ساعة واحدة
"ثوانٍ معدودة وتختفي محفظتك".. نشل الحقائب في دمشق وسط غياب حلول سريعة
الأحد، 5 يوليو 2026
لم يعد السير في شوارع دمشق أمراً هيّناً، بل أصبح مناورة حذرة يخوضها المارّة، حيث تحولت حقائب الكتف واليد "للرجال والنساء على حد سواء" إلى غنائم مستباحة يترصدها نشّالون يُسخّرون الدراجات النارية لشن غارات خاطفة عند إشارات المرور، وفي المواقف العامة وعلى الأرصفة.
وتبدو آلية التنفيذ مكررة ورتيبة، تقترب دراجة مسرعة من الخلف، يمد راكبها يده بخفة ليخطف حزام الحقيبة في لحظة انشغال عابر السبيل، ثم يختفي خلال ثوانٍ داخل الأزقة الجانبية.
لا تقتصر الخسارة على الأموال والمقتنيات الشخصية فحسب، بل تمتد لتسلب الإنسان أوراقه الثبوتية وبطاقاته الجامعية أو المهنية، تاركةً إياه في شارع مزدحم لمواجهة تبعات هذا الفقدان المفاجئ، إضافة إلى إجراءات المعاملات الرسمية المعقدة لاستخراج بدائل عنها في مؤسسات أنهكها الروتين الحكومي.
وتكتسب هذه الظاهرة أبعاداً مقلقة لكونها تسجل تصاعداً لافتاً في مرحلة ما بعد بسط الحكومة سيطرتها العسكرية على العاصمة ومحيطها، وهي المرحلة التي يروّج لها رسمياً كبوابة استعادة الأمان، ويأتي هذا التصاعد مدفوعاً بانهيار القوة الشرائية لليرة وتفشّي المواد المخدّرة.
تتطابق روايات من عاشوا هذه التجربة في شوارع دمشق حول السرعة الفائقة التي تُنفَّذ بها عمليات النشل، والتي لا تترك للناس سوى ثوانٍ من الذهول قبل استيعاب حجم الخسارة المفاجئة.
يروي سليمان، وهو سائق دراجة كهربائية، لموقع تلفزيون سوريا تفاصيل نجاته بأعجوبة، قائلاً: "كنت أقود دراجتي الكهربائية، وفجأة اقتربت مني دراجة نارية مسرعة يستقلها شخصان. كانت أعينهما مركّزة على الحقيبة التي أضعها عادةً على مقود الدراجة".
وأشار سليمان إلى أن أحدهما مدّ يده وخطف الحقيبة، قبل أن يتمكن في اللحظة الأخيرة من الانتباه والهرب منهما والحفاظ عليها، مضيفاً: "الرعب وحده يكفي".
أما خالد، فلم تسعفه النجاة عندما كان يسير ليلاً برفقة خطيبته، ويستعيد تلك اللحظة بمرارة: "كنا نسير ليلاً باتجاه بنك سورية الدولي، وفجأة مرّت دراجة نارية كالصاروخ، وبحركة سريعة خطفت الحقيبة من يدنا وهربت. حدث كل شيء في لمح البصر، لدرجة من شدة الصدمة لم أستطع إصدار أي صوت أو الصراخ خلفهم".
ويتكرر المشهد بالسيناريو ذاته في التقاطعات المرورية المزدحمة نهاراً، كما حدث مع حاتم في منطقة البرامكة، حيث يقول: "كنت أتمشى في منطقة البرامكة، وفجأة مرت بجانبي دراجة نارية مسرعة عليها شخصان، وفي ثانية واحدة خطفوا الحقيبة التي كانت معي. المشكلة ليست في السرعة فقط، بل في أنهم يكونون على دراية بالطرقات، فيدخلون فوراً إلى حارات فرعية مظلمة، ولم أعد أستطيع ملاحقتهم أو حتى رؤيتهم".
من جهته، أكد عضو في إدارة الأمن الجنائي (قسم المعلومات)، أن تتبّع هذه الجرائم والحد منها يرتبط بشكل مباشر بوعي المواطن وطريقة تعامله مع الحادثة قانونياً، إذ تشير المعطيات إلى أن معظم من يتعرضون للنشل يكتفون بترديد عبارة "قدر الله وما شاء فعل" ونشر ما حدث عبر حساباتهم الشخصية على "فيسبوك"، دون تقديم بلاغ رسمي في مخفر الشرطة.
وأضاف المصدر خلال تصريح لموقع تلفزيون سوريا، أن هذا السلوك يعيق العمل الجنائي، إذ يُعدّ التبليغ الفوري أساساً لبناء قاعدة بيانات أمنية دقيقة، وتحديد بؤر الضعف الأمني في كل منطقة لاتخاذ الإجراءات اللازمة لتعزيزها، بالاعتماد على تسجيلات كاميرات المراقبة القريبة للحصول على صورة أوضح عن الجناة وتعميمها. وشدّد على أهمية وجود آلية تشاركية وتبليغ مستمر يتيح للجهات المختصة رصد أي خلل أمني والتعامل معه بشكل فوري.
وتتكامل هذه الإجراءات الجنائية مع تحركات خدمية وتنظيمية، إذ أصدر محافظ دمشق، ماهر إدلبي، قراراً يقضي بتنظيم وملاحقة حركة الدراجات النارية في الشوارع والأسواق الحيوية، وحظر تجوال الدراجات غير النظامية، وذلك ضمن جهود المحافظة لضمان حفظ الأمن والنظام العام وتأمين السلامة العامة للمارة في العاصمة. ورغم هذه الحملات، يرى سكان أن فاعليتها تبقى مرتبطة بمدى استمرارية الملاحقة وقدرتها على ضبط المداخل الفرعية.
في ظل غياب الحلول الجذرية، اضطر سكان دمشق إلى اتخاذ احتياطات يومية لحماية أنفسهم وتقليل الخسائر، حيث استبدل المارّة حقائب اليد والكتف التقليدية بحقائب متقاطعة على الجسم (الكروس)، مع تثبيتها في الجهة الأمامية وتغطيتها بالملابس لتصعيب سحبها، بالتوازي مع الاعتماد على الجيوب الداخلية العميقة لفصل المقتنيات الثمينة (مثل الهاتف والنقود والأوراق الرسمية) عن الحقيبة، بما يضمن تقليل حجم الخسارة في حال وقوع السرقة وجعل الحقيبة مخصصة للأغراض الثانوية فقط.
وعلى الصعيد الميداني، تغيرت أنماط الحركة في شوارع العاصمة، إذ تتجنب الأغلبية الساحقة السير بمحاذاة أطراف الأرصفة القريبة من حركة المرور، ويفضّل كثيرون المشي في عمق الرصيف قرب واجهات المحلات لإعاقة اندفاع الدراجات النارية. كما يبتعد المارّة كلياً عن الشوارع الفرعية والأزقة المعتمة نتيجة انقطاع الكهرباء، وويفضّلون سلوك طرق أطول عبر الشوارع الرئيسية المزدحمة لضمان قدر أكبر من الأمان أثناء التنقل.
Loading ads...
تلخّص ظاهرة نشل الحقائب المتصاعدة في دمشق مشهداً أمنياً مضطرباً، يعجز فيه القرار التنظيمي والجهد الجنائي عن مجاراة سرعة الدراجات النارية في الأزقة المعتمة. ومع استمرار الأسباب البنيوية، من الفقر وتفشي المخدرات، يبقى التعايش مع الخطر الخيار الوحيد المتاح أمام المارّة، حيث تحلّ الجيوب الداخلية والحقائب المُحكَمة بدائلَ عن غياب منظومة أمنية متكاملة قادرة على ضبط الشارع وفكّ عقد الانفلات الجنائي.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه

