ساعة واحدة
لعبة الجوع.. كيف يتحول الغذاء إلى سلاح للسيطرة والسياسة؟
الإثنين، 19 أكتوبر 2026
من أراضي غامبيلا إلى التجويع في غزة، تتتبع حلقة “للقصة بقية” كيف تتحول المياه والبذور والديون والتجارة إلى أدوات نفوذ، وتناقش الفرق بين تأمين الغذاء وامتلاك القرار بشأنه.
سمع أحد سكان إقليم غامبيلا الإثيوبي، مع أبناء مجتمعه من قبيلة الأنواك، بعزم الحكومة منح أراضيهم لمستثمرين وشركات أجنبية، وحين اعترض الأهالي، يقول إن قوات الأمن جاءت واعتقلت وضربت عددا منهم.
ويروي الشاهد، الذي أُخفيت هويته في تقرير لبرنامج "للقصة بقية"، كيف تحول السؤال عن مصير الأرض إلى مواجهة مع السلطات.
تضع حلقة (19 أكتوبر/تشرين الأول 2026) هذه الشهادة ضمن سؤال أوسع عن استخدام الغذاء أداة للهيمنة: كيف تنتقل السيطرة من الحقل والمياه إلى البذور والموانئ والأسواق، ثم تتحول إلى نفوذ على المجتمعات وقرارها السياسي؟ ومن إثيوبيا إلى غزة، يناقش ضيوفها الفرق بين امتلاك الموارد والقدرة على الانتفاع بها وحماية الوصول إلى الغذاء.
تنتقد مؤسسة ومديرة معهد أوكلاند، أنورادها ميتال، في حديثها للبرنامج، مشروعات تستحوذ على الأراضي تحت غطاء الاستثمار والتنمية، بينما يفقد صغار المزارعين والمجتمعات المحلية موارد عيشهم. وتستشهد بغامبيلا لتوضيح ما تراه فجوة بين الوعود المقدمة للسكان وما يواجهونه بعد انتقال السيطرة على الأرض.
وفي مقابل شهادات الأهالي، ينقل التقرير نفي الحكومة الإثيوبية تهجير السكان قسرا، بالإحالة إلى تقرير لجنة التفتيش التابعة للبنك الدولي. ووفق الموقف الحكومي المذكور، فإن المشاركة في مشروع إعادة التوطين طوعية، وهدفها تحسين سبل عيش المشاركين.
وتطرح رواية ميتال سؤالا يتجاوز مساحة الأرض المستثمرة: ما الذي يبقى لأصحابها من قدرة على الإنتاج والعيش؟ فالخلاف -في قراءتها- يتعلق أيضا بمن يحدد استخدام الموارد ومن يحصل على عائدها.
ويوضح أستاذ النظم الإيكولوجية في الجامعة الأمريكية في بيروت رامي زريق للجزيرة أن إنتاج الغذاء يقوم على حلقات مترابطة، تشمل الأرض والمياه والبذور والأسمدة والنقل. ويضع المياه بين أبرز مواطن الضعف في المنطقة العربية، مؤكدا أن توافر أحد عناصر الإنتاج لا يعوض غياب الآخر.
ويضيف الباحث في النظم الغذائية العالمية راج باتيل أن فهم النفوذ على الغذاء يقتضي النظر إلى الموانئ وتدفقات التجارة، إلى جانب الأرض والبذور. فالتحكم في طرق خروج المحاصيل ووصولها إلى الأسواق جزء من السيطرة الجيوسياسية التي يناقشها.
وتفسر هذه العلاقة كيف يمكن أن يحتفظ المزارع بأرضه، بينما تضيق قدرته على الاستفادة منها، إذ لا يكفي حقل يمكن زرعه إذا تعذر ريه، ولا محصول يمكن حصاده إذا غاب الطريق إلى المشتري. وبهذا المعنى، قد يُمارَس النفوذ عند حلقة واحدة تعتمد عليها بقية السلسلة.
ويربط باتيل بين المديونية ووجهة الإنتاج الزراعي، قائلا إن حاجة الدول إلى سداد التزاماتها تدفعها نحو إنتاج محاصيل للتصدير وجلب الإيرادات، وقد تفتح المجال أمام صفقات تمس الأرض والمياه.
وفي تحليله، تكمن المعضلة في ترتيب الأولويات: احتياجات المجتمع الذي ينتج الغذاء في مقابل الالتزامات المالية والأسواق التي تشتريه. ولا يُختزل هذا السؤال في كون البلد مصدرا أو مستوردا، بل يمتد إلى من ينتفع بالعائد ومن يتحمل تكلفة تغيير استخدام الموارد.
ومن الجانب العربي، يصف وزير الصناعة والتجارة الأردني الأسبق جواد العناني الاعتماد الغذائي على الخارج بأنه نقطة ضعف يمكن استغلالها للضغط على المنطقة. وتنتقد رئيسة الشبكة العربية للسيادة على الغذاء رزان زعيتر تحويل الأراضي الزراعية إلى مجال للمضاربة، بدلا من إبقائها وسيلة للإنتاج.
وعند سؤاله عن الفرق بين الأمن الغذائي والسيادة الغذائية، يوضح زريق أن الأول يتطلب حصول جميع الأفراد، في جميع الأوقات، على غذاء كاف وصحي وملائم لاحتياجاتهم. أما الثانية فتطرح سؤال من يحدد خيارات الإنتاج والغذاء وأولوياتهما.
ويشمل تعريف الأمن الغذائي في خطة عمل قمة الغذاء العالمية لعام 1996 الوصول المادي والاقتصادي إلى غذاء كاف وآمن ومغذ. ويضيف شرح زريق للسيادة سؤال السلطة على النظام الذي ينتج الغذاء ويوزعه، لا كمية الطعام المتاحة وحدها.
وفي غزة، يناقش أستاذ القانون بجامعة أوريغون مايكل فخري التجويع بوصفه اعتداء يتجاوز حرمان الأفراد من الطعام. فهو يربطه بمحاولة تقويض قدرة الفلسطينيين على البقاء في أرضهم وممارسة حقهم في تقرير المصير.
ويستند التقرير -في تناوله المسار القضائي- إلى قرار المحكمة الجنائية الدولية الصادر في 21 نوفمبر/تشرين الثاني 2024 بإصدار مذكرتي اعتقال بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع السابق يوآف غالانت. وذكرت الدائرة التمهيدية الأولى أنها وجدت أسبابا معقولة للاعتقاد بمسؤوليتهما عن جرائم، بينها جريمة الحرب المتمثلة في التجويع بوصفه أحد أساليب الحرب، موضحة أن أمرَي القبض ليسا حكمين بالإدانة.
وشمل تقييم المحكمة الحرمان من مواد لا غنى عنها لبقاء المدنيين، بينها الغذاء والمياه والأدوية والوقود، وعرقلة المساعدات خلال الفترة التي تناولها القرار. وفي رده على القرار، رفض مكتب نتنياهو الاتهامات ووصفها بأنها كاذبة وعبثية.
أما زريق فيربط استعادة النظام الغذائي الفلسطيني بإنهاء الاحتلال. وفي طرحه، لا تنفصل إعادة الزراعة عن حرية الوصول إلى الأرض والمياه والقدرة على الإنتاج، ولذلك لا تعوض المساعدات وحدها فقدان المجتمع شروط إطعام نفسه.
وتدعو زعيتر إلى تكامل زراعي عربي، في حين يرى زريق أن التشرذم والحروب يعطلان الاستفادة من الموارد، مستحضرا السودان مثالا على الفجوة بين الإمكانات الزراعية والظروف التي تسمح باستخدامها.
ويشدد فخري على مشاركة الحكومة بأكملها في سياسة الغذاء، من الصحة والتعليم إلى التجارة، وعلى دور تنظيم المزارعين في التأثير في القرارات التي تمس إنتاجهم ودخولهم.
Loading ads...
وهكذا يعود النقاش إلى ما بدأته شهادة غامبيلا: ليست الأرض موردا متاحا لسكانها لمجرد وجودها بينهم؛ بل العبرة بقدرتهم على البقاء فيها، وتحديد ما ينتجونه، والانتفاع به.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً




