ساعة واحدة
من "بسطات" الخضراوات إلى المجمعات الاستثمارية.. ما قصة التحول في باب جنين بحلب؟
الإثنين، 11 مايو 2026
في قلب مدينة حلب، وعلى مقربة من قصرها البلدي الذي يضم مكاتب المحافظة ومجلس المدينة، حيث تختلط أصوات الباعة بزحمة "السرافيس" وروائح الخضار والغبار، يقف سوق باب جنين الشعبي كواحد من آخر الأماكن التي ما تزال تمنح الفقراء فرصة للنجاة من الغلاء بحلب، وهنا في هذا السوق العتيق، لا يبحث الناس عن الرفاهية، بل عن فرق بضعة آلاف من الليرات قد تكفي لشراء الخبز أو تأمين وجبة إضافية لعائلاتهم.
سوق باب جنين ليس مجرد سوق طارئ على خريطة المدينة، بل هو امتداد لتاريخ قديم من الجغرافيا الحلبية؛ إذ يعد أحد أبواب حلب القديمة التي اكتسبت اسمها لكونها كانت تفضي إلى جنائن حلب الغربية على ضفاف نهر قويق القادم من الشمال، حيث شكلت في فترات سابقة نقطة عبور وتجارة وشحن للبضائع، ومركزاً لتبادل النقود وحركة القوافل القادمة إلى المدينة، ومع توسع حلب العمراني، تعرض الباب الأصلي للتغيير والهدم في عام 1982 بهدف توسيع الطريق، غير أن الموقع نفسه لم يختفِ من الذاكرة الاقتصادية للمدينة، بل ظل يتحول تدريجياً من معبر تاريخي إلى مساحة تجارية نابضة بالحياة، ومع مرور السنوات، أخذت ساحته تتشكل من جديد بوصفها مركزاً تجارياً شعبياً، يتقاطع فيه الريف مع المدينة، والبسطات مع المحال، والاحتياج اليومي مع اقتصاد البقاء.
واليوم، بات السوق الشعبي الأشهر في المدينة يقف أمام مرحلة مفصلية، مع تصاعد الحديث عن نقله وتنظيمه، واتخاذ مجلس المدينة خطوات عملية في هذا الاتجاه، وذلك بالتزامن مع إطلاق مشروع استثماري ضخم تحت اسم "قلب حلب" في المنطقة نفسها، وهو مشروع تعود جذوره إلى خطط بدأت في عهد النظام المخلوع لإعادة تشكيل الوسط التجاري للمدينة.
وبين وعود التنظيم والتطوير ومخاوف الباعة والأهالي من خسارة واحد من أهم أسواق حلب الشعبية، يتجدد الجدل حول مستقبل باب جنين، وما إذا كانت المدينة تتجه فعلاً نحو تحسين واقعها الخدمي، أم نحو إقصاء تدريجي للأسواق التي عاش فيها الفقراء واعتمدوا عليها لعقود طويلة.
داخل الأزقة الضيقة الممتدة في باب جنين، يتحرك الزبائن بين عشرات البسطات بحثاً عن الأرخص، رجل يفتش بين أكوام الخضار، وامرأة تقارن أسعار الزيت والسكر، في حين ينادي الباعة على بضاعتهم بعبارات باتت مألوفة للحلبيين منذ سنوات، وفي هذا السوق الشعبي، لا تبدو الفوضى والعشوائية وربما انتشار القمامة، مشاهد غريبة عن المكان، بل جزءاً من هويته، بسطات متلاصقة، عربات خشبية، ألبسة مستعملة، خردوات، أدوات منزلية رخيصة، وبضائع "تصفيات" تجد طريقها إلى السوق بأسعار أقل من بقية أسواق المدينة.
أبو محمود، يعمل في العتالة وهو من حي الزبدية، يقول لموقع تلفزيون سوريا إن سوق باب جنين بالنسبة لكثير من العائلات الخيار الوحيد الممكن، مضيفاً: "هون الواحد بيقدر يدبر حاله حتى لو معه مبلغ قليل، بتلف على أكثر من بسطة وبتختار الأرخص"، ويتابع الرجل الذي يعيل خمسة أطفال: "فرق عشرة آلاف أو أكثر بين سوق وسوق صار مهم بالنسبة إلنا، خاصة مع الغلاء اللي عم يزيد كل يوم".
ولا يقتصر حضور السوق على المتسوقين فقط، بل خلق على مدى السنوات الماضية شبكة معيشية كاملة يعيش منها آلاف الأشخاص، من أصحاب البسطات والعتالين، إلى باعة القهوة والشاي وسائقي السرافيس والعمال الذين يعتمدون على الحركة اليومية في المنطقة، ومع الوقت، تحول سوق باب جنين إلى أكثر من مجرد سوق شعبي، إذ بات بالنسبة لكثير من الحلبيين مساحة مرتبطة بذاكرة المدينة وحياة سكانها البسطاء، الذين وجدوا فيه ملاذاً في مواجهة الغلاء وتراجع القدرة الشرائية.
لا يمكن فصل ما يجري اليوم في منطقة باب جنين عن مسار أوسع بدأ خلال السنوات الأخيرة من حكم النظام المخلوع، حين بدأت تتشكل ملامح مشروع لإعادة صياغة الوسط التجاري لمدينة حلب تحت عناوين التنمية والتعافي وإعادة الإعمار، وفي تلك المرحلة، وخلال فترة تولي وزير السياحة في حكومة النظام المخلوع، بشر يازجي، طرحت خطط لتطوير المناطق المحيطة بباب جنين وباب الفرج والمدينة القديمة وقلعة حلب، تحت شعارات "تنشيط السياحة" و"جذب الاستثمار"، ومع حديث متكرر عن تحويل قلب المدينة إلى واجهة اقتصادية حديثة.
ولكن بالنسبة لكثير من الحلبيين، لم تكن البداية الحقيقية عند مستوى الخطط أو التصريحات، بل عندما جرى خلال عام 2017 إفراغ سوق الهال القديم في منطقة باب جنين، ومنع التجار من العودة إليه بشكل نهائي، رغم سلسلة مطالبات بإعادة افتتاحه، وذلك بعد سيطرة النظام المخلوع على كامل مدينة حلب، وبعد ذلك، بدأت المنطقة تدخل عملياً في مسار مختلف، إذ تحولت من سوق شعبي نشط إلى مساحة مهددة بالتغيير الجذري، مع تثبيت قرار نقل سوق الهال إلى مواقع خارج مركز المدينة، والذي يقع اليوم على أطراف حي العامرية، وإيقاف أي عودة فعلية للنشاط التجاري القديم داخل منطقة باب جنين.
وبين العامين 2017 و2020، ظهرت على الأرض خطوات تدريجية مرتبطة بما كان يسمى "تطوير الوسط التجاري"، وشملت إزالة أجزاء من السوق القديم، وطرح تصورات لإعادة تنظيم المنطقة، بالتوازي مع حديث رسمي متكرر عن "تجميل المدينة" و"إعادة تشكيل مركز حلب التجاري"، غير أن هذه المشاريع لم تُستكمل فعلياً بالشكل المعلن، وبعد سقوط النظام المخلوع، عاد الملف إلى الواجهة من جديد ولكن بصيغة مختلفة، عبر إطلاق مشروع "قلب حلب" بعد توقيع مجلس مدينة حلب مذكرة تفاهم مع مجموعة "باكير" لتنفيذ مشروع استثماري ضخم في المنطقة ذاتها، وذلك في شهر شباط/فبراير بداية العام الحالي، ويبدو حان الوقت ليدخل المشروع حيز التنفيذ.
وبحسب ما أعلنه مجلس المدينة، يتضمن المشروع إنشاء مجمعات تجارية ومكاتب وشقق استثمارية وفندق ومراكز للذهب والصياغة وممرات تسوق حديثة، إضافة إلى ما وصفه بـ"السوليدير العصري"، ويرى كثير من الحلبيين الذين التقاهم موقع تلفزيون سوريا في منطقة باب جنين، أن جوهر الفكرة بقي على حاله، أي إعادة تشكيل قلب المدينة عمرانياً واقتصادياً، لكن هذه المرة عبر مشروع استثماري كبير يثير أسئلة حول مستقبل واحد من أكثر أسواق حلب ارتباطاً بالحياة الشعبية اليومية.
خلال جولة لموقع تلفزيون سوريا في سوق باب جنين الشعبي بحلب، يتضح أن الحديث عن تنظيم السوق لا ينظر إليه كإجراء إداري أو خدمي بسيط، بل كتحول يمس بشكل مباشر مصدر الدخل اليومي لعشرات الباعة، ويمتد أثره إلى مستقبلهم المعيشي، في مدينة باتت تفاصيلها الاقتصادية أكثر هشاشة من أي وقت مضى.
عدد من أصحاب البسطات الذين التقاهم الموقع أشاروا إلى أن قرار نقل السوق إلى مساحة بديلة تقع مقابل مبنى القصر البلدي، وعلى بعد مئات الأمتار فقط من الموقع الحالي، لا يطمئنهم بقدر ما يثير لديهم مخاوف حقيقية من فقدان حيوية المكان التي يقوم عليها عملهم.
أبو محمود، وهو بائع خضار يفترش زاوية من السوق، يقول إن المشكلة ليست في المسافة بحد ذاتها، بل في نبض المكان، مضيفاً: "هون الزبون بيمر عليك غصب عنه، السوق على طريق الكل، أما إذا نقلونا لمكان جديد، بدك أنت تروح تدور على الزبون"، ويتابع موضحاً: "نحن ما عنا محل ولا رأسمال كبير، شغلنا بيع يوم بيوم، إذا خفت الحركة يومين أو ثلاثة بنحس فيها مباشرة".
أما لؤي، الذي يبيع الألبسة المستعملة قرب مدخل السوق، فيقدم تجربة شخصية مع الموقع البديل الذي جرى تجهيزه مؤخراً، لكنه لم يلق الإقبال المتوقع، قال لموقع تلفزيون سوريا: "جربت أشتغل هناك، جلست ساعات طويلة وما كنت أبيع إلا أشياء بسيطة، هون الوضع مختلف، الناس ماشية طول الوقت، في حركة مستمرة، أما هناك فالإحساس كأنك خارج السوق"، ويبدو أن وجهة نظر الباعة تبدو أكثر ارتباطاً بتجربة طويلة مع السوق نفسه، إذ يرون أن المشكلة لا تتعلق فقط بموقع النقل، بل بطبيعة باب جنين الذي تشكل عبر سنوات طويلة كمساحة تعتمد على القرب من المواصلات وكثافة الحركة وارتباطه المباشر بالأحياء الشعبية وبالشريحة الأوسع من المجتمع المحلي الذي يبحث عن المواد والسلع الرخيصة.
ويذهب عدد منهم إلى القول إن أي إعادة تشكيل للمنطقة ضمن مشاريع استثمارية أو تنظيمية جديدة، حتى وإن كانت تحمل عناوين تطويرية، قد تؤدي تدريجياً إلى تقليص حضور الفئات محدودة الدخل في قلب المدينة، لصالح أنماط تجارية أكثر تنظيماً، لكنها أقل قدرة على احتواء الباعة الصغار الذين وجدوا في باب جنين مساحة عمل وعيش يومي لا يمكن تعويضها بسهولة.
في مدينة مثل حلب، لا يعمل باب جنين كسوق خضار وفواكه فقط، بل كمؤشر يومي للأسعار أيضاً، وهذا ما يفسر حساسيته العالية لدى التجار كما لدى الزبائن على حد سواء، عبد الرحمن حميدة أحد المتسوقين، قال يختصر الأمر من زاوية المستهلك حين قال لموقع تلفزيون سوريا بأنه يقصد السوق مرتين أسبوعياً لأنه يلمس فرقاً حقيقياً في نهاية الشهر.
يضيف حميدة: "حتى لو كل مادة فيها فرق بسيط، بالنهاية بتجمع مبلغ مو قليل، خصوصاً إذا عندك عيلة كبيرة ومصاريفها ثقيلة"، وهذا السلوك المتكرر من آلاف العائلات يخلق، وفق وصفه، حالة مقارنة دائمة بين الأسواق، تجعل باب جنين معياراً غير مباشر للأسعار في بقية المدينة، لا سيما مع وجود بسطات وباعة قادمين من الضواحي القريبة، يبيعون بهوامش ربح ضيقة أقرب إلى أسعار الجملة، ما يفرض ضغطاً تنافسياً على المحال التجارية النظامية ويجبر بعضها على إعادة حساباته السعرية باستمرار.
ويرى عدد من أصحاب المحال أن هذا النموذج يخل بتوازن السوق، لأن المنافسة هنا لا تجري على أرضية متكافئة من حيث الضرائب والإيجارات والكلف التشغيلية، بينما يرد المتسوقون بأن هذا الخلل نفسه هو ما يبقي الأسعار في متناول يد شريحة واسعة من السكان الذين تآكلت قدرتهم الشرائية خلال السنوات الماضية، وهكذا يتحول باب جنين إلى مساحة شد وجذب اقتصادي غير معلن، لكنه يومي وملموس، يجعل من أي حديث عن إزالته أو نقله سؤالاً أكبر من السوق نفسه، كيف ستتوازن الأسعار في مدينة فقدت كثيراً من أدوات توازنها أصلاً.
وفي الخطاب الرسمي، يقدَم مشروع "قلب حلب" باعتباره خطوة باتجاه التعافي وإعادة إحياء مركز المدينة، عبر تطويره عمرانياً واستثمارياً بما ينسجم مع صورة مدينة خارجة من الدمار وتسعى لجذب الاستثمار وتنظيم الفضاء العام، غير أن هذا الخطاب، رغم طابعه التنموي، لا يقابل في الشارع دائماً بالقراءة ذاتها، فشريحة من الأهالي، حتى من غير المعارضين لفكرة التنظيم بحد ذاتها، تنظر إلى المشروع باعتباره تحولاً تدريجياً في هوية المكان أكثر من كونه مجرد تحسين خدمي.
Loading ads...
وفي ذاكرة كثير من الحلبيين، لم يكن باب جنين مجرد نقطة بيع وشراء، بل مساحة مختلطة بين الحركة الشعبية والاقتصاد اليومي البسيط، تحولت عبر الزمن من سوق للهال إلى مركز للبسطات، أي إلى نموذج مدينة تعيش على الهامش، داخل مركزها نفسه، ومن هنا، يظهر القلق من أن إعادة تشكيل المنطقة ضمن مشروع استثماري واسع قد لا يكتفي بإعادة تنظيم المشهد، بل يعيد تعريف من يحق له أن يكون في قلب المدينة ومن يدفع تدريجياً إلى أطرافها، وبين منطق الاستثمار العقاري ومنطق الاقتصاد الشعبي الذي نشأ في الشارع لا في الخطط، يتجدد سؤال غير محسوم في حلب اليوم، هل يعاد بناء المركز ليكون أكثر حداثة فقط، أم ليكون أقل قدرة على احتواء حياة الناس الذين صنعوا هذا المركز أصلاً؟
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه

