3 ساعات
التماسك الاجتماعي في سوريا في ضوء نتائج المؤشِّر العربي 2026
الأربعاء، 4 نوفمبر 2026
امتدَّت آثار الحرب في سوريا إلى العلاقات التي تربط أفراد المجتمع بعضهم ببعض، وأعادت تشكيل أنماط الثقة والانتماء والتفاعل الاجتماعي. مما جعل استعادة الثقة إحدى القضايا الأساسية في مسار التعافي الوطني. ومن هذا المنطلق، تكتسب نتائج استطلاع المؤشِّر العربي في سوريا لعام 2026 أهمية خاصة؛ لأنَّها تتيح قراءة بعض التحوُّلات في وعي السوريين تجاه الاختلاف والتعايش والانتماء المشترك. وتطرح هذه النتائج سؤالاً يتجاوز حدود المواقف المعلنة، مفاده: هل يمتلك المجتمع السوري اليوم الشروط اللازمة لإعادة بناء الثقة المتبادلة وتحويل التعايش إلى أساس لتماسك اجتماعي قادر على دعم استقرار الدولة الجديدة؟
تكشف نتائج الاستطلاع عن مفارقة اجتماعية تستحقُّ التوقُّف عندها؛ فمن جهة، يظهر استعداد واسع لدى السوريين لقبول العيش بجوار أشخاص ينتمون إلى خلفيات دينية واجتماعية مختلفة، إذ تراوحت نسب عدم الممانعة في هذا النوع من الجوار بين 75% و78%. ومن جهة أخرى، يرى 90% من المستطلعين وجود تصنيفات متبادلة على أسس مذهبية ودينية وإثنية داخل المجتمع. وهنا تبرز مفارقة تستحق قراءة تتجاوز الأرقام في ظاهرها؛ إذ كيف يمكن لمجتمع أن يبدي استعداداً مرتفعاً لقبول الآخر، فيما يقرُّ معظم أفراده بوجود تصنيفات متبادلة بين مكوناته؟ يبدو أنَّ السوريين لم يفقدوا بالضرورة القدرة على التعايش، لكنَّهم لم يستعيدوا بالقدر نفسه القدرة على الاطمئنان المتبادل. وهذا فرق جوهري؛ لأنَّ قبول الآخر في الحي أو مكان العمل لا يعني بالضرورة الثقة به في السياسة أو الإدارة أو المشاركة في صنع القرار، إذ تظلُّ المواقف العميقة محكومة بتجارب الماضي ومخاوف المستقبل. ومن منظور سوسيولوجي، ينبغي ملاحظة أنَّ الثقة الاجتماعية تتأسَّس على الشعور بإمكان التعامل مع المختلف في المعتقدات أو الانتماءات ضمن علاقات مستقرة تحكمها قواعد مشتركة، ويضمن فيها كلُّ طرف احترام الآخر وحقوقه. فالمجتمع المتماسك هو المجتمع الذي يمتلك آليات اجتماعية وثقافية تسمح بإدارتها من دون أن تتحوَّل الاختلافات إلى مصادر للريبة والإقصاء.
لا يمكن فصل الثقة بين أفراد المجتمع عن طبيعة العلاقة التي تربطهم بالدولة ومؤسساتها؛ فالثقة الاجتماعية تتأثَّر بمدى شعور المواطنين بأنَّ القانون يحميهم على قدم المساواة، وأنَّ المؤسسات العامة تتعامل معهم بوصفهم مواطنين متساوين في الحقوق والواجبات.
وقد أظهر الاستطلاع أنَّ 61% يرون أنَّ السوريين نجحوا في الانصهار ضمن أسرة واحدة بدرجات متفاوتة. قد تحمل هذه الإشارات دلالة إيجابية في ظاهرها، لكنَّنا لا ينبغي أن نعدَّها دليلاً على اكتمال المصالحة المجتمعية. ومن المهم التمييز هنا بين وحدة المجتمع على اعتبارها تصوراً عاماً، ووحدته بوصفها تجربة يومية يعيشها أفراده، فقد يشعر السوريون بأنَّهم ينتمون إلى وطن واحد، لكنَّ هذا الشعور قد يتراجع حين يواجهون تمييزاً في الحصول على الحقوق، أو حين تصبح الانتماءات الفرعية محدداً للعلاقات الاجتماعية وفرص المشاركة، فالانصهار الذي لا يستند إلى العدالة والمساواة قد يبقى هشاً، كما أنَّ التوافق الذي لا يتيح التعبير عن الاختلاف قد يخفي توترات مؤجَّلة بدلاً من معالجتها. فليس المطلوب إذاً إنتاج صورة مثالية عن مجتمع متجانس؛ لأنَّ السوريين بحاجة إلى بناء مجتمع يستطيع أفراده الاختلاف والتنافس والاحتكام إلى قواعد مشتركة من دون الشعور بأنَّ حقوقهم تتوقَّف على هوياتهم.
وبالتالي لا يمكن فصل الثقة بين أفراد المجتمع عن طبيعة العلاقة التي تربطهم بالدولة ومؤسساتها؛ فالثقة الاجتماعية تتأثَّر بمدى شعور المواطنين بأنَّ القانون يحميهم على قدم المساواة، وأنَّ المؤسسات العامة تتعامل معهم بوصفهم مواطنين متساوين في الحقوق والواجبات. وتكتسب هذه المسألة أهمية في ضوء نتائج الاستطلاع التي أظهرت أنَّ 47% يرون أنَّ القانون يطبَّق على الجميع بالتساوي إلى حدٍّ بعيد، مقابل 36% يرون وجود محاباة في تطبيقه، فيما يعتقد 88% بوجود فساد بدرجات متفاوتة. وتكشف هذه المؤشرات عن تحديات تتصل بالثقة المؤسسية، وتوضِّح أنَّ بناء علاقة مستقرة بين المجتمع والدولة يرتبط بقدرة المؤسسات على ترسيخ العدالة والشفافية والمساءلة. فحين يشعر المواطن أنَّ القانون لا يوفر حماية متساوية، أو أنَّ الوصول إلى الحقوق يتأثر بالانتماء والنفوذ، تتراجع ثقته بالمؤسسات، وتضعف تبعاً لذلك قدرته على الانخراط في المجال العام. إنَّ الاعتقاد بوجود فساد لدى 88% من المستطلعين هو تعبير عن أزمة عميقة تمسُّ شرعية المؤسسات وقدرتها على كسب ثقة المجتمع.
فالفساد يضعف الإحساس بالمساواة، ويعزِّز الاعتقاد بأنَّ النفوذ والعلاقات الشخصية أكثر فاعلية من القانون والحقوق. وحين تسود هذه القناعة، يصبح من الصعب إقناع المواطنين بأنهم شركاء متساوون في الدولة، أو مطالبتهم بتحمل مسؤولياتهم تجاهها. ولعل الاختبار الحقيقي للدولة الجديدة سيكون في قدرتها على التعامل مع الحالات التي تتعارض فيها المصالح والنفوذ مع مبدأ المساواة أمام القانون. فهل ستطبِّق القواعد ذاتها على الجميع؟ وهل سيتمكن المواطن من الحصول على حقه من دون وساطة أو انتماء أو اعتبارات سياسية؟
هذه الأسئلة، وإن بدت إدارية وقانونية، تقع في صميم عملية بناء السلم الأهلي؛ لأن العدالة المؤسسية هي التي تحوِّل المواطنة من صفة دستورية إلى تجربة معيشة.
إنَّ الأرقام التي يعرضها الاستطلاع لا تقدم حكماً نهائياً على مستقبل المجتمع السوري، لكنَّها تكشف عن فرصة وتحدٍّ في آن واحد؛ فرصة تستند إلى استعداد قطاعات واسعة للتعايش وقبول الآخر..
وفي هذا السياق، تمثل العدالة الانتقالية أحد المداخل الأساسية لمعالجة آثار الانقسام واستعادة الثقة؛ إذ لا تقتصر وظيفتها على محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، فهي تشمل الاعتراف بالضحايا وكشف الحقيقة وضمان عدم تكرار التجاوزات. وقد أظهر الاستطلاع تأييد 74% لمحاسبة جميع المتورطين في الانتهاكات من دون حصر المساءلة بطرف واحد، كما أيَّد 77% إجراء محاكمات عادلة. وتعكس هذه المواقف أهمية العدالة بوصفها مطلباً اجتماعياً يتَّصل بمستقبل العلاقات بين السوريين، وبالإمكان بناء دولة لا تقوم على الانتقام أو التمييز. إنَّ استعادة الثقة لا يمكن أن تتحقَّق من دون معالجة منصفة لإرث الانتهاكات، بعيداً عن الانتقائية أو توظيف العدالة في تصفية الحسابات. فالاعتراف بمعاناة الضحايا وإنصافهم، إلى جانب ضمان حقِّ المتهمين في محاكمات عادلة، يشكِّلان أساساً لتجاوز المظالم المتراكمة، ومنع انتقالها إلى الأجيال اللاحقة، ممَّا يؤدِّي إلى تهيئة مناخ جديد للانقسام والصراع.
Loading ads...
إنَّ الأرقام التي يعرضها الاستطلاع لا تقدم حكماً نهائياً على مستقبل المجتمع السوري، لكنَّها تكشف عن فرصة وتحدٍّ في آن واحد؛ فرصة تستند إلى استعداد قطاعات واسعة للتعايش وقبول الآخر، وتحدٍّ يتمثَّل في استمرار التصنيفات المتبادلة وضعف الثقة بالمؤسسات وانتشار الاعتقاد بالفساد. والتعامل مع هذه المؤشرات يقتضي عدم الاكتفاء بالاحتفاء بالجوانب الإيجابية أو التعامل مع الجوانب السلبية على أنَّها إرث من الماضي سينتهي تلقائياً بمرور الوقت.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً

