لدى السلالة الكبيرة من آل الأسد سردية خاصة بهم عن «مظلومية» لم يسمع عنها معظم السوريين لكنها تُطرح في داخل العائلة على أنها حقيقة ثابتة. وهي أن «المؤسِّس» حافظ الأسد كان حذراً للغاية من تعيين الأقارب الذين يحملون كنيته في المناصب العليا التي يستحقونها -وفق رأيهم طبعاً- لئلا يستغل خصومه ذلك فيتهموه بالحكم العائلي. ولذلك لجأت الآساد المتناثرة هنا وهناك، المحرومة من الفرصة، إلى «الأعمال الحرة»، كالتخليص الجمركي الحصري في المرفأ، وفرض الخوّات مقابل الحماية، والتهريب، والتشبيح، وما إلى ذلك من أبواب الاسترزاق. أما من ظهروا من آل الأسد في الحياة العامة فقد اضطر حافظ إليهم ولم يجد عنهم بديلاً مكافئاً. كشقيقه رفعت قائد قوات «سرايا الدفاع»، وابن شقيقه عدنان قائد «سرايا الصراع» المنافِسة، وابن شقيقه كمال الرئيس المزمن لغرفة تجارة وصناعة اللاذقية، وبعض الأسماء الأخرى.
وفي المرحلة التي كان الأب يعدّ فيها ابنه لوراثة الحكم، ونوقش الأمر على منصات إعلامية عربية لا داخلية بطبيعة الحال؛ فإن ممثلي النظام في هذه السجالات كانوا يعتمدون طرحاً أساسياً هو أن بشار، الشاب الطبيب المثقف خريج الغرب والضابط الملتزم والمعلوماتي المبشر؛ ينبغي ألا تحول بنوّته لرئيس البلاد دون أن يكون رئيساً بدوره. فأي شخص في مكانه، يملك هذه المواصفات كلها، يستأهل الفرصة التي يجب ألا يعوقها نسبه الأسري!
وربما لم يعد من المستغرب أن يلجأ بعض أنصار السلطة الحالية إلى تكرار حجج سبق أن استخدمها مؤيدو العهد «البائد»، سواء أدركوا ذلك أم لا. ولذلك قرأنا وسمعنا من يقول مؤخراً إن القرابة ليست مانعة من تولي المسؤولية لأن وجود كفاءات كثيرة في عائلة كبيرة أمر طبيعي في المجتمع السوري. ولا يعقل أن يتم حرمان كفاءة معينة فقط لأن له أخاً أو أباً يشغل موقعاً آخر من الوظائف العامة البارزة. وقد ظهر هذا التبرير بعد انتشار أكثر من خبر عن قرارات بتسليم مناصب مرموقة لبعض أقارب الدرجة الأولى لمسؤولين كبار في الحكومة.
والحق أن هذا النوع من المصادفات قد يحصل بالفعل لكن تنزيهه عن المحسوبية يطلب شروطاً عدة. ربما كان أولها بقاؤها في حدود نسبة عددية معقولة للمصادفة لا أن تصبح ظاهرة مألوفة. وثانيها وجود معايير محايدة ودقيقة لتقدير الكفاءة المفترضة للأقارب المعيَّنين لا مجرد التزكية أو الـCV السريع. وثالثها حصول ذلك في بيئة سياسة وعمل طبيعية، لا في مرحلة انتقالية فيها كثير من السجالات عن حكم الجماعة والعُصبة.
وهنا أتت الحجة الثانية التي تقول إن هذه المرحلة المصيرية والحساسة لا تحتمل التجريب ولا التهاون في مسألة الثقة، حذراً من تسلل أعداء الحكم إلى داخل أجهزته لتخريبه أو الانقلاب عليه. ولذلك يفضّل المسؤولون أن يعملوا مع من تم تجريبهم، أو مع أقارب مضموني الولاء لا تُتوقَّع منهم الخيانة والغدر. ويتناقض هذا الطرح مع رؤية «سوريا الجديدة» لسيرها وأهدافها الحالية كما جرى التعبير عنها مراراً؛ من الانتقال إلى «عقلية الدولة» التي لا تتوافق مع حكم الثقات بل مع تكافؤ الفرص، إلى رفض المحاصصة الطائفية في المناصب على الطريقة اللبنانية واعتماد المؤهلات معياراً معلناً، وأخيراً إلى التعاون مع بعض رجالات النظام السابق الذين ربما ينطبق عليهم وصف «الفلول» أكثر من غيرهم بكثير، في أمثلة شهيرة أثارت كثيراً من الجدل.
صحيح أن بعض الأنبياء كانوا من سلالة واحدة متتالية لكن كلاً منهم عاش قصة رسالته الخاصة. أما سيرة الأنبياء الإخوة فليست مألوفة
أما الحجة الثالثة فهي مرتبطة بالجو الإسلامي السائد في البلاد حالياً. وتستند إلى قصة موسى وهارون عليهما السلام، حين بشّر الله كليمه بقوله ﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ﴾. والحال أن هذه حالة لم يشتهر تكرارها في سير الأنبياء كما تروي الكتب المختصة بذلك. صحيح أن بعض الأنبياء كانوا من سلالة واحدة متتالية لكن كلاً منهم عاش قصة رسالته الخاصة. أما سيرة الأنبياء الإخوة فليست مألوفة. مما يحيل، مرة أخرى، إلى الفارق بين الوقائع المفردة، أو قليلة الحدوث، وبين ما يبدو أنه يتحول إلى ظاهرة في الواقع الحالي.
ناهيك عن أن نموذج البلاد الذي تقول السلطة إنها تسعى إليه، وهو الذي يجمع بين أحدث المعطيات التقنية والأنظمة الإدارية وقوانين الاستثمار الجاذبة مع الانفتاح على الغرب وبناء الشراكات مع مؤسساته المالية والتنموية؛ لا ينسجم مع «عقلية الحجي» التي تدار بها بعض المشروعات العائلية الموروثة عن بنية اقتصاد تقليدي كان يميز العالم القديم واستمر في سوريا بحكم الخوف من نهب الدولة أو ممثليها أو أقارب بعض رموزها المعروفين.
ولعلاج ذلك كله، وسواه من العيوب التي تتناوب على المشهد، ثمة وصفة لا تتقادم رغم كثرة تكرارها. تتلخص في التشاركية النزيهة اللائقة ببلد خاض ثورة شرسة وهو يستحق أن يجني ثمارها القريبة بحكومة تسعى إلى تحقيق معايير الشفافية والعدالة والابتعاد عن المحسوبيات.
Loading ads...
ومهما بدت القيم الأولى للثورة مطمورة تحت ركام الانفعالات الآن فإنها صلبة بما يكفي لأن تعيد الأمور إلى نصابها مجدداً وتفرض نفسها على جميع الذين اضطروا إلى التسليم بها علناً رغم كراهيتهم الضمنية ولن يستطيعوا التهرب من استحقاقاتها لوقت طويل. فقد سقط الأبد إلى غير رجعة...
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً



