43 دقائق
مع أو ضد غزة؟… عن وصاية الراغبين في "تحريرها" على الفلسطينيين - رصيف22
الإثنين، 21 سبتمبر 2026

-يا مرحب بيك، أعز ناس، منين من فلسطين؟
- هل نابلس هذه في غزة أو في الضفة؟
هنا انتهى الحوار لأنني كدت أن أصاب بنوبة قلبية نتيجة سؤالها الذي تلقيته كرصاصة في الصدر، ومن بعد تلك الحادثة، أقسمت بأغلظ الأيمان أن تكون إجابتي على السؤال الفضولي المعتاد: "من وين الأخت؟"، بالقول "أي دولة مجاورة لفلسطين".
لم تكن هذه المحادثة الأولى من هذا النوع، لكنها كانت القشة التي قسمت ظهر البعير، ولأنها آلمتني كثيرا أخبرتها لبعض الطلبة الفلسطينيين، فسمعت منهم ما هو أسوأ.
تعرض أحد الطلبة لموقف شبيه إذ وجّه له أحد الأشخاص الذين عرفوا أنه من الضفة الغربية هذا الكلام: "أريد أن أطرح عليك سؤالاً وتجيبني بصراحة: أنت بتحب فلسطين؟"، وآخر وبخه مالك مطعم أثناء شراء وجبة لأنه "ترك واجبه في المقاومة"، قائلاً إن حجة السفر لطلب العلم مرفوضة أمام واجب الصمود، وبدأ بالمزايدة عليه وطلب منه استبدال جواز سفر دولته بالجواز الفلسطيني ليتمكن من الالتحاق بالمقاومة، فما كان من الطالب إلا أن عرض عليه التبرع لغزة كنوع من المقاومة أيضاً، فتحول صاحب المطعم إلى شخص يتلعثم في الكلام، ويشكو قلة الحيلة، مدعياً أنه لا يملك مبلغاً يعادل عشرين دولاراً يتبرع به لفلسطين التي كان يريد أن يزحف ليحررها قبل قليل.
وطالبة أخرى لم تعد تعرّف نفسها على أنها فلسطينية في أي فضاء عام لأنها سئمت من "وصلة التنظير" على الفلسطينيين وتحميل القاصي والداني مسؤولية القضية، من دون الاستماع للفلسطيني إذا كان كلامه لا يوافق قناعاته.
فكيف للفلسطيني أن يقول لشخص عربي يعتبر فلسطين قضيته ما لا يعجبه، خصوصاً إذا كان هذا الأخير يؤمن أن تضامنه ومحبته للقضية يمنحانه حق تصنيف الفلسطينيين وبل توزيع "صكوك غفران وطنية" عليهم بحسب البقعة الجغرافية التي يعيشون فيها أو انتمائهم السياسي أو حتى رأيهم الشخصي؟
هذه الفئة من المنظرين تعتبر -من وجهة نظرهم- أن كل فلسطيني من الضفة مع فتح وتخلى عن واجبه في المقاومة في أفضل الأحوال، في حين أن الفلسطيني من غزة، بحسب رأيهم، هو مع حماس بالضرورة، مقاوم، وطني.
ولا تقتصر هذه التقسيمات على أبناء الضفة وغزة فقط، بل تمتد لأهلنا في الساحل والجليل والنقب، من خلال مهاجمتهم وتخوينهم وشتم من استشهد منهم خلال الحرب الإسرائيلية الإيرانية لأنهم يعيشون في إسرائيل.
ومن كان يحاول التوضيح بأنه يعيش في أرض فلسطين التي احتلتها إسرائيل كان يتعرض للشتم أيضاً بدعوى أنه يدافع عن هؤلاء العملاء.
والبعض لم يعجبه المواطن الفلسطيني الذي استقل الطائرة من الولايات المتحدة تاركاً عائلته وعمله وحياته الآمنة المستقرة التي يحلم بها ملايين البشر حول العالم، وعاد لفلسطين ليواجه مستوطنين يدعمهم جيش عنيف وشرس، فيهاجمه لأنه رفع العلم الأمريكي على منزله، في محاولة منه للضغط على الإدارة الأمريكية للتدخل، بما أنه يحمل جنسيتها.
اليوم نعيش في عالم تحولت فيه شعارات مثل "التضامن مع القضية" أو "فلسطين قضيتي" إلى ما يشبه الحق المكتسب في فرض الوصاية على الشعب الفلسطيني، لدرجة يمكن وصف تضامن البعض بأنه تضامن "أبوي" على أساس أنهم أدرى بمصلحة الشعب الفلسطيني أكثر منه، وبناء عليه يمنحون أنفسهم حق التدخل في شؤونه.
ربما يمكن اعتبار هذا النوع من "الهيمنة" مختلفاً عن الهيمنة التي تحدث عنها إدوارد سعيد وغرامشي وغيرهم من المفكرين حول هيمنة الاستعمار على الشعوب المحتلة.
لعلّّ التفسير الأقرب لذلك هو المفهوم الآخر للفيلسوف ليفيناس الذي رفض اختزال شخص أو جماعة بصورة معينة يفرضها الآخرون عليه، وهذا يمكن أن يفسر سلوك بعض العرب تجاه القضية الفلسطينية الذين يستوعبونها من خلال مفاهيمهم الخاصة، وبالتالي يستكثرون على الفلسطيني حقه في التعبير عن قضيته إلا إن كان متوافقاً مع ما يدور في عقولهم.
وعليه، فإن "التضامن" هذا لا يمكن اعتباره مساندة حقيقية ولا حباً لشعب يرزح تحت الاحتلال، بل هو أقرب لنوع جديد من "الوصاية"، والشعب الفلسطيني في غنى عنه.
Loading ads...
تابع مقالاتنا وتحقيقاتنا المستقلة مباشرةً من هاتفك. استمتع بتجربة سهلة، سريعة، وخصوصية آمنة أينما كنت.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً





