شهر واحد
تقرير حقوقي يبحث في قضية “الفروغ” وحقوق الملكية في سوريا
الأربعاء، 18 فبراير 2026

أصدرت الشَّبكة السورية لحقوق الإنسان تقريراً تناول ظاهرة “الفروغ” في المحال والعقارات التجارية، واعتبرها نتاجاً مباشراً لاختلال بنيوي في قوانين الإيجار الاستثنائية في سوريا منذ منتصف القرن العشرين، ولا سيما نظام التمديد الحكمي الذي حدّ عملياً من حقوق المالك وحوّل عقد الإيجار إلى علاقة شبه دائمة لقاء بدلات مادية متدنية. وذلك بحسب التقرير الصادر بعنوان: “الفروغ في المتاجر السورية: معالجة إرث التمديد الحكمي ضمن إطار العدالة الانتقالية لحقوق السكن والأرض والملكية”.
وأشار التقرير إلى أن “الفروغ” نشأ كحل عرفي لتعويض المستأجرين وإعادة التوازن، خصوصاً في ضوء التغيّرات السياسية الأخيرة وتشكيل لجنة رسمية لمراجعة التشريعات المتعلقة بالتمديد الحكمي وإمكانية إلغاء الفروغ. وحذّر التقرير من أي معالجة متسرّعة قد تفضي إلى ظلم جديد بحق من دفعوا فروغاً مرتفعة اعتماداً على استقرار قانوني سابق، مؤكداً ضرورة إدماج القضية ضمن سياسة وطنية شاملة لحقوق السكن والملكية، مع آليات مرنة للإثبات وتحقيق التوازن دون صدمات قانونية أو اقتصادية.
خلفية تاريخية وتشريعية
أوضح التقرير أن ملكية العقارات استُخدمت منذ بدايات الدولة الحديثة أداةً سياسية، بدءاً من مصادرات ما بعد انهيار الدولة العثمانية، مروراً بالتمديد الحكمي والتأميم والإصلاح الزراعي، وصولاً إلى تشريعات نظام الأسد وما بعد عام 2011، بما في ذلك المرسوم 66 والقانون 10 وقوانين مكافحة الإرهاب، التي ساهمت في مصادرة أملاك المعارضين والمهجّرين والمختفين قسرياً. وأشار التقرير إلى غياب مقاربة وطنية شاملة بعد سقوط النظام السابق، ما أعاد إنتاج اختلالات قديمة في ملفات الإيجارات القديمة والفروغ.
كما استعرض التقرير الإطار القانوني لعقود الإيجار في سوريا، موضحاً التناقض بين أحكام القانون المدني لعام 1949 والقوانين الاستثنائية التي فرضت التمديد الحكمي، وبيّن أن العقود القديمة بقيت خاضعة للتمديد الحكمي رغم التشريعات الجديدة بعد عام 2000، مع اعتماد آليات لتعويض المستأجرين ومنح المالك حقوق الأفضلية.
وتناول التقرير بشكل مفصل المراسيم والتشريعات التاريخية التي أوجدت هذا الخلل البنيوي، مثل القانون 26 لعام 1943، القانون 464 لعام 1949، المرسوم التشريعي 111 لعام 1952، والمراسيم 24 لعام 1965، 187 لعام 1970، و13 لعام 1971، إضافة إلى القوانين الحديثة مثل 6 لعام 2001، 10 لعام 2006، 32 لعام 2011، و20 لعام 2015، والتي ارتبطت بتنظيم العقود الجديدة والتمديد الحكمي القديم.
خصوصية المتاجر ودور الفروغ
أكد التقرير أن المتاجر لها خصوصية قانونية واقتصادية تميزها عن سائر العقارات، إذ تشمل عناصر مادية ومعنوية مثل حق الاستئجار والسمعة التجارية والزبائن، وقد تتجاوز قيمتها الاقتصادية قيمة العقار نفسه.
وأوضح التقرير أن “الفروغ” أصبح حقاً مالياً مكتسباً، انتقل بالتنازل والإرث، وبرز كآلية تعويضية قانونية ضمن علاقة إيجارية غير متوازنة.
توصيات للجهات التشريعية والقضائية والإدارية
وأشار التقرير إلى ضرورة إقرار قانون خاص لمعالجة آثار الإيجارات ذات التمديد الحكمي والمتاجر الخاضعة للفروغ، بصيغة “قانون انتقالي” محدد الغاية والزمن، يعترف بالمبالغ المدفوعة بوصفها مقابلًا اقتصاديًا حقيقيًا ويحظر تحميل الأطراف كلفة ثانية، مع منح الهيئة القضائية صلاحية تقديرية لتحديد التعويض ووسائل الإثبات وتدرج التنفيذ.
كما أوصى التقرير وزارة العدل واللجنة المكلفة بدراسة عقود الإيجار بتوسيع التمثيل ليشمل غرف التجارة، والمالكين، والمستأجرين أو ورثتهم، وخبراء السكن والأرض والملكية، ونشر محاضر الجلسات وملخصات المداولات، إلى جانب إنشاء سجل وطني للإيجارات القديمة والفروغ لتكوين قاعدة بيانات أولية، وإصدار تعميم للدوائر القضائية بعدم ترتيب أي آثار فورية على الشائعات المتعلقة بإلغاء الفروغ.
وشدد التقرير على أهمية تبني القضاء لمبدأ “حماية الثقة المشروعة” عند النظر في الدعاوى، مع مراعاة سنة التعاقد، ومقدار الفروغ وموقع المتجر ومدة الانتفاع، وتوجيه أعمال الخبرة القضائية للاستعانة بالعرف التجاري الفعلي في الأسواق المحلية.
كما دعا الوحدات الإدارية والبلديات ووزارات الاقتصاد والتجارة الداخلية إلى مواءمة السجلات الضريبية مع سجل المتاجر والسجل العقاري، وتوثيق الأعراف السائدة في الأسواق التاريخية كدلائل سوقية، مع الامتناع عن فرض أو زيادة الرسوم والضرائب على عمليات التنازل الجارية.
توصيات للقطاع الخاص والمستأجرين والشركاء الدوليين
وأوضح التقرير أهمية إنشاء لجان مصالحات متخصصة بملف الفروغ داخل غرف التجارة والصناعة والجمعيات المهنية، تعمل بآلية الوساطة قبل اللجوء إلى التقاضي، وتزويد اللجنة الحكومية بالبيانات التاريخية لتطور أسعار الفروغ لتكوين منحنى واقعي يمكن الاعتماد عليه قضائيًا وإداريًا. كما دعا المالكين إلى الامتناع عن إجراءات الإخلاء الأحادية أو اللجوء المتسرع للقضاء، والاحتفاظ بكل ما يثبت دفع الفروغ، مع تفضيل التسوية التدريجية على المسار الصدامي.
وبالنسبة للمستأجرين والورثة والمستثمرين، نص التقرير على توثيق أي مبالغ مدفوعة أو ستُدفع مستقبلاً، وتسجيل المتاجر في السجل التجاري لإثبات حق الاستئجار.
توصيات للحكومة الانتقالية
وأخيرا، دعا التقرير الحكومة إلى إنشاء هيئة وطنية مستقلة لرد المساكن والممتلكات وفض المنازعات العقارية، تدمج فيها ملفات الإيجارات القديمة والفروغ والمزادات والحجوزات الإدارية، وربطها ببرنامج وطني للمعلومات العقارية، مع اعتماد المعايير الدولية ذات الصلة، وحث المنظمات الدولية والشركاء الأمميين على دعم الحكومة في إعداد قاعدة بيانات وطنية عن الإيجارات القديمة والفروغ وتمويل المسوحات الميدانية، وإصدار أوراق سياسات مشتركة لتقديم بدائل تدريجية دون الإضرار بحقوق المستأجرين أو ورثتهم.
احتجاجات على قانون الفروغ
من الجدير بالذكر أن منطقة الحريقة التجارية في دمشق، شهدت تموز الماضي، اعتصاماً نظمه عدد من أصحاب المحلات التجارية أمام مقر غرفة تجارة دمشق، احتجاجاً على ما يُعرف بـ”قرار الفروغ الجديد”، الذي أثار موجة واسعة من الغضب في الأوساط التجارية.
Loading ads...
وأتى الاعتصام حينها، رفضاً لقرار حديث تَصدر عن وزارة العدل، ويقضي بإعادة تنظيم العلاقة بين المالكين والمستأجرين من خلال فرض نسب جديدة على “بدل الفروغ” للمحلات التجارية، وصلت في بعض الحالات إلى 70% من قيمة العقار، وهو ما اعتبره التجار عبئاً ثقيلاً وظلماً واضحاً يُهدد أصحاب المحال التجارية في المنطقة.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً





