مرّت قبل أيام قليلة الذكرى السنوية الأولى لانطلاق معركة “ردع العدوان” في السابع والعشرين من شهر تشرين الثاني عام 2024، التي قُدّر لها أن تكتب الفصل الأخير والحاسم في السيرة المظلمة لنظام الأسد.
وللتذكير، فقد انطلقت هذه المعركة من أرياف حلب الغربية ومن عشرات المحاور. وهنا لا بدّ لنا من قول الحقيقة الناصعة البيضاء التي لا جدل حولها: إن هذه العملية العسكرية المباغتة كانت من أهم المنعطفات العسكرية التاريخية في مسار الثورة السورية المباركة، بل — وحسب رأيي — كانت من أهمها وأنجعها على الإطلاق.
نقطة التحوّل الفاصلة..
لا شك أن معركة “ردع العدوان” الاستراتيجية قد شكّلت نقطة التحوّل الميداني والسياسي الحاسم الذي أنهى عهود القمع والإجرام الأسدي، وأعادت زمام المبادأة والمبادرة للشعب السوري، وأنهت إلى الأبد عقودًا من الحكم القمعي الاستخباراتي الدموي لعائلة ومجرمي آل الأسد. يأتي هذا بفضل وتوفيق من الله أولًا، ثم بإصرار وخبرة غرفة عمليات “ردع العدوان” وقيادتها، وشجاعة وإقدام فصائلها المقاتلة المشتركة فيها. وقد تحقق لهم ذلك خلال أقل من 12 يومًا من القتال والتقدم الميداني المتسارع، وكان الهدف المباشر — كما نعلم جميعًا — مدينة حلب قبل أن تتوسع المعركة بشكل سريع ومفاجئ نحو مدينتي حماة وحمص، ثم سائر المحافظات، وصولًا إلى فتح الطريق الواسع نحو العاصمة دمشق ودخول مقاتلي الثورة إليها مع فجر الثامن من كانون الأول 2024، والإعلان التاريخي عن الإطاحة بنظام الأسد البائد، وفرار رأس النظام المذل والمخزي مع عائلته وكبار مجرميه إلى موسكو بعيد الانهيار المتسارع والمخزي لميليشيات جيشه وأجهزته الأمنية.
— وهنا دعوني أقول — نعم، جاء كل هذا أشبه بالمكافأة والمنحة الربانية للشعب السوري الثائر الصابر، بعد ما قدّمه من تضحيات جسام وما كابده من ويلات وإجرام ودمار ونزوح وتهجير، وبعد أن كان مجرد توقّع الخلاص من نظام “البعث” المندثر أشبه بـ"حلمٍ" كبير صعب المنال.
الاختراق والوقت المفصلي الصعب..
ميدانيًا، ومن خلال متابعتي لمجريات الثورة منذ أيامها الأولى، فإن معركة “ردع العدوان” كانت هي الاختراق الأول والأوسع لخطوط التماس بين الطرفين في محافظة إدلب ومحيطها منذ بدايات اتفاق وقف إطلاق النار “التركي–الروسي” الموقع في آذار 2020. وجاءت العملية في وقت مفصلي صعب، كانت تشهد فيه عدة مناطق من محافظة إدلب وريف حلب الغربي اشتباكات وقصفًا متبادلًا عنيفًا بين جيش الأسد المجرم والميليشيات الإيرانية من جهة، والفصائل والجيش السوري في الشمال والشمال الغربي من جهة أخرى، مع سقوط عشرات المدنيين الشهداء، في ظل تصعيد النظام البائد وميليشياته الطائفية قصفهم الإجرامي للمناطق المدنية الآهلة بالسكان.
لقد مرّ عام كامل على عملية “ردع العدوان” التي أطاحت بحكم النظام الأسدي المجرم الذي حكم سوريا بالحديد والنار لأكثر من 54 عامًا، وبعد ثورة استمرت 14 عامًا دمّر فيها جيش الأسد البلاد وشرد العباد، وقتل خلالها قرابة المليون سوري تحت القصف أو في السجون، إلى جانب ملايين المهجّرين داخل البلاد وخارجها.
التحرير ومبدأ الدومينو..
نعم، إنها 12 يومًا بحساب الزمن، لكنها كانت بلا أدنى شك حصيلة سنوات من التدريب والتحضير والإعداد، وسبقتها سنوات طوال من التضحيات والصعوبات ومعارك الكر والفر بين فصائل الثوار وجيش النظام المجرم ومن دعمه وسانده من دول وميليشيات طائفية إرهابية عابرة للحدود.
ومن الناحية العسكرية، وأنا كضابط اختصاص، أقول بصدق إن عمليات “ردع العدوان” فاجأتني جدًا بما وصلت إليه من نتائج باهرة، بل لا أبالغ إن قلت إنها فاجأت العالم كله بسرعتها وانضباطها وحسن إدارتها وقيادتها والنتائج النهائية التي خلصت إليها (سقوط الأسد ونظامه). ولا أستثني من ذلك تفاجؤ المخططين والمقاتلين المنفذين لها، الذين كان هدفهم كما ظننا “حلب” ومحيطها، وتوقعنا جميعًا أن التضحيات ستكون كبيرة جدًا، وأن الأعمال القتالية ستستمر سنوات، أو أشهر على الأقل في أحسن التقديرات. لكن الذي حصل خلال سير المعركة هو أن المدن والمحافظات السورية بدأت تسقط تباعًا كأحجار “الدومينو”، في مشهد أفرح الشعب السوري ومن سانده في ثورته المجيدة، وشكّل صدمة قاتلة لمؤيدي النظام وشبّيحته والمنتفعين من استمرارية حكمه القمعي من مختلف الطوائف والإثنيات والدول.
لا أحد يريد القتال لأجل الأسد..
من خلال المتابعة والرصد، لم تكن هناك مواجهات حاسمة من طرف قوات النظام تشي بإصرارهم على القتال، وهذا لا أنسبه فقط لضعف قوات النظام، بل لانهيار الروح المعنوية والعقيدة القتالية لديه. لم يعد هناك من يريد القتال من أجل الأسد وعائلته.
صحيح أن سقوط وانهيار نظام الأسد في معركة “ردع العدوان” حدث خلال أيام قليلة، لكن الحقيقة أن هذا الانهيار لم يكن وليد تلك الأيام فحسب، بل كان نتيجة طبيعية لمعادلة التآكل البطيء والمتدرج المتراكم منذ الأشهر الأولى للثورة. فقد تحوّل النظام العسكري والأمني إلى مجرد عصابات سرقة ونهب وتجار للمخدرات، وتحول جيش الأسد إلى “خيال مآتة”، وهيكل هش بلا إرادة أو عقيدة قتالية، تهيمن عليه الولاءات الخارجية والانقسامات الداخلية، فضلًا عن شراء ولاءات قيادات عسكرية بأموال ضخمة. لذلك يمكن القول إن الانهيار السريع كان نتيجة المعركة وتراكمات السنوات الطويلة معًا، فضلًا عن العقوبات الدولية وانتشار الفقر والجريمة وانهيار العملة وتفشي الفساد في هياكل الدولة كافة.
ختامًا…
من حق الشعب السوري أن يفرح ويحتفل في ذكرى مرور عام على انطلاق العملية العسكرية التي أدت إلى سقوط نظام الأسد البائد، استجابة لدعوة الرئيس أحمد الشرع من السوريين بالنزول إلى الشوارع والساحات للاحتفال بذكرى بدء “معركة ردع العدوان” والتعبير عن فرحتهم بها، وتأكيدهم أنها محطة وطنية كبرى في طريق “تحرير كامل الأراضي السورية”.
Loading ads...
وقد شهدت عدة محافظات فعاليات جماهيرية واسعة شارك فيها ملايين السوريين رافعين الأعلام الوطنية السورية إحياءً لهذه الذكرى. وأكد المحتفلون في هتافاتهم وشعاراتهم شجب الاعتداءات الإسرائيلية على الأراضي والأجواء السورية، والتأكيد على مبدأ الوحدة الوطنية، ورفض أي محاولات لأطراف محلية مشبوهة مدعومة من قوى إقليمية معادية لتقسيم البلاد على أسس طائفية أو إثنية.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً



