هناك أشخاص نعتقد أننا نعرفهم أكثر مما نعرف أنفسنا. نستطيع أن نتوقع إجاباتهم قبل أن يتحدثوا، ونحفظ عاداتهم الصغيرة، ونعرف الأشياء التي تزعجهم وتلك التي تجعلهم يضحكون.
مع الوقت، نتوقف عن طرح الأسئلة، وكأن السنوات التي عشناها معهم/ إلى جانبهم كانت كافية لمعرفة "كل شيء" عنهم.
أُفكّر أحياناً في مقدارِ ما نجهله عن الأشخاص الأقرب إلينا، وفي كل ما يحدث لهم خارج علاقتهم بنا.
قد نعرف تفاصيل يوم إنسان، والطعام الذي يفضله، والطريقة التي يتعامل بها مع الأخبار السيئة، ثم نعجز عن الإجابة عن سؤال يتعلق بشيء كان يتمناه.
نتذكر ما قاله لنا في موقف قديم، ونحتفظ بتفسيرنا لكلماته سنوات طويلة، من دون أن نعرف ما الذي كان يمر به حين قالها أو كيف يتذكر هو الموقف نفسه.
اكتشفت عند العودة إلى بعض ذكرياتي أنني لم أكن أفهمها تماماً. هناك تصرفات أزعجتني حين حدثت، وأخرى لم أمنحها اهتماماً كبيراً، ثم وجدت نفسي أفكر فيها بعد زمن بصورة مختلفة، ربما لأنني مررت بتجارب جعلتني أكثر قدرة على فهم ما كان يشعر به أصحابها، وربما لأنني صرت أقل ثقة بأحكامي الأولى، ولأنني أيضاً أعرف جيداً أثر موقف ما عليّ، لكنني لا أعرف شيئاً تقريباً عما كان يعنيه للشخص الآخر.
أكثر ما أفكر فيه اليوم، وأنا أعود إلى هذه الأسئلة، هو علاقتنا بأهلنا.
أحاول أحياناً أن أتخيل أبي وأمّي قبل أن أصبح جزءاً من حياتهما. أفكر فيهما في العمر الذي أنا فيه الآن، وفي شكل أيامهما، والأشياء التي كانت تشغلهما، والأحاديث التي كانا يخوضانها مع أصدقائهما.
أتساءل إن كانا يتخيلان الحياة التي سيعيشانها لاحقاً، وما الذي تحقق مما أراداه، وما الذي تغير في الطريق. أعرف عنهما الكثير، لكن معظم ما أعرفه يبدأ من اللحظة التي أصبحت فيها موجوداً لأراهما.
منذ طفولتنا، نعرف الأهل من خلال علاقتهم بنا، نعرف خوفهم وغضبهم واهتمامهم، ونعتاد الرجوع إليهم حين نحتاج إلى إجابة أو مساعدة.
يبدو لنا أنهم يعرفون ما ينبغي فعله، ثم نكبر ونمر بمواقف لا نجد لها حلولاً واضحة، فنفكر للمرة الأولى في مقدار الحيرة التي ربما عاشوها وهم يحاولون تربيتنا، كم قراراً اتخذوه من دون أن يكونوا متأكدين منه؟ وكم مرة شعروا بأنهم على خطأ ثم اضطروا إلى متابعة يومهم، كما نفعل نحن الآن؟
قبل نحو ستّ سنوات، كتبت عبر رصيف22 مقالاً بعنوان "عندما اعتقد أبي أنني من أدخل فيسبوك إلى البلد". تحدثت فيه عن أبي وعن علاقته بعالم كان يتغير من حوله، وعن طريقته في التعبير عن المحبة: أتذكر أنني كتبت عن قيامه بتقطيع الفاكهة لي وهو في السبعين من عمره، وعن المعنى الذي حمله ذلك التصرف الصغير في علاقتنا.
حين أعود إلى النص اليوم، أتوقف عند تلك الصورة أكثر من أي شيء آخر، أفكر في أبي وهو يقطع الفاكهة، وفي الرجل الذي عرفتهُ طوال حياتي من خلال كونه أبي، أعرف عاداته وأستطيع أن أتوقع الكثير من تصرفاته، لكنني لم أسأله بما يكفي عن شبابه، أو عن الأشياء التي أحبّها قبل أن تصبح العائلة جزءاً أساسياً من يومه/ حياته.
أتساءل أحياناً عن الشخص الذي كان يلجأ إليه حين يحتاج إلى الاطمئنان، وعن المواقف التي جعلته يغيّر رأيه في شيء اعتقد أنه يعرفه جيداً.
وأفكر في أمي بطريقة مختلفة قليلاً، كم مرة اتصلت بها وكان أول ما يشغلني هو الاطمئنان إليها، أو إخبارها بشيء حدث لي؟ كم مرة انتهى الحديث بعدما تبادلنا أخبارنا المعتادة، من دون أن أسألها عن شيء يخصها هي وحدها؟
أجد أنني أعرف جيداً كيف تكون أمي حين تقلق عليّ، لكنني أريد أن أعرف أكثر كيف تكون حين لا يشغلها القلق على أحد، ما الذي يجعل يومها جميلاً؟ وما الأشياء التي ما زالت ترغب في تجربتها؟ وكيف تتحدث عن نفسها حين لا يكون الحديث متعلقاً بأبنائها؟
أفكر في مقدار ما اعتدنا أن نرى الأمهات عليه من خلال ما يمنحنه للآخرين، حتى تصبح رغباتهن الخاصة أقل حضوراً في أحاديثنا معهن. وربما فعلنا شيئاً مشابهاً مع آبائنا، حين اختصرنا شخصياتهم في العمل والمسؤولية والقرارات التي اتخذوها من أجل العائلة، ومع مرور السنوات، تصبح هذه الصورة مألوفة إلى درجة يصعب علينا أن نرى ما يقع خارجها.
والغريب أننا نستطيع الجلوس لساعات مع شخص نتعرف إليه للمرة الأولى، فنطرح عليه أسئلة عن طفولته وعلاقاته وأحلامه، بينما تمرّ سنوات من علاقتنا بأهلنا من دون أن نخوض أحاديث مشابهة.
نعتقد أننا سمعنا حكاياتهم كلّها وربما نطلب منهم أحياناً ألا يعيدوا قصة نعرف نهايتها جيداً، من دون أن ننتبه إلى أننا لم نسأل قط عن تفاصيل أخرى قد تكون أهم بالنسبة إليهم.
أعرف جيداً كيف تكون أمي حين تقلق عليّ، لكنني أريد أن أعرف أكثر كيف تكون حين لا يشغلها القلق على أحد، ما الذي يجعل يومها جميلاً؟ وما الأشياء التي ما زالت ترغب في تجربتها؟ وكيف تتحدث عن نفسها حين لا يكون الحديث متعلقاً بأبنائها؟
أكثر ما يُربكني في علاقتي بأهلي أنني ما زلت أراهم أحياناً كما رأيتهم في طفولتي. أعود إليهم حاملاً تجارب وقرارات اتخذتها بنفسي، ثم تكفي ملاحظة صغيرة من أحدهما حتى أجدني أتفاعل بالطريقة ذاتها كما قبل سنوات طويلة. هناك شيء في هذه العلاقة لا يتغيّر، رغم معرفتنا جميعاً أننا تغيرنا، ورغم وجود ما يتغيّر على أرض الواقع حقاً.
فمما يتغيّر "بهدوء" مثلاً أن أجد نفسي أفكر في صحتهما وراحتهما أكثر مما كنت أفعل سابقاً، وأنتبه إلى أن بعض الأشياء التي كنت أعدّها طبيعية في وجودهما تحتاج اليوم إلى اهتمام أكبر، يصعب أن نرى التعب في الأشخاص الذين اعتدنا اللجوء إليهم حين نتعب، وأن نكتشف أن من كانوا يطمئنوننا يحتاجون بدورهم إلى من يطمئن إليهم.
هذا التغير يجعلني أعود إلى خلافات قديمة بنظرة مختلفة، أتذكر مواقف شعرت فيها بأن أهلي لا يفهمونني، وأخرى اعتقدت أنهم يبالغون فيها في خوفهم أو يتدخلون في اختياراتي، ما زالت بعض تلك المواقف تزعجني، وما زلت أعتقد أنني كنت محقاً في بعضها، لكنني أصبحت أفكر في مقدار ما كانوا يعرفونه عني آنذاك، وفي الأشياء التي ربما أخافتهم ولم يستطيعوا شرحها، وأتساءل أيضاً إن كانت هناك قرارات اتخذوها ويتمنون اليوم لو تعاملوا معها بطريقة أخرى.
وصفت العلاقة مع الأهل سابقاً بأنها "لعنة"، لما تحمله من محبة قادرة على منحنا الكثير وتحميلنا الكثير في الوقت نفسه. بعد ستّ سنوات، ما زلت أفهم ذلك الشعور
في مقالي السابق، وصفت العلاقة مع الأهل بأنها "لعنة"، لما تحمله من محبة قادرة على منحنا الكثير وتحميلنا الكثير في الوقت نفسه، كنت منشغلاً بالخوف الذي تتركه هذه المحبة في قراراتنا، وبالمسؤولية التي نشعر بها تجاه أشخاص نعرف مقدار ما يعنيه وجودهم في حياتنا.
بعد ستّ سنوات، ما زلت أفهم ذلك الشعور، أعرف كيف يمكن أن تكون محبة الأهل ثقيلة أحياناً، وكم يصعب أن نفصل اختياراتنا الشخصية عن خوفنا عليهم، لكنني أصبحت أفكر أيضاً في أنهم عاشوا علاقات مشابهة مع أهلهم، وأنهم كانوا أبناء قبل أن يصبحوا آباء وأمهات، ربما شعروا بالخوف نفسه، وربما أخفوا رغبات أو ترددوا في قرارات، وربما خاضوا خلافات لم أعرف عنها شيئاً.
ولعل ما تغير في داخلي أنني أصبحت أكثر رغبةً في سماع تلك الحكايات، أن أسأل أبي عن موقف مضحك من شبابه، أو عن صديق افتقده، وأن أسمع من أمي كيف كانت تتخيل حياتها حين كانت أصغر مني، أريد أن أعرف الأشياء التي ما زالت تسعدهما، والتي يتمنيان فعلها الآن، وأن أسمع رأيهما في السنوات التي عاشاها من دون أن يكون كل حديث بيننا متعلقاً بي أو بإخوتي أو بما تحتاج إليه العائلة.
أعرف أن بعض الأسئلة قد تبدو غريبة إذا طرحناها فجأة على أشخاص اعتدنا الحديث معهم بطريقة معينة، لكنني أحبّ التفكير في أن علاقتنا بأهالينا ما زالت قادرةً على أن تكشف لنا شيئاً جديداً
أعرف أن بعض الأسئلة قد تبدو غريبة إذا طرحناها فجأة على أشخاص اعتدنا الحديث معهم بطريقة معينة، وربما لن نجد دائماً إجابات واضحة، أو سنكتشف أن هناك أموراً يفضل أهلنا الاحتفاظ بها لأنفسهم، لكنني أحبّ التفكير في أن علاقتنا بهم ما زالت قادرةً على أن تكشف لنا شيئاً جديداً، حتى بعد كل هذه السنوات، وأن المعرفة التي جمعناها عنهم لا تمنعنا من الاستمرار في اكتشافهم.
أعود إلى صورة أبي وهو يقطع الفاكهة. قبل ستّ سنوات، رأيت في ذلك التصرف محبة استطاعت أن تقول ما عجزت الكلمات عن قوله، وما زلت أراه كذلك، لكنني أفكر اليوم في اليدين اللتين قطعتا الفاكهة، وفي السنوات التي عاشها صاحبهما، وفي كل ما فعلتاه قبل أن أصبح موجوداً لأتذكرهما، وأفكر في أمي أيضاً، وفي حكاياتها التي لم أسمعها، وفي كل ما اعتقدت أنني أعرفه عنها لمجرد أنني ابنها.
أمضيت عمري أعرف أبي وأمي من خلال ما فعلاه من أجلي، وأخشى أن يأتي يوم أريد فيه أن أسألهما عن نفسيهما، فلا أجد من يجيبني.
* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22
Loading ads...
تابع مقالاتنا وتحقيقاتنا المستقلة مباشرةً من هاتفك. استمتع بتجربة سهلة، سريعة، وخصوصية آمنة أينما كنت.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً

هل يمكننا إعادة اكتشاف أهلنا اليوم؟ - رصيف22
منذ 5 دقائق
0




