيح مخاطر توظيف إيران لعوامل الجغرافيا والممرات البحرية لتحقيق أهدافها الاستراتيجية.
وفي الأيام الأخيرة، اتسم الموقف العُماني من هذه القضية بالحذر. فقد أعلنت مسقط وطهران، في بيان مشترك، عزمهما مراجعة التكاليف المرتبطة بإدارة مضيق هرمز مستقبلاً، غير أن سلطنة عُمان سارعت لاحقاً إلى التأكيد أنها لا تعتزم فرض رسوم على عبور السفن.
ومن ثم، أفادت صحيفة “نيويورك تايمز” قبل قليل من اليوم الموافق لـ 30 حزيران/يونيو، نقلاً عن مصادر، بأن سلطنة عُمان قدمت اقتراحاً رسمياً إلى واشنطن وحلفائها الغربيين لفرض رسوم عبور على شركات الشحن لمرور السفن في المضيق الحيوي، وبأن اقتراح السلطنة يعتمد جزئياً إلى الآليات المطبقة في مضيقي ملقا وسنغافورة، فيما ينص اقتراح عُمان على أن تكون الرسوم اختيارية رسمياً، بينما تصر طهران على إلزاميتها.
ولفتت الصحيفة الأميركية إلى أن واشنطن لديها تحفظات على الاقتراح، وترغب في مناقشته مع عُمان.
في المقابل، اعترضت إيران على هذا التوجه، وأكدت تمسكها بأن يبقى المرور عبر المسار الملاحي المعتمد والقريب من سواحلها، وهو ما عكس استمرار التباين بين الجانبين بشأن إدارة أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
قد لا يبدو من المنطقي أن تنخرط سلطنة عُمان بصورة كاملة في خندق طهران، لا سيما فيما يتعلق بمضيق هرمز وترتيبات إدارته. وجاء هذا الموقف بالتزامن مع إعلان إيران عقد أول اجتماع للجنة المشتركة الخاصة بمضيق هرمز مع سلطنة عُمان، خلال زيارة نائب وزير الخارجية الإيراني للشؤون القانونية والدولية، كاظم غريب آبادي، إلى مسقط. وفي الوقت ذاته، أظهرت بيانات شركة “كبلر” المتخصصة في تتبع حركة الشحن البحري وتدفقات النفط والغاز عبور 124 سفينة عبر مضيق هرمز منذ يوم الخميس، وهو معدل يقترب من حجم العبور الذي كان يُسجل في يوم واحد قبل التصعيد العسكري.
وإذا كانت تطورات اللحظات الأخيرة التي سبقت اجتماعات الدوحة بين واشنطن وطهران تحمل كثيراً من الدلالات، فإن أبرزها أن إيران، ولا سيما التيار الأكثر تأثيراً في صناعة القرار، ممثلاً بـ”الحرس الثوري”، قد لا تمنح وزناً كبيراً لمحددات سياسة “الحياد الإيجابي” التي تنتهجها سلطنة عُمان خلال الصراعين العسكري والسياسي، بقدر ما تنحاز إلى اعتبارات مصالحها الاستراتيجية ومصالح النخبة الحاكمة.
وحول ما إذا كان يمكن اعتبار التحركات الإيرانية بالمنطقة مؤشراً على تباين عميق في مقاربة دول الخليج نحو الخطر الإيراني سياسياً وأمنياً، يقول الباحث الإماراتي محمد خلفان الصوافي إن التباين البسيط مقبول، ولكن الاختلاف الكامل في إدارة العلاقة مع إيران هو الخطر، ويُقاس نجاح عمل التجمعات السياسية من خلال تفعيل آليات التعاون أثناء الأزمات.
ويضيف،أن ثمة رأيان خليجيان؛ رأي يراهن على البعد التعاوني مع إيران كعامل مساعد لتقليل التشدد الإيراني عبر تعزيز المصالح، وهذا النهج متبع في العديد من دول العالم، ولكنه، بالنسبة للصوافي، غير مجدٍ مع نظام إيراني “ثوري متشدد”.
والرأي الآخر هو عدم التساهل مع النظام الإيراني، لأن التجربة التاريخية تؤكد أن الاحتواء تفسره إيران ضعفاً، وبالتالي ينبغي التشدد معه وهو الرأي الذي يتفق معه الصوافي.
وحول التداعيات السياسية والاقتصادية والأمنية التي قد تترتب على استمرار عُمان في هذا النهج على منظومة مجلس التعاون الخليجي حالياً وفي المستقبل، يعتقد الصوافي أن النهج العُماني، بشكل عام، يمكن قراءته بحالتين؛ أحياناً تفسره دول الخليج بأنه نافذة للتفاهم الخليجي مع إيران، ولكن في وقت الأزمات يمكن قراءته على أنه ضعف وتراخٍ.
في ضوء ذلك، يبدو أن كل ذلك يفرض على مسقط قراءة أكثر عمقاً لخبيئة النظام الإيراني وآليات تحركه وسعيه إلى ترسيخ نفوذ إقليمي واسع، بما يساعدها على حماية مصالحها الوطنية والحفاظ على توازن سياستها الخارجية.
Loading ads...
وقد يبدو ذلك أكثر وضوحاً إذا أدركت مسقط أنها تمتلك القدرة على منافسة طهران في مضيق هرمز، وأنها قادرة على إزعاجها بدرجة كبيرة في هذا الملف، أو على الأقل منافستها انطلاقاً من معطيات الجغرافيا السياسية وما تتيحه من مزايا استراتيجية.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً

