ساعة واحدة
خطاب الكراهية بعد غارات الأردن في سوريا.. غضب شعبي أم حملات منسقة؟
الأربعاء، 28 أكتوبر 2026
أثارت الغارات الجوية الأردنية التي استهدفت مواقع في جنوبي سوريا مساء الإثنين جدلاً سياسياً وإعلامياً واسعاً، في أعقاب سقوط ضحايا مدنيين، بينهم أطفال ونساء، وظهور خلاف بين عمّان ودمشق بشأن التنسيق المسبق للعملية.
ولم يقتصر التفاعل مع التطورات على المواقف السياسية والتصريحات الرسمية، بل امتد إلى منصات التواصل الاجتماعي، حيث تصاعدت الانتقادات للأردن وقيادته، بالتوازي مع دعوات إلى منع تحول الخلاف إلى خصومة بين الشعبين الأردني والسوري.
وفي خضم هذا التصعيد، تداول مستخدمون ادعاءات بشأن وجود حسابات خارجية تستغل الأحداث لنشر محتوى تحريضي وتضخيم الخلافات وإثارة مشاعر الكراهية.
من هنا، يسعى هذا التقرير إلى الإجابة عن سؤال رئيسي: هل استُخدمت منصات التواصل الاجتماعي لتضخيم الخلاف السوري–الأردني وتأجيج العداء بين الشعبين عقب الغارات، وما الأدلة المتاحة على احتمال وجود نشاط رقمي منسّق؟
وللإجابة عن هذا السؤال، يتناول التقرير الذي أعده موقع تلفزيون سوريا تطورات الغارات ميدانياً وسياسياً، ويرصد الخطاب المتداول على منصات التواصل والمعلومات المضللة والحسابات المشتبه بها، مع استعراض مؤشرات التمييز بين النشاط الطبيعي والحملات المنسقة.
ويعتمد التقرير على مصادر صحفية ورسمية وتقارير التحقق والرصد، مع التمييز بين الوقائع المثبتة والادعاءات غير المؤكدة.
قُتل سبعة مدنيين، بينهم ثلاثة أطفال وامرأة، وأُصيب آخرون بغارات جوية أردنية استهدفت مناطق في ريفي درعا والسويداء مساء الإثنين. وشملت المواقع المتضررة خيمة في قرية الطف بمنطقة اللجاة، ومواقع في ريف درعا، ومنزلًا في ريف السويداء، وفق المعلومات الواردة في التقارير المتعلقة بالحادثة.
وفي معرض تبرير العملية، قالت القوات المسلحة الأردنية إن الغارات استهدفت مواقع لتنظيمات إرهابية مرتبطة بتنظيم الدولة "داعش"، على صلة بالهجوم الذي استهدف جنازة داخل كنيسة في بلدة حمود بمحافظة الكرك، وأسفر عن مقتل تسعة أشخاص. وفي المقابل، قالت دمشق إن الضربات نُفذت من دون تنسيق أو إخطار مسبق.
وفي 27 تشرين الأول، أعلنت الحكومة السورية فتح تحقيق في ملابسات الغارات، مؤكدة استمرار الاتصالات مع الأردن. أما الحكومة الأردنية، فأكدت أن العملية استهدفت مواقع لتنظيم "داعش"، وأعربت عن الأسف لسقوط ضحايا مدنيين، مع الحديث عن تشكيل لجنة مشتركة لمتابعة تداعيات الحادثة وتعزيز التنسيق الأمني.
وقد أوجد تباين الروايتين، إلى جانب التقارير المتعلقة بالضحايا المدنيين، بيئة قابلة لتصاعد الجدل السياسي والإعلامي. ومع انتقال النقاش إلى المنصات الرقمية، امتزجت المطالبات بتوضيح ملابسات العملية والمحاسبة على سقوط المدنيين بتعليقات اتخذ بعضها منحى عدائيًا تجاه الأردن وقيادته.
أعقبت الغارات موجة من النقاشات على منصات التواصل الاجتماعي، تداخلت فيها مشاعر الغضب والحزن على الضحايا مع الانتقادات السياسية للعملية العسكرية. غير أن بعض التفاعلات تجاوزت الاعتراض على القرار العسكري أو المطالبة بالتحقيق، لتتحول إلى تعميمات واتهامات تستهدف المجتمع الأردني أو السوري، بما يهدد بنقل الخلاف من مستواه السياسي إلى مستوى اجتماعي أوسع.
وتداول مستخدمون على منصتي "إكس" و"فيس بوك" ادعاءات بشأن وجود حسابات خارجية تستهدف العلاقات الأردنية–السورية، عبر نشر محتوى تحريضي وإعادة تداول صور الضحايا وتكثيف التفاعلات المثيرة للجدل. وذهبت بعض المنشورات إلى القول إن حسابات تنشط من مناطق مختلفة في أوروبا وتركيا وغرب آسيا وإفريقيا تشارك في تصعيد النقاش.
كما تضمنت منشورات أخرى اتهامات بوجود حسابات تستغل الأحداث الخلافية وتستخدم لغة حادة وشتائم متبادلة لتوسيع نطاق الخصومة بين الطرفين. واعتقد بعض المستخدمين أن هذه الأنشطة لا تعكس بالضرورة مواقف الأردنيين والسوريين داخل البلدين، بل قد ترتبط بحسابات تُدار من الخارج. وطرحت منشورات أخرى شبهات بشأن وجود تنسيق أو دعم وتمويل لبعض الحسابات المشتبه في مشاركتها في حملات التحريض.
في مقابل الخطاب العدائي والاتهامات المتبادلة، ظهرت دعوات أردنية إلى ضبط النفس ومنع تحول الخلاف السياسي إلى خصومة بين الشعبين. وفي هذا الإطار، نقل موقع "صوت عمّان"، الثلاثاء، دعوات من صحفيين وناشطين أردنيين إلى التهدئة ورفض فتح باب الفتنة، مع التشديد على أهمية انتظار التوضيحات الرسمية بشأن الغارات وتداعياتها.
وتعكس هذه الدعوات محاولة للفصل بين الموقف من العملية العسكرية وبين العلاقات الاجتماعية بين الأردنيين والسوريين. فالمطالبة بالتحقيق في سقوط المدنيين أو الاعتراض على قرار سياسي أو عسكري لا تستلزم توجيه الاتهامات إلى مجتمع كامل، كما أن الخلاف بين الحكومتين لا يعني بالضرورة وجود خصومة بين الشعبين.
صورة مضللة تكشف مخاطر تداول المعلومات غير المتحققة تقدم واقعة تداول صورة زُعم أنها تعود إلى طيار أردني شارك في الغارات مثالاً ملموساً على كيفية انتشار معلومات مضللة في سياق الأزمات.
فمنذ يوم الاعتداء الأردني على الأراضي السورية، تداولت حسابات وصفحات على "فيس بوك" و"إكس" صورة لشاب يرتدي بزة طيران عسكرية خضراء تحمل العلم الأردني وشارات توحي بارتباطه بالقوات الجوية، مع خلفية تشبه مطاراً عسكرياً. ورافق الصورة ادعاء بأن صاحبها طيار أردني يُدعى "سيف الأشقر"، وأنه نفّذ الغارات على جنوبي سوريا.
وجاء تداول الصورة في سياق الغضب من الضربات والتقارير المتعلقة بسقوط ضحايا مدنيين، الأمر الذي منح الادعاء قابلية للانتشار في نقاش مشحون سياسياً وعاطفياً.
لكن منصة "تأكّد" للتحقق من المعلومات خلصت إلى أن الادعاء غير صحيح. ووفقاً لتحقيق المنصة، فإن الصورة تعود إلى مواطن أردني يُدعى سيف الأشقر المياس، أنشأها باستخدام الذكاء الاصطناعي ونشرها تعبيراً عن فخره بالجيش الأردني، وليس بوصفه طياراً عسكرياً شارك في العملية.
ونقلت المنصة عن المياس نفيه أن يكون طياراً عسكرياً، موضحة أنه لم يكن يعلم بسقوط ضحايا مدنيين عندما نشر الصورة، وأنه دعا إلى وقف ما وصفه بالفتنة والتوقف عن تداول الصورة والادعاءات المرتبطة بها.
وتوضح هذه الواقعة كيف يمكن لصورة مولدة بالذكاء الاصطناعي، عندما تُفصل عن سياقها الأصلي وتُرفق بادعاء غير صحيح، أن تتحول إلى مادة مثيرة للجدل وتُستخدم في توجيه الاتهامات خلال الأزمات.
إلى جانب ما تداولته الحسابات على المنصات الرقمية، صرح الناطق باسم مديرية الأمن العام الأردنية بشأن نشاط وحدة مكافحة الجرائم الإلكترونية في متابعة المنشورات والتعليقات المخالفة للقانون، بما يشمل الإساءة إلى الآخرين والتحريض على الكراهية.
ووفقاً للتصريح، رصدت الوحدة حسابات وصفها المسؤول بأنها مزيفة وتُدار من خارج المملكة، مشراً إلى استخدامها الإساءة والتحريض واستدراج مستخدمين آخرين إلى توسيع نطاق التفاعل، مع التأكيد على اتخاذ الإجراءات القانونية بحق المخالفين.
يوفر تقرير مرصد مصداقية الإعلام الأردني "أكيد" مرجعاً إضافياً لفهم طبيعة الخطاب المتداول خلال الأزمة. فقد نشر المرصد، في 26 تشرين الأول ، تقريراً بعنوان "بعد 48 ساعة من جريمة كنيسة بلدة حمود: التضامن الوطني يحاصر خطاب الكراهية".
وذكر التقرير أن المرصد رصد 766 مادة صحفية منشورة على خمس منصات، تناولت حادثة كنيسة حمود في الكرك، وفحص التعليقات الواردة عليها. ووفقاً لنتائجه، ظهرت تعبيرات كراهية في تعليقات مرتبطة بـ657 من المواد المرصودة، كما أشار إلى أن غالبية الحسابات التي صدرت عنها هذه التعبيرات كانت مجهولة الهوية أو خارجية المصدر.
وصنّف المرصد الحسابات التي رصدها ضمن فئات شملت حسابات يُشتبه في أتمتتها، وحسابات استفزازية، وأخرى تستخدم أسماء مستعارة. وأوضح، في الوقت نفسه، أن المنشورات الصحفية ذاتها لم تتضمن تعبيرات كراهية وفقاً لمنهجيته، وأن هذه التعبيرات ظهرت في تعليقات الجمهور.
يتطلب التحقيق في احتمال وجود نشاط رقمي منسق اعتماد منهجية تتجاوز الانطباعات الشخصية أو مضمون المنشورات وحده. فالحساب الذي ينشر خطاباً عدائياً أو يشارك معلومات غير دقيقة ليس بالضرورة حساباً مزيفاً أو آلياً
ولذلك، من الضروري التمييز بين الأنواع المختلفة للحسابات والسلوكيات الرقمية، وفحص المؤشرات المتاحة في سياقها الصحيح.
يُقصد بالحساب المزيف الحساب الذي يستخدم هوية مختلقة أو يقدم معلومات مضللة عن صاحبه. أما الحساب مجهول الهوية، فقد يستخدم اسماً مستعاراً أو يخفي هوية صاحبه من دون أن يعني ذلك بالضرورة أنه مزيف أو ضار.
وتؤكد توصية منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) بشأن نزاهة المعلومات أهمية تحليل المحتوى وسياقه وآليات انتشاره، بدلاً من افتراض أن إخفاء الهوية يمثل دليلاً على التضليل.
هي حسابات تستخدم برمجيات لتنفيذ أنشطة تلقائية، مثل النشر المتكرر أو إعادة نشر المحتوى أو التفاعل مع منشورات أخرى. ووفقًا لدليل وكالة الأمن السيبراني وأمن البنية التحتية الأميركية (CISA)، المعنون Social Media Bots: An Analysis and Identification Guide، يمكن الاستدلال على احتمال وجود نشاط آلي من خلال تكرار أنماط النشر، ومعدلات النشاط غير المعتادة، والتشابه في السلوك عبر فترات زمنية مختلفة. لكن كثرة المنشورات أو سرعة التفاعل لا تكفي وحدها لإثبات أن الحساب يعمل آليًا؛ فقد يكون المستخدم البشري نشطًا للغاية، كما قد تجمع بعض الحسابات بين النشاط البشري والأدوات الآلية. لذلك، ينبغي التعامل مع هذه المؤشرات بوصفها إشارات تستدعي الفحص، لا أدلة قاطعة على أن الحساب روبوت.
تُستخدم هذه الحسابات لنشر كميات كبيرة من المحتوى المتكرر أو غير المرغوب فيه، وقد تتضمن روابط إعلانية أو مضللة أو رسائل لا ترتبط بموضوع النقاش. وقد تتداخل هذه الحسابات مع حملات التضليل والتحريض عندما تُستخدم لتكرار رسالة محددة وزيادة انتشارها بصورة مصطنعة. ومع ذلك، فإن تحديد دورها يتطلب فحص طبيعة المحتوى، ومدى تكراره، والروابط التي يروج لها، وعلاقته بأنماط النشاط الأخرى.
تستخدم هذه الحسابات اسم شخص حقيقي أو صورته أو معلوماته بهدف إيهام الجمهور بأنها تعود إليه. وقد تُستغل لنشر تصريحات لم تصدر عن الشخص المعني أو لإثارة الخلافات بين مجموعات اجتماعية وسياسية. وتوضح واقعة الصورة المنسوبة خطأً إلى «سيف الأشقر» أهمية التحقق من الهوية والسياق قبل تداول المواد المرتبطة بالأحداث. غير أن انتحال الشخصية يجب إثباته من خلال الأدلة المتاحة، ولا يكفي أن تكون الصورة مثيرة للشك أو أن تتضمن معلومات غير صحيحة.
يشير هذا المفهوم إلى نشاط مجموعة من الحسابات تعمل بصورة منسقة، مع إخفاء هويتها الحقيقية أو تضليل الجمهور بشأن الجهة التي تقف وراء النشاط أو طبيعته. ووفقًا لشرح شركة "ميتا" لمفهوم Coordinated Inauthentic Behavior، لا يتمثل معيار التقييم في مجرد اتفاق الحسابات في الرأي أو نشرها محتوى متشابهًا، بل في وجود تنسيق وسلوك غير أصيل يتضمن التضليل بشأن الهوية أو النشاط. وتتناول توصية منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بشأن نزاهة المعلومات، كذلك، التحديات المرتبطة بعمليات التأثير والتلاعب بالمعلومات.
قد تعمل بعض الحسابات على زيادة انتشار منشور أو وسم معين عبر الإعجابات أو التعليقات أو إعادة النشر بكثافة، بما يعطي انطباعاً بأن المحتوى يحظى بتأييد أوسع مما تثبته البيانات المتاحة. وقد يحدث ذلك من خلال حسابات آلية أو حسابات يديرها أشخاص أو شبكات تستخدم أساليب تنسيق. غير أن ارتفاع عدد التفاعلات لا يثبت بمفرده أن التفاعل مصطنع؛ إذ يتطلب التقييم فحص توقيت التفاعلات، وتشابه التعليقات، وأنماط المشاركة بين الحسابات، ومدى وجود أدلة على تنظيم النشاط.
قد تنشر بعض الحسابات محتوى عدائيًا أو ادعاءات غير دقيقة أو مواد من شأنها إثارة الغضب والانقسام. وهنا تبرز أهمية التمييز بين المعلومات الخاطئة التي تُنشر من دون قصد التضليل، والمعلومات المضللة التي تُنشر عمدًا بهدف تضليل الجمهور. وتؤكد منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) أهمية هذا التمييز عند تقييم تحديات نزاهة المعلومات. ولذلك، فإن إثبات عدم صحة معلومة ما لا يعني تلقائيًا أن ناشرها تعمد التضليل؛ إذ ينبغي النظر في سياق النشر والأدلة المتعلقة بالقصد والسلوك.
قد تستخدم بعض الحسابات صورًا أو أسماء أو تفاصيل شخصية مصطنعة لتبدو كأنها تعود إلى أشخاص حقيقيين، في حين قد يُستولى على حساب حقيقي ويُستخدم لنشر محتوى لم يكن صاحبه ينشره سابقًا. ومن المهم عدم الخلط بين الحالتين، إذ لا يمكن وصف حساب بأنه ذو شخصية مصطنعة أو مخترق من دون أدلة داعمة. وقد تشمل المؤشرات التي تستدعي الفحص تغيراً مفاجئاً في طبيعة المنشورات، أو انتقالاً حاداً إلى خطاب سياسي مختلف، أو نشر روابط مشبوهة، أو ظهور تناقضات واضحة في هوية الحساب ونشاطه. وتظل هذه المؤشرات قرائن أولية تحتاج إلى مزيد من التحقق.
تؤكد التطورات التي أعقبت الغارات الأردنية على جنوبي سوريا أهمية التعامل مع الأزمات السياسية والعسكرية بحذر في الفضاء الرقمي، حيث يمكن للغضب المشروع من سقوط المدنيين أن يتداخل مع المعلومات المضللة وخطاب الكراهية، وقد تستغل بعض الحسابات هذا المناخ لتوسيع نطاق الانقسام.
وتوضح واقعة الصورة المنسوبة خطأً إلى سيف الأشقر المياس مخاطر تداول المحتوى من دون التحقق من مصدره وسياقه، بينما توفر تصريحات الأمن العام الأردني ونتائج مرصد "أكيد" مؤشرات إضافية تستحق المتابعة عند تحليل الحسابات المشتبه بها وطبيعة الخطاب المتداول.
Loading ads...
وفي المحصلة، لا يقتصر التحدي على رصد الحسابات المشبوهة أو الحد من انتشار المحتوى المضلل، بل يشمل أيضاً الحفاظ على التمييز بين المساءلة السياسية والعداء الاجتماعي، وبين النقد المشروع والتحريض، وبين المؤشرات الرقمية والادعاءات التي لم تثبت بعد. فحماية العلاقات بين الشعبين الأردني والسوري تبدأ من التحقق من المعلومات، ومحاسبة المسؤولين على أساس الأدلة، ورفض تحويل الخلافات السياسية إلى خصومة جماعية.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه

