ساعة واحدة
بعد عقود من التضييق والمنع.. الشركس يحيون "يوم الحزن" في العاصمة دمشق
الجمعة، 22 مايو 2026
في مشهد حمل كثير من الرمزية التاريخية والسياسية، أحيا عشرات الشركس في العاصمة السورية دمشق "يوم الحزن الشركسي" للمرة الثانية بشكل علني وواسع، بعد سنوات طويلة من التضييق والمنع خلال حكم النظام المخلوع.
وذلك في فعالية أُقيمت قرب ساحة الأمويين، استذكاراً لضحايا الحرب الروسية - القوقازية وما تبعها من تهجير جماعي للشركس في القرن التاسع عشر.
ويوافق 21 من أيار، من كل عام ذكرى انتهاء الحرب التي استمرت أكثر من قرن بين روسيا القيصرية وشعوب شمال القوقاز، والتي انتهت عام 1864 بسيطرة الروس على المنطقة وبدء عمليات تهجير واسعة للشركس نحو أراضي الدولة العثمانية، في واحدة من أكثر المآسي دموية في تاريخ القوقاز.
وشهدت الفعالية التي حضرها موقع "تلفزيون سوريا"، حضوراً لافتاً لأبناء الجالية الشركسية في دمشق ومحافظات سورية أخرى، حيث رفع المشاركون الأعلام الشركسية ورددوا أغانٍ تراثية وشعارات تؤكد التمسك بالهوية والذاكرة الجماعية، كما وقف المشاركون دقيقة صمت على أرواح الضحايا الذين قضوا خلال الحرب أو في أثناء عمليات التهجير القسري.
وفي استطلاع أجراه موقع "تلفزيون سوريا"، قال عدد من المشاركون إن إحياء المناسبة هذا العام يحمل طابعاً مختلفاً، إذ يأتي بعد سنوات طويلة مُنع خلالها الشركس من تنظيم فعاليات عامة تحمل طابعاً قومياً أو تاريخياً، في ظل القيود الأمنية التي فرضها النظام المخلوع على مختلف الفعاليات المجتمعية والثقافية.
ويرى المشاركون أن مجرد إقامة الفعالية في "ساحة الأمويين"، ورفع العلم الشركسي فيها بموافقة أمنية مسبقة، يمثل "استعادة للحق في الذاكرة"، ورسالة تؤكد أن المجتمع الشركسي ما زال متمسكاً بقضيته التاريخية رغم مرور أكثر من 160 عاماً على أحداث التهجير.
وأكدوا أن إحياء "يوم الحزن" لا يقتصر على استذكار الماضي، بل يرتبط أيضاً بالحفاظ على الهوية الثقافية واللغة والتراث في بلدان الشتات، إذ تواجه الأجيال الجديدة تحديات تتعلق بالاندماج وفقدان اللغة الأم، ما يجعل من المناسبات التاريخية فرصة لإعادة ربط الشباب بجذورهم وتاريخهم.
وفي دمشق، بدت الفعالية هذا العام أقرب إلى إعلان رمزي عن عودة المجتمع المدني للتعبير عن ذاكرته الخاصة بعد سنوات من القمع، إذ اختلط الحزن التاريخي لدى الشركس بشعور عام بأن استعادة الحق في إحياء الذاكرة بشكل علني تمثل بحد ذاتها تحولاً مهماً في المشهد السوري.
وتعود جذور "يوم الحزن الشركسي" إلى الحرب التي دارت بين روسيا القيصرية وشعوب شمال القوقاز بين عامي 1763 و1864، والتي تُعد من أطول الحروب وأكثرها دموية في تاريخ المنطقة.
وانتهت الحرب في 21 أيار 1864 بعد معركة حاسمة في وادي "كبادا" قرب مدينة سوتشي المطلة على البحر الأسود، حيث تمكنت القوات الروسية من إخضاع آخر معاقل المقاومة الشركسية في غرب القوقاز.
وبعد الانتصار الروسي، بدأت السلطات القيصرية تنفيذ سياسة تغيير ديمغرافي واسعة النطاق، شملت تهجير مئات آلاف الشركس من مناطقهم الساحلية في سوتشي وتوابسي وسخومي باتجاه أراضي الدولة العثمانية.
وبحسب تقديرات متداولة نقلتها وكالة الأناضول ودائرة المعارف البريطانية، فإن ما بين 400 و500 ألف شركسي قضوا خلال عمليات التهجير بسبب الجوع والأوبئة وظروف النقل القاسية، في حين اضطر مئات الآلاف إلى مغادرة موطنهم التاريخي نحو الأناضول وبلاد الشام.
واستقر قسم كبير من الشركس الذين هُجّروا من القوقاز في مناطق مختلفة من الدولة العثمانية، قبل أن تنتقل مجموعات منهم لاحقاً إلى سوريا والأردن وفلسطين والعراق.
وفي سوريا، لعب الشركس دوراً بارزاً في الحياة الاجتماعية والعسكرية منذ أواخر القرن التاسع عشر، واستقروا في مناطق عدة أبرزها دمشق والقنيطرة وريف حمص وحلب، وأسهموا في تأسيس أحياء وقرى ما تزال تحمل طابعهم الثقافي حتى اليوم.
وبحس تقديرات الجمعية الشركسية في دمشق، يُقدَّر عدد الشركس في سوريا بنحو 35 ألف شخص، في حين يعيش العدد الأكبر منهم في تركيا، إلى جانب تجمعات أخرى في الأردن والعراق وإيران، في حين بقي قسم منهم داخل الجمهوريات الروسية في شمال القوقاز.
الشركس هم أحد شعوب القوقاز الأصليين، وتاريخياً كانت مناطقهم تمتد بين البحر الأسود غرباً وبحر قزوين شرقاً، في منطقة شكّلت على مدى قرون نقطة صراع بين قوى إقليمية كبرى، من الإغريق والرومان إلى المغول والعثمانيين والروس.
ويتألف الشركس من مجموعتين رئيسيتين هما الأديغ والقبارد، وينتمي معظمهم دينياً إلى الإسلام، مع وجود بعض الموروثات والطقوس التقليدية القديمة المرتبطة بالطبيعة والخصوبة.
وتقع غالبية الأراضي الشركسية التاريخية اليوم ضمن جمهوريات روسية في شمال القوقاز، أبرزها أديغيا وقراشاي شركيسيا وقاباردينو بلقاريا.
ولا يزال جزء من الشعب الشركسي يعيش داخل روسيا الاتحادية، في جمهوريات تتمتع بحكم ذاتي نسبي، أبرزها جمهورية أديغيا وقراشاي شركيسيا وقاباردينو بلقاريا.
وتُعرف هذه المناطق بتنوعها العرقي والديني، إذ تضم إلى جانب الشركس مجموعات أخرى مثل القراشاي والبلقار والأبازين والنوغاي، وشهدت بعض تلك الجمهوريات توترات عرقية وسياسية متكررة خلال العقود الماضية.
وفي جمهورية قراشاي شركيسيا، تعيش المنطقة منذ سنوات على وقع تحديات أمنية واقتصادية، وسط انتشار الفقر والفساد وتكرار النزاعات العشائرية، رغم محاولات السلطات الروسية تطوير قطاع السياحة فيها، خاصة الرياضات الشتوية.
Loading ads...
أما جمهورية قاباردينو بلقاريا، فتشتهر بمواردها الطبيعية ومناطقها الجبلية، وشهدت خلال الحقبة السوفيتية عمليات تهجير طالت شعب البلقار بعد اتهامهم بالتعاون مع ألمانيا النازية، قبل السماح لهم بالعودة لاحقاً.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


