شهد الوضع الكردي السوري انعطافاً سلبياً منذ دخول حزب العمال الكردستاني إلى سوريا أواخر عام 1979. فقد مكّنه ذلك الدخول، الذي تم في أجواء الفراغ النفسي الذي كان يعيشه الشباب الكرد السوري بعد انهيار الثورة الكردية في كردستان العراق بقيادة الراحل ملا مصطفى بارزاني عام 1975، والانقسامات التي كانت قد بدأت بين الأحزاب الكردية السورية من جرّاء ذلك، من التمدّد ضمن المناطق الكردية السورية، وبناء تشكيلاته الحزبية فيها، وكان كل ذلك بالتنسيق مع أجهزة سلطة حافظ الأسد ودعمها له بمختلف الأشكال.
ومع تطور العلاقة بين حزب العمال وسلطة حافظ الأسد، ومن ثم دخول الحزب نفسه في علاقة مع النظام الإيراني، أصبح هذا الحزب فاعلاً مهيمناً في المجتمع الكردي السوري نتيجة لضعف وترهّل الأحزاب الكردية السورية، وانشغالها بخلافاتها البينية والمنافسات الحزبية، ودعم أجهزة سلطة حافظ الأسد. هذا مع أهمة الإشارة هنا بأن تلك الأحزاب كانت تدعو إلى معالجة الموضوع الكردي السوري ضمن الإطار الوطني السوري، وتعتمد العمل السياسي وسيلة لبلوغ أهدفها؛ في حين كان حزب العمال يرفع شعار تحرير وتوحيد كردستان، ويروّج للعمل المسلح ضد تركيا، وكان ذلك ينسجم مع سياسات حافظ الأسد في ميدان استخدام أوراق المنطقة (اللبنانية، الفلسطينية، العراقية، الكردية) لتعزيز دوره على المستويين الإقليمي والدولي.
ومنذ ذلك الحين ارتبط الموضوع الكردي السوري مع الموضوع الكردي في تركيا، رغم كل الجهود التي كانت قد بُذلت، وتبذل، من أجل حلّ كل الموضوع ضمن إطاره الوطني.
مع مراعاة الوضع الكردي العام على صعيد التعاطف والتضامن بناء على وقائع التاريخ والجغرافيا والروابط القومية المشتركة.
ما يزيد الوضع تعقيدا هو الغموض واللبس اللذان يحيطان بما يحصل بين الحكومة التركية وأوجلان من جهة، وما حصل ويحصل بين "قسد" والسلطة في دمشق من جهة ثانية.
وبعد إخراج زعيم حزب العمال عبدالله أوجلان من سوريا عام 1998، والتوقيع على اتفاقية أضنة الأمنية بين سلطة حافظ الأسد والحكومة التركية برئاسة مسعود يلماز في عهد الرئيس سليمان دميرل، بدا لأول وهلة أن حزب العمال لم يعد له التأثير الملموس في اللوحة الكردية السورية؛ وهو الانطباع الذي لم يكن في محله، لأن هذا الحزب سرعان ما غيّر في استراتيجيته التكتيكية، وشكّل عدة تنظيمات فرعية مرتبطة به، وتابعة له في كل من سوريا والعراق وإيران؛ ولم يكن ذلك بمنأى عن التنسيق مع رعاته الإقليميين سواء في سوريا أم في إيران. وكان حزب الاتحاد الديمقراطي (ب. ي. د.) هو فرع حزب العمال في سوريا، وهو التنظيم الذي عاد إلى الهيمنة على الساحة الكردية السورية مع بدايات الثورة السورية عام 2011، وذلك بالاتفاق والتنسيق مع أجهزة سلطة بشار الأسد.
ومع انهيار السلطة الأسدية بعد هروب بشار، تحوّل هذا الحزب بقدرة قادر إلى "ركن من أركان الثورة السورية"، وذلك بموجب السرديات التضليلية التي فبركتها وسوّقتها ماكينته الاعلامية، بالإضافة إلى الماكينة الاعلامية الديماغوجية التابعة لحزب العمال. وقد استفاد الحزب المعني في هذا المجال من الدعم الأميركي الوظيفي الذي حصل عليه لمحاربة داعش ضمن إطار جهود التحالف الدولي، وهو التحالف الذي تشكّل بعد التوافقات التي تمت بين الروس والأميركان عام 2015.
وتحت وطأة مطالبات الأوساط الشعبية والقوى السياسية والمجتمعية الكردية السورية، وحتى قوى دولية، بضرورة فك الارتباط العضوي بين حزب الاتحاد الديمقراطي وحزب العمال، ليتحول الأول إلى قوة سياسية كردية سورية؛ على أن تفعّل الحكومة التركية من جهتها مجدداً العملية السلمية بينها وبين حزب العمال للوصول إلى عادل للمسالة الكردية في تركيا يكون في صالح الجميع على أساس احترام وحدة الشعب والوطن.
وعلى إثر مبادرة دولت بهتشلي في تشرين الأول 2024 تحرّكت الأمور في هذا الاتجاه، وساد نوع من التفاؤل رغم عدم تقديم الحكومة التركية أي مبادرة سياسية جدّية توحي بوجود رغبة أكيدة للوصول إلى حل للموضوع الكردي في تركيا، وهو الأمر الذي سيكون، إذا ما تحقّق، في صالح تركيا (شعباً ودولة) وكردها أولاً، ولصالح المنطقة وشعوبها، خاصة في مناخات التصادم الإسرائيلي الإيراني ودخول الأميركان إلى المعركة لمساندة إسرائيل.
وكانت دعوة عبدالله أوجلان إلى التخلي عن السلاح وحل حزب العمال. ورغم ترحيب مظلوم عبدي بتجاوب أوجلان مع العملية التي تسميها الحكومة التركية تسميها رسمياً: عملية تركيا خالية من الإرهاب؛ إلا أنه صرح بأنهم غير معنيين بدعوة أوجلان الخاصة بالتخلي عن السلاح وحل التنظيم. وقد أعطت تلك التصريحات انطباعا مفاده أن حزب الاتحاد الديمقراطي قد اتخذ هو الآخر قراره بفك الارتباط مع حزب العمال. ولكن التطورات اللاحقة بينت عدم دقة هذه الاستنتاجات. بل ما تبلور على أرض الواقع هو وجود تقاطع بين مقاربتي الحكومة التركية وأوجلان لموضوع قسد وحزب الاتحاد الديمقراطي في سوريا. فالحكومة التركية تريد ضبط موضوع دمج "قسد" ضمن الدولة السورية وفق الشروط التي تنسجم مع توجهاتها بخصوص الموضوع الكردي لديها، وذلك من جهة سقف الحقوق وشكل الإدارة والصلاحيات؛ مع الأخذ بعين الاعتبار المتغيرات التي كانت في ظل التنسيق بين حزب العمال وسلطة آل الأسد، ومن ثم في مرحلة الدعم الأميركي لـ "قسد" بعد تشكّلها في عام 2015؛ هذا بالإضافة إلى المعادلات التركية الداخلية ، والحسابات الانتخابية.
أما أوجلان فهو يريد استخدام ورقة "قسد" وواجهات حزب العمال في سوريا لتعزيز موقفه التفاوضي مع الحكومة التركية، وتعزيز موقعه في مواجهة المختلفين معه ضمن قيادات "قنديل".
ولعل هذا ما يفسر تراوح مساعي حل الموضوع الكردي في تركيا في مكانها، بل صدور تصريحات متعارضة هنا وهناك ، وحدوث تحركات وبروز مظاهر، لا توحي بقرب الانفراج. وما يزيد الوضع تعقيدا هو الغموض واللبس اللذان يحيطان بما يحصل بين الحكومة التركية وأوجلان من جهة، وما حصل ويحصل بين "قسد" والسلطة في دمشق من جهة ثانية.
وللخروج من هذا المأزق لا بد من الإقرار على الجهتين: التركية والسورية بأمرين محورين. الأول ضرورة الفصل بين الموضوع الكردي في تركيا ونظيره في سوريا. الثاني عدم اختزال الموضوع الكردي في تركيا بحزب العمال وواجهاته. وعدم اختزاله في سوريا بحزب الاتحاد الديمقراطي وواجهاته.
فالموضوع الكردي في تركيا أقدم وأكبر من حزب العمال بكثير. وهناك قوى سياسية ومجتمعية كردية عديدة ومؤثرة في تركيا لا بد أن تعطى الدور في أي حوار جاد يرمي إلى حل الموضوع الكردي في تركيا. والأمر نفسه بالنسبة للوضع في سوريا. وأي حل مستدام لا بد أن يرتكز على فك الارتباط بين المقاربتين في كل من تركيا وسوريا، وأخذ الخصوصية السورية بعين الاعتبار.
لا بد أن تكون المقاربة ضمن إطار المشروع الوطني السوري الذي يطمئن الجميع عبر احترام الانتماءات المجتمعية الفرعية والحقوق الجمعية، وكل ذلك على أساس وحدة الشعب والوطن
المسألة الكردية السورية هي بالنسبة إلى السوريين ككل قضية وطنية عامة. متداخلة مع أوضاع المجتمعات المحلية لا في المناطق ذات الغالبية الكردية وحدها، وإنما في مدن دمشق وحلب وحماة ومناطق الرقة وتل أبيض وجسر الشغور والساحل وحتى الجنوب السوري. لذلك لا بد أن تكون المقاربة ضمن إطار المشروع الوطني السوري الذي يطمئن الجميع عبر احترام الانتماءات المجتمعية الفرعية والحقوق الجمعية، وكل ذلك على أساس وحدة الشعب والوطن، وضمن إطار دولة المؤسسات العادلة التي تساوي بين جميع سائر المواطنين أمام القانون بغض النظر عن انتماءاتهم المجتمعية أو توجهاتهم السياسية والفكرية والجهوية.
Loading ads...
وتجدر الإشارة في هذا السياق إلى أهمية المرسوم الرئاسي رقم 13 لعام 2026 الخاص بالمسألة الكردية في سوريا، فقد فتح هذا المرسوم الآفاق أمام حل القضية الكردية السورية على أساس الاعتراف بالخصوصية والإقرار بالحقوق. وما هو مطلوب اليوم هو اتخاذ هذا المرسوم أساساً لحوار وطني سوري معمّق، يجمع بين ممثلي الكرد والحكومة في دمشق للوصول إلى وثيقة وطنية حول القضية الكردية السورية، تصبح جزءاً من العقد الاجتماعي الوطني والدستور، وذلك لتبديد هواجس الكرد والعرب وسائر السوريين، وكل ذلك سيسهم في معالجة القضايا الوطنية التي تخص مجمل المكونات المجتمعية السورية، الأمر الذي سيعزز السلم الأهلي ويوفر مقوّمات الأمن والاستقرار، ويهيىء الأرضية لتركيز الجهود على التنمية وإعادة الاعمار وتأمين المقومات الأساسية للعيش الكريم لسائر السوريين الذين يعانون في معظمهم من ظروف معيشية بالغة الصعوبة تنذر بانفجارات مجتمعية، هذا في حال استمرارية الأوضاع العامة في البلد والمقاربات الحكومية على ما هي عليه راهناً.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه

