2 أيام
فجوة أكثر من 113 مليار دولار… مليارات خارج معادلة الاستيراد في العراق - رصيف22
الأربعاء، 16 سبتمبر 2026

لا تعني الفجوة بين مبيعات الدولار وقيمة الاستيرادات المسجَّلة رسمياً بالضرورة أن كامل الفرق يمثل أموالاً خرجت لتمويل واردات غير حقيقية. فطبيعة العمليات التي تمر عبر منظومة بيع العملة تغيّرت خلال السنوات محل الدراسة، كما أن بعض المدفوعات بالدولار لا ترتبط مباشرة باستيراد السلع.
ويرى المستشار والخبير الاقتصادي عادل الدلفي أن تفسير الفجوة يحتاج إلى النظر في التحوّلات التي شهدها نظام بيع العملة في العراق. ويوضح أن البنك المركزي العراقي اعتمد لسنوات على نافذة بيع العملة التقليدية، قبل أن يبدأ مطلع عام 2023 تطبيق نظام إلكتروني للتحويلات الخارجية، يعتمد على لتدقيق الرقمي للوثائق والفواتير، بالتنسيق مع الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي.
ويضيف الدلفي أن عامي 2023 و2024 شهدا تشديداً في إجراءات تدقيق الفواتير والتحويلات الخارجية، وهو ما غيّر، بحسب تقديره، طبيعة العمليات التي يجري تمويلها عبر نافذة بيع العملة. كما يوضح أن جزءاً من هذه الفجوة قد يرتبط بمدفوعات لا تظهر ضمن بيانات الاستيراد السلعي الرسمي، من بينها استخدامات بطاقات الدفع الإلكتروني، ونفقات السفر والعلاج، ومدفوعات الشركات الأجنبية. وهي عمليات ترفع الطلب على الدولار دون أن تسجل باعتبارها واردات سلعية.
لا تكشف البيانات السنوية وحدها الصورة كاملة، فعند تفكيكها شهرياً، يتضح أن الفجوة بين مبيعات البنك المركزي وقيمة الاستيرادات لم تكن ثابتة، بل شهدت تذبذباً كبيراً من شهر إلى آخر، بل وتحولت في بعض الأشهر إلى قيمة سالبة، أي أن قيمة الاستيرادات المسجَّلة تجاوزت مبيعات الدولار.
ففي عام 2020، بلغت الفجوة أعلى مستوياتها في كانون الثاني/ يناير، مسجِّلةً نحو 3.3 مليار دولار، قبل أن تنخفض إلى نحو 1.4 مليار دولار في تموز/ يوليو. ثم عادت إلى الارتفاع في أيلول/ سبتمبر، إلى نحو 3.1 مليارات دولار.
وفي عام 2021، بدت الصورة أكثر تبايناً. ففي كانون الثاني/ يناير، تجاوزت قيمة الاستيرادات مبيعات الدولار بنحو مليار دولار، قبل أن تعود الفجوة إلى الاتجاه الموجب في معظم الأشهر التالية، وتبلغ ذروتها في حزيران/ يونيو عند نحو 3 مليار دولار.
وفي عام 2022، انخفضت الفجوة بين مبيعات العملة وقيمة الاستيرادات، قبل أن تعاود الارتفاع في عام 2023، في مؤشر يعكس استمرار التباين بين حجم الدولار المباع لأغراض التجارة وقيمة السلع المستوردة المسجَّلة رسمياً.
وتكرّر نمط مشابه في كانون الثاني/ يناير 2024، إذ تجاوزت الاستيرادات المسجَّلة مبيعات الدولار بنحو 2 مليار دولار، قبل أن تعود الفجوة إلى الاتجاه الموجب في شباط/ فبراير، وتصل إلى أعلى مستوياتها خلال العام في كانون الأول/ ديسمبر، بنحو 4.9 مليارات دولار.
اعتُِمد المجموع السنوي لعام 2023 (47.7 مليار دولار) من نشرة البنك المركزي لعام 2024، بعد إدراج قيمة الحوالات أرصدة المصارف، وتم استبعاد البيانات الشهرية لعام 2023، لعدم توفرها من المصدر، للفئتين معاً.
وتشير هذه التفاوتات الشهرية إلى أن الفجوة لا يمكن قراءتها باعتبارها رقماً ثابتاً أو دليلاً مباشراً على وجود استيرادات غير حقيقية. فالبيانات تكشف عن علاقة أكثر تعقيداً بين توقيت بيع العملة وتوقيت تسجيل الاستيرادات وطبيعة المدفوعات التي تمر عبر منظومة الدولار، ما يجعل تفسير الفارق بحاجة إلى فحص مسار الأموال والسلع معاً.
ويعتبر الدلفي أن وجود فارق بين قيمة الدولار الذي يبيعه البنك المركزي وقيمة السلع المستوردة لا يمثّل، في حد ذاته، مؤشراً على وجود خلل إذ إن جزءاً من الطلب على الدولار يذهب إلى أغراض مشروعة لا تظهر في بيانات الاستيراد السلعي، مثل نفقات السفر والعلاج، ومدفوعات الخدمات، والتحويلات الخارجية.
ويقدّر الدلفي أن ما بين 70% و90% من الطلب على الدولار يرتبط بتمويل استيراد السلع، بينما تمثّل الخدمات والتحويلات الخارجية والنفقات الأخرى، بحسب تقديره، ما بين 10% و30% من إجمالي الطلب، وهو نطاق يعتبره طبيعياً في الاقتصادات التي تعتمد على الاستيراد.
ولتوضيح الفكرة، يضرب الدلفي مثالاً افتراضياً: "إذا باع البنك المركزي 100 مليار دولار خلال عام، وكانت قيمة الاستيرادات الفعلية 80 مليار دولار، بينما ذهبت 20 مليار دولار إلى خدمات وتحويلات ونفقات مشروعة، فإن هذا يعد أمراً طبيعياً".
لكن الصورة تختلف، بحسب الدلفي، عندما تتّسع الفجوة بصورة كبيرة. "إذا بلغت مبيعات البنك المركزي 100 مليار دولار، في حين لم تتجاوز قيمة الاستيرادات 50 مليار دولار، فإن هذا يستدعي التساؤل، وقد يكون مؤشراً على مبالغة في قيم الفواتير التجارية او تهريب للعملة او تحويلات غير مرتبطة بتجارة حقيقيه"، يقول.
ويؤكد الدلفي أن مقارنة بيانات مبيعات البنك المركزي ببيانات الاستيراد الرسمية تمثّل أداةً مهمة لرصد الفجوات، لكنها لا تكفي وحدها لإثبات وجود مخالفات أو عمليات غسل أموال، وإنما تستدعي فحصاً إضافياً للوثائق التجارية، وآليات تدقيق الفواتير، ومسار التحويلات الخارجية.
ويشير إلى أن إصلاح نظام التحويلات الخارجية وتعزيز الرقابة والامتثال والحد من مخاطر غسل الأموال وتمويل الإرهاب كانت من بين التوصيات التي تناولتها تقارير وتوصيات دولية، وأن البنك المركزي العراقي بدأ تطبيق إصلاحات في هذا الاتجاه من خلال المنصة الإلكترونية والانتقال التدريجي إلى نظام البنوك المراسلة.
في بداية عام 2023، دخلت منظومة بيع الدولار في العراق مرحلةً جديدةً مع تشديد إجراءات تدقيق التحويلات الخارجية، بعد سنوات من اعتماد نافذة بيع العملة بصيغتها التقليدية.
ووفقاً للبنك المركزي العراقي، بدأ العمل عبر المنصة الإلكترونية للتحويلات الخارجية مطلع عام 2023، بهدف إعادة تنظيم التحويلات المالية والانتقال من الرقابة اللاحقة إلى الرقابة الاستباقية على عمليات بيع الدولار.
ويشير البنك المركزي إلى أن المرحلة الأولى تضمّنت تدقيق الحوالات اليومية من جانب بنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، قبل الانتقال تدريجياً إلى نظام يعتمد على البنوك المراسلة وشركة تدقيق دولية تتولّى فحص الحوالات قبل تنفيذها.
وفي اجتماع عقده محافظ البنك المركزي علي محسن العلاق مع رؤساء المصارف العراقية في 24 أيلول/ سبتمبر 2023، أُعلن أن هذا التحوّل جاء بعد اتفاق بين البنك المركزي العراقي والاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، موضحاً أن الهدف هو اعتماد البنوك المراسلة في تنفيذ التحويلات الخارجية، أسوة بالأنظمة المصرفية العالمية، بحيث يقتصر دور البنك المركزي على الإشراف والرقابة بدلاً من تنفيذ التحويلات.
وأضاف العلاق أن 60% من الحوالات الخارجية أصبحت تُنفَّذ عبر البنوك المراسلة خارج المنصة الإلكترونية، وأن البنك المركزي يعمل على فتح قنوات للتحويل بعملات متعدّدة، من بينها الدرهم الإماراتي واليورو والروبية الهندية والليرة التركية، بهدف تقليل الاعتماد على الدولار في تمويل التجارة الخارجية.
وبحسب البنك المركزي، ارتفعت هذه النسبة خلال عام 2024 إذ أعلن، في بيان رسمي، أن 95% من التحويلات الخارجية أصبحت تُنفَّذ مباشرة عبر البنوك المراسلة، ولم يتبقّ داخل المنصة سوى نحو 5% من العمليات، مع خطة لاستكمال الانتقال بالكامل قبل نهاية العام.
كما أوضح البنك أن الإمارات وتركيا والهند والصين تمثّل نحو 70% من تجارة العراق الخارجية، وهو ما دفعه إلى إنشاء قنوات تحويل مباشرة بعملات تلك الدول. وأكد أن 13 مصرفاً عراقياً بدأت فعلياً في تنفيذ التحويلات وفق آلية التدقيق المسبق المتفق عليها مع البنوك المراسلة.
ورغم تأكيد البنك المركزي أن هذه الإجراءات أسهمت في تأمين الدولار بالسعر الرسمي، وخفض معدلات التضخّم، والامتثال لقانون مكافحة غسل الأموال، إلا أن بيانات هذا التحقيق تطرح سؤالاً جوهرياً: هل نجحت المنصة الإلكترونية ونظام البنوك المراسلة في كبح الفجوة المالية؟
فالأرقام تكشف مساراً تصاعدياً لافتاً، فمع بدء تطبيق المنصة عام 2023، لم تنخفض الفجوة بل ارتفعت من 15.9 مليار دولار (عام 2022) إلى 23.1 مليار دولار، قبل أن تواصل قفزتها في عام 2024 لتبلغ مستواها القياسي عند 32.6 مليار دولار، وذلك بالتزامن مع وصول نسبة التحويلات عبر البنوك المراسلة إلى 95%.
وتظهر المفارقة في أن انخفاض حصة "الدولار غير المغطى تجارياً" من 62.2% عام 2020 إلى 43.8% عام 2024 لم يمنع الفجوة من بلوغ أعلى قيمة رقمية لها خلال الفترة المدروسة، نتيجة التوسع في إجمالي مبيعات النافذة.
ورغم أن هذه البيانات لا تكفي وحدها لإثبات أثر مباشر للمنصة على حجم الفجوة، لكنها تفتح الباب أمام احتمالات أخرى، من بينها اختلاف توقيت تسجيل التحويلات عن تسجيل الاستيرادات، وطبيعة المدفوعات التي تمر عبر النظام المصرفي، ومنهجيات احتساب البيانات، فضلاً عن استخدامات الدولار التي لا تظهر ضمن بيانات الاستيراد السلعي.
على الجانب الآخر، لا تبدو آثار التحول الرقمي متطابقة بالنسبة إلى جميع التجار. يقول المتحدث الرسمي باسم غرفة تجارة بغداد، رشيد السعدي، إن تطبيق المنصة الإلكترونية لم يؤدِّ إلى تراجع أعداد المستوردين، مؤكداً أن جميع التجار الذين يستوفون المتطلبات القانونية والمصرفية يستطيعون إجراء التحويلات وفتح الاعتمادات عبر القنوات الرسمية.
لكنه يوضح أن بعض التجار واجهوا، خلال المراحل الأولى، صعوبات في استكمال متطلبات بعض المصارف، ما دفع عدداً منهم إلى اللجوء مؤقتاً إلى السوق الموازية للحصول على الدولار إلى حين معالجة تلك الإشكالات.
ويضيف السعدي أن غرفة تجارة بغداد تلقّت شكاوى من مستوردين واجهوا عراقيل في استخدام المنصة، وتواصلت مع البنك المركزي لمعالجة هذه الحالات، مؤكداً أن عدداً كبيراً من المشكلات حُلَّ بالتنسيق المباشر مع إدارة البنك المركزي.
رغم الإصلاحات التي أدخلها البنك المركزي العراقي على منظومة التحويلات الخارجية وتشديد إجراءات التدقيق، لم يختفِ الفارق بين السعر الرسمي للدولار وسعره في السوق الموازية. وتشير البيانات إلى أن الفجوة اتسعت بصورة ملحوظة بعد تعديل سعر الصرف وإطلاق المنصة الإلكترونية، قبل أن تتراجع نسبياً في السنوات التالية دون أن تختفي.
يرى المستشار الاقتصادي، الدلفي، أن ارتفاع حجم مبيعات الدولار من قبل البنك المركزي لا يعني بالضرورة انخفاض سعره في السوق الموازية، لأن الجزء الأكبر من هذه المبيعات لا يتحوّل إلى نقد متداول داخل السوق، وإنما يذهب إلى تمويل الاستيرادات والتحويلات الخارجية عبر القنوات الرسمية.
ويشرح الدلفي: "عندما يبيع البنك المركزي 250 أو 300 مليون دولار يومياً، فإن معظم هذه الأموال تتجه إلى تمويل الاستيرادات والتحويلات الخارجية عبر القنوات الرسمية، وبالتالي لا تصل بالكامل إلى السوق النقدية التي يتحدد فيها سعر الصرف الموازي".
ويضيف أن عوامل أخرى تسهم في استمرار ارتفاع سعر الدولار خارج السعر الرسمي، من بينها وجود طلب على الدولار خارج النظام المصرفي، وعمليات شراء نقدي لا تمر عبر القنوات الرسمية، فضلاً عن تأثير العقوبات والإجراءات الأمريكية التي طالت بعض المصارف العراقية وشدّدت متطلِّبات التحويل الخارجي.
ويشير الدلفي إلى أنه، من الناحية النظرية، لو تمكّن جميع المستوردين الحقيقيين من الحصول على الدولار عبر القنوات الرسمية، ولو غطت هذه القنوات كامل الطلب المشروع، لكان الفارق بين السعر الرسمي وسعر السوق الموازية محدوداً للغاية، وربما لا يتجاوز بضعة دنانير للدولار الواحد. إلا أن استمرار وجود طلب خارج القنوات الرسمية أبقى الفارق عند مستويات مرتفعة، تجاوزت في بعض الفترات 200 دينار للدولار.
يستند الدلفي إلى تطوّر أسعار الصرف خلال السنوات الأخيرة، موضحاً أن الفارق بين السعر الرسمي وسعر السوق الموازية كان محدوداً قبل تطبيق المنصة الإلكترونية. ففي عام 2022، بلغ السعر الرسمي للدولار نحو 1,460 ديناراً، بينما تراوح سعره في السوق الموازية بين 1,470 و1,490 ديناراً، بفارق محدود نسبياً.
لكن بعد إطلاق المنصة الإلكترونية وتشديد إجراءات تدقيق التحويلات وبداية عام 2023، انخفض السعر الرسمي إلى 1,320 ديناراً، بينما ارتفع سعر الدولار في السوق الموازية، ليتراوح بين 1,500 و1,650 ديناراً خلال عام 2023، قبل أن يستقر نسبياً في عام 2024 بين 1,480 و1,530 ديناراً، مع بقاء السعر الرسمي عند 1,320 ديناراً.
ويرى الدلفي أن اتساع الفارق يعكس تحوّل جزء من الطلب على الدولار إلى السوق الموازية بعد تشديد الرقابة على التحويلات الرسمية، إذ لم يعد بعض طالبي الدولار قادرين على الحصول عليه عبر القنوات الرسمية، فاتجهوا إلى السوق النقدية.
وتكشف البيانات أن الفارق بين السعر الرسمي وسعر السوق الموازية اتسع بصورة ملحوظة في عام 2023، عندما بلغ متوسط سعر الدولار في السوق الموازية 1,531ديناراً، مقابل 1,320 ديناراً للسعر الرسمي، بفارق بلغ 211 ديناراً للدولار الواحد.
ورغم استمرار تطبيق آليات التدقيق والتحويل عبر البنوك المراسلة، بقي الفارق قائماً خلال عامي 2024 و2025، وإن كان أقل من ذروة عام 2023 إذ بلغ متوسط سعر الدولار في السوق الموازية 1,499ديناراً في 2024 و1,444 ديناراً في 2025، مقابل سعر رسمي ثابت عند 1,320 ديناراً.
وتشير هذه الأرقام إلى أن الإصلاحات لم تُنهِ الفجوة بين السعرين، بل تزامن تطبيقها مع اتساعها بصورة حادة في عام 2023، قبل أن تتراجع نسبياً وتظل قائمة في السنوات التالية.
يرى الخبير والمستشار القانوني محمد الربيعي أن الفجوة بين قيمة الدولار المباع من قبل البنك المركزي العراقي وقيمة الاستيرادات المسجَّلة رسمياً لا تُعد، من الناحية القانونية، دليلاً في حد ذاتها على ارتكاب جريمة، لكنها تمثّل مؤشراً يستوجب التدقيق والتحقّق من جانب الجهات الرقابية والمالية.
ويقول الربيعي إن البنك المركزي، عند رصد فروقات بين التحويلات الخارجية وقيمة الاستيرادات، يتحقّق من مدى مطابقة عمليات التحويل للوثائق التجارية، بما في ذلك الفواتير، ووثائق الشحن، والبيانات الجمركية، والمستندات الضريبية، للتأكد من استخدام الأموال المحولة في استيراد بضائع دخلت فعلياً إلى العراق.
ويضيف أن هذه الوثائق تمثل الحلقة الأساسية في التحقق من سلامة التحويلات، إذ تتيح مطابقة قيمة الأموال المحولة مع قيمة البضائع المستوردة وإجراءات التخليص الجمركي.
ويؤكد الربيعي أن ظهور فواتير مزوَّرة، أو تضخيم في قيم الاستيراد، أو تحويلات لا تستند إلى نشاط تجاري حقيقي، قد يؤدّي إلى إحالة القضية إلى الجهات القضائية المختصة، بما في ذلك محكمة تحقيق النزاهة وغسل الأموال، فيما تتولّى الأجهزة المختصة في السلطة التنفيذية متابعة الجوانب التحقيقية وفقاً لقانون مكافحة غسل الأموال من نافذة البنك المركزي إلى السوق.
ومع انتهاء رحلة البيانات والوثائق والشهادات، تعود قصة التاجر حيدر إلى الواجهة، باعتبارها انعكاساً لواقع يعيشه آلاف التجار في العراق.
في كل صباح، يجمع حيدر مبيعاته بالدينار العراقي، ثم يتجه إلى سوق الصرافة لشراء الدولارات التي يحتاج إليها لاستمرار تجارته. بالنسبة إليه، لا تمثل أسعار الصرف أرقاماً في جداول أو مؤشرات اقتصادية، بل تكلفة يومية تحدّد حجم أرباحه، وقدرته على الاستمرار في السوق، والأسعار التي تصل بها السلع إلى المستهلك.
لكن رحلة التحقيق تكشف أن ما يعيشه حيدر ليس سوى الحلقة الأخيرة في سلسلة أطول، تبدأ من منظومة بيع العملة في البنك المركزي، وتمر عبر المصارف وشركات التحويل والمستوردين والوثائق التجارية، قبل أن تنتهي في الأسواق المحلية.
وخلال خمسة أعوام، أظهرت البيانات الرسمية أن البنك المركزي العراقي باع نحو 231.1 مليار دولار بينما بلغت قيمة الاستيرادات المسجَّلة رسمياً 117.7 مليار دولار، بفجوة تراكمية تساوي 113.4 مليار دولار.
ولا تعني هذه الفجوة، في حد ذاتها، أن المبلغ يمثل تحويلات غير مشروعة أو استيرادات وهمية. فالخبراء الذين تحدث إليهم التحقيق يشيرون إلى أن جزءاً منها قد يرتبط بتحويلات مشروعة ونفقات على الخدمات والسفر ومدفوعات أخرى لا تظهر ضمن بيانات الاستيراد السلعي. لكن اتساع الفارق يطرح في الوقت نفسه أسئلة حول مدى تطابق حركة الأموال مع حركة السلع، وحول قدرة أنظمة الرقابة على تتبع مسار الأموال والتحقق من المستندات المقدمة للحصول على الدولار.
وتظهر الوثائق الرسمية أن البنك المركزي بدأ بداية عام 2023 إصلاحاً في نظام التحويلات الخارجية، شملت اعتماد المنصة الإلكترونية، ثم الانتقال التدريجي إلى البنوك المراسلة وتشديد إجراءات التدقيق، في محاولة لتعزيز الامتثال للمعايير الدولية والحد من مخاطر غسل الأموال وتمويل الإرهاب.
ورغم هذه الإجراءات، تبقى أسئلة أساسية بلا إجابة حاسمة: ما حجم الفجوة الذي يمكن تفسيره بتحويلات مشروعة؟ وما الجزء الناتج عن اختلاف توقيت أو منهجيات احتساب البيانات؟ وهل تكفي الإجراءات الحالية لضمان إمكانية تتبع كل دولار يخرج عبر القنوات الرسمية إلى نشاط تجاري حقيقي ووثائق قابلة للتحقق؟
يقول حيدر، وهو يغادر سوق الصرافة حاملاً ما يحتاج إليه من الدولارات: "نحن نشتري الدولار حتى نستطيع أن نعمل".
لكن السؤال الذي طرحه التحقيق لم يكن لماذا يشتري حيدر الدولار، بل ماذا يحدث بعد ذلك: إلى أين ينتهي المسار الكامل لمليارات الدولارات التي يبيعها البنك المركزي كل عام، وإلى أي مدى تعكس البيانات الرسمية هذا المسار؟
تظل الإجابة الكاملة مرتبطة بمزيد من الشفافية وإتاحة البيانات وتعزيز الرقابة؛ فالثقة في الاقتصاد لا تُبنى على وفرة الدولار وحدها، وإنما على وضوح المسار الذي يسلكه، منذ خروجه من القنوات الرسمية وحتى تحوله إلى سلع وخدمات تصل إلى السوق العراقية.
Loading ads...
تواصل معدّ التحقيق مع قسم الإعلام في البنك المركزي العراقي أكثر من مرة، ولم يرد البنك بإجابة مباشرة عن الفجوة، ولم يعترض على أرقامها، وأحال إلى بيان عام صادر عنه في آذار/ مارس 2025 بشأن آلية نشر بيانات بيع العملة، وإلى تقرير الاستقرار المالي لسنة 2021 وجدول المؤشرات المالية الرئيسة، وهي مواد لا تتضمّن بيانات عن مبيعات النافذة أو قيمة الاستيرادات خلال المدة محل الرصد. وكان البنك قد أعلن في ذلك البيان انتقاله إلى تقرير شهري يتضمن تفاصيل التحويل الخارجي وأبرز السلع والدول، مؤكداً أن "عملية التعزيز للمصارف لا تعكس المبيعات اليومية لزبائن المصارف إلى حين تحقق العمليات فعلياً".
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه





