ساعة واحدة
حين تصبح الطائفة تهمة.. يوميات الخوف العلّوي في “سوريا الجديدة”
الأحد، 7 يونيو 2026

سالي علي- كاتبة وصحفية سورية
في سوريا اليوم، بات الخوف يأتي من الهاتف المحمول، ومن الإشاعة، ومن الاسم، ومن الطرقات الضيقة التي كانت، حتى وقت قريب، جزءاً عادياً من الحياة اليومية. في الساحل السوري، وفي أحياء حمص وريفها وريف حماة، تعيش كثير من العائلات من الطائفة العلوية حالة من القلق الكبير، قلقاً ليس شبيهاً بخوف الحرب التقليدي، وإنما شعوراً بأنهم أصبحوا مكشوفين تماماً أمام مجتمع غاضب، وأمام ذاكرة جماعية تختصرهم بصورة واحدة: “الفلول” أو “أيتام الأسد”.
وأثر ذلك على حياة فئة كاملة من المجتمع السوري، حتى صار الخوف جزءاً من الحياة اليومية؛ إذ تغيّر نساء طرقاتهن، وتمنع عائلات بناتها من الخروج، وتُباع بيوت بصمت، وتراقب أمهات هواتفهن كل ليلة بانتظار رسالة تطمئنهن أن أبناءهن ما زالوا أحياء. هنا، لم تعد المسألة مجرد تبدل سياسي بعد سقوط النظام السابق، بل تحوّل اجتماعي ونفسي عميق يعيد تشكيل العلاقة بين هذه الطائفة والمكان والخوف.
بعد سقوط نظام الرئيس الأسبق بشار الأسد، الذي يتحدر من الطائفة العلوية، بدا لكثيرين أن البلاد تتجه نحو مرحلة جديدة، لكن داخل الساحل السوري وحمص وريفها، لم يشعر كثير من أبناء الطائفة العلوية بأنهم في مرحلة من الأمان. على العكس، تصاعد شعور جماعي بأنهم باتوا يعيشون تحت مراقبة دائمة، وتحت اتهام مفتوح لا يفرّق بين ضابط سابق، وطالب جامعي، وامرأة تعمل في التعليم، أو عائلة فقيرة لم يكن لها أيُّ دور سياسي.
وفي “سوريا الجديدة” اليوم، ظهرت تحولات اجتماعية حادة داخل البيئة العلوية، ليس فقط بسبب الانتهاكات الأمنية أو قصص الخطف والقتل العشوائي القائم على الطائفة أو الهوية، بل أيضاً بسبب المناخ العام الذي تشكّل بعد سقوط النظام. فمع كل حادثة اختفاء، أو رواية عن فتاة عادت بعد خطفها، أو جريمة قتل غامضة، كان الخوف يتسع أكثر داخل البيوت، وتبدأ الشائعات بإعادة تشكيل وعي الناس وحركتهم وعلاقاتهم اليومية.
هذا المقال لا يحاول الدفاع عن مرحلة سياسية سابقة، ولا تبرئة نظام ارتكب انتهاكات وجرائم طوال فترة حكمه، صُنّفت على أنها “جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية” وفقاً لتقارير الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية الدولية. لكنه يحاول تفكيك ظاهرة اجتماعية ونفسية تتشكل اليوم داخل المجتمع العلوي، حيث لم يعد الناس يخافون فقط من العنف، بل من فكرة أن يتحول انتماؤهم الطائفي بحد ذاته إلى تهمة مفتوحة.
في اللاذقية وطرطوس وجبلة وبانياس، تغيّرت تفاصيل الحياة بشكل واضح. فالمقاهي التي كانت تضج بالنقاشات السياسية باتت أكثر صمتاً، والناس أصبحوا يتحدثون بحذر حتى داخل دوائرهم الضيقة. محمد الحسن، وهو اسم مستعار لشاب من ريف جبلة، يقول لـ”الحل نت”: “إن الخوف لم يعد مرتبطاً بحدث محدد. حتى وأنا أشتري الخبز أشعر أنني مراقب. صار الإنسان يفكر قبل أي كلمة يقولها”.
سمر، وهي طالبة جامعية من اللاذقية، تقول لـ”الحل نت” إنها لم تعد تستخدم سيارة الأجرة بمفردها بعد غروب الشمس، حتى داخل المدينة نفسها، مضيفة: “أهلي يخافون من أي تأخير، وأحياناً أبقى على اتصال مفتوح معهم طوال الطريق فقط كي يطمئنوا أنني بخير”.
داخل كثير من البيوت العلوية، لم يعد السؤال اليومي متعلقاً بالوضع الاقتصادي فقط، بل بالأمان الشخصي أيضاً. فالنساء، بشكل خاص، أصبحن أكثر حذراً في الحركة والتنقل. بعض العائلات باتت تربط خروج بناتها بوجود سائق معروف أو قريب موثوق، بينما تخلت أخريات عن الدراسة أو العمل في مناطق بعيدة خوفاً من التعرض لأي تهديد.
أما حسين، وهو موظف من ريف بانياس، فيقول لـ”الحل نت” إن الخوف لم يعد مرتبطاً فقط بالأحداث الأمنية، بل بنظرة الناس أيضاً. ويضيف: “أحياناً تشعر أن اسمك وحده صار كافياً لكي تُعامل وكأنك متهم”.
وفي حمص، ولا سيما في أحياء مثل عكرمة والزهراء، يصف السكان شعوراً مشابهاً. فالخوف هنا لا ينتج دائماً عن حادثة مباشرة، بل عن إحساس دائم بأن أي توتر أمني قد يتحول بسرعة إلى استهداف جماعي، أو إلى موجة من الاتهامات التي لا تميّز بين شخص وآخر.
أكثر ما يلفت داخل البيئة العلوية اليوم هو حجم الخوف والرعب الذي تعيشه النساء. فلم تعد قصص الخطف أو الاختفاء مجرد أخبار متداولة على منصات التواصل الاجتماعي، بل تحولت إلى جزء من الوعي اليومي للعائلات.
ليلى، وهي معلمة من طرطوس، تقول لـ”الحل نت” إن كل ليلة تنتهي بالطريقة نفسها: “نتفقد هواتفنا قبل النوم، ونقرأ القصص التي تنتشر، ونحاول التأكد مما إذا كان أحد نعرفه قد اختفى أو تعرض لمكروه”. وتضيف أن الأمهات أصبحن يعشن حالة استنفار دائمة، حتى إن بعضهن يمنعن بناتهن من الذهاب بمفردهن إلى الجامعة أو العمل.
وحتى داخل المدن التي تبدو أكثر هدوءاً، باتت كثير من النساء يعدّلن تفاصيل يومهن على أساس الخوف. فبعضهن أصبحن يتجنبن الأزقة الضيقة أو التنقل بمفردهن، بينما تحصر أخريات تحركاتهن ضمن نطاق محدد يشعرن بالأمان داخله.
قضية بتول سليمان علوش، التي قالت عائلتها إنها تعرضت للخطف على يد مسلحين، كانت من أكثر القضايا التي عمّقت هذا الشعور. فلم تكن الحادثة، بالنسبة لكثيرين، مجرد قصة اختفاء فتاة، بل تحولت إلى حالة من الذعر الجماعي، خاصة بعد تضارب الروايات بين ما قالته بتول نفسها وما تحدثت عنه عائلتها لاحقاً. وقد ساهم ظهورها بالحجاب، والتسجيلات المتداولة عنها، والحديث عن ضغوط قيل إنها تعرضت لها، في تغذية مشاعر الخوف داخل الساحل السوري.
ولم تكن قضية بتول الحالة الوحيدة التي أثارت هذا النوع من الذعر. فقبلها برزت قضية ميرا ثابت جلال، الشابة المتحدرة من ريف حمص، التي تحولت قصتها أيضاً إلى مادة يومية على وسائل التواصل الاجتماعي، بعد تداول روايات متضاربة حول اختفائها وعودتها لاحقاً مع طفل، وسط معلومات عن مقتل والدها خلال الفترة نفسها. وبين من اعتبر ما جرى “هروباً بإرادتها”، ومن رأى فيه نموذجاً جديداً للخوف الذي تعيشه النساء العلويات، تحولت القصة تدريجياً إلى جزء من ذاكرة جماعية مشبعة بالشك والقلق.
بالنسبة لكثير من النساء، لم تعد هذه القضايا مرتبطة بأشخاص بعينهم، بل بإمكانية أن تختفي أي فتاة فجأة، ثم تعود برواية لا يستطيع أحد التأكد من حقيقتها. هنا، تصبح الإشاعة، أو الروايات التي يتم التلاعب فيها، أحياناً أقوى من الحقيقة نفسها، ويتحول الخوف إلى شعور جماعي يبتلع تفاصيل الحياة اليومية.
في حمص، يبدو الخوف أكثر كثافة. فالمدينة التي عاشت واحدة من أعنف مراحل الحرب تحولت اليوم إلى مساحة مليئة بالشكوك والقصص الغامضة. وقد ساهمت جرائم القتل الفردية، وحوادث الاختفاء، والروايات المتداولة عن الخطف، في خلق مناخ نفسي خانق، خصوصاً داخل الأحياء ذات الغالبية العلوية.
أسعد علي، وبحسب رواية عائلته، كان يملك منزلاً في حي عكرمة. وبعد سقوط النظام، تعرضت شقيقاته، اللواتي كنّ يعشن في منزل قريب، لضغوط انتهت بخروجهن منه، قبل أن تسكنه عائلة أخرى. ولاحقاً، وصلت إلى العائلة معلومات تفيد بأن شخصية ذات نفوذ أمني أصبحت تقيم بالقرب من منزلهم، وأن اسم أسعد قد يكون وارداً ضمن قوائم تفتيش بسبب علاقة سابقة له بأحد الضباط. وكان هذا الخوف كافياً لدفع العائلة إلى بيع المنزل ومغادرة حمص نهائياً. وبالنسبة لأسعد، لم يعد البيت مكاناً للأمان، بل تذكيراً دائماً بإمكانية الخطر.
أما هناء، وهي سيدة من حي الزهراء، فتقول لـ”الحل نت” إن كثيراً من العائلات باتت تتجنب الحديث في السياسة حتى داخل الجلسات العائلية. وتضيف: “الناس تعبت من الخوف، لكنهم في الوقت نفسه يشعرون أن أي كلمة قد تُستخدم ضدهم لاحقاً”.
وفي ريف حمص وريف حماة، تتكرر روايات مشابهة عن عائلات قررت بيع أراضٍ أو مغادرة قراها بصمت. فكثيرون يشعرون أن مجرد بقائهم قد يتحول إلى مخاطرة، وأن النجاة أحياناً تعني الرحيل قبل وقوع أي شيء.
وخلال الأشهر الماضية، وثّقت منصات حقوقية محلية وحسابات إخبارية سورية عشرات الروايات المتعلقة بحوادث قتل فردية، واختفاء، وخطف في مناطق متفرقة من حمص والساحل السوري. وهي روايات، سواء ثبتت وقائعها بالكامل أو بقيت بعض تفاصيلها غامضة، ساهمت في ترسيخ شعور جماعي بالخوف داخل البيئة العلوية.
تلعب وسائل التواصل الاجتماعي دوراً يتجاوز مجرد نقل الأخبار. فصفحات محلية على منصة “فيسبوك”، ومجموعات “واتسآب” المغلقة، وحسابات مجهولة على منصة “إكس”، أصبحت لدى كثيرين مصدراً للمعلومات والخوف في آن واحد. فكل قصة اختفاء، أو تسجيل صوتي، أو صورة متداولة، تنتشر خلال ساعات وتتحول إلى حديث يومي داخل البيوت.
وكثير من هذه الروايات يبقى غير موثق أو يصعب التحقق منه، إلا أن أثره النفسي يكون كبيراً. فالأب الذي يقرأ منشوراً عن خطف فتاة في حمص قد لا ينتظر التحقق من صحة الخبر قبل أن يمنع ابنته من الخروج، والأم التي تسمع تسجيلاً صوتياً عن اختفاء شاب في اللاذقية قد تقضي الليل بأكمله وهي تحاول التواصل مع ابنها للاطمئنان عليه.
وبذلك، تحولت وسائل التواصل الاجتماعي لدى فئات عدة من السوريين، وبشكل خاص العلويين، إلى ما يشبه غرفة خوف جماعية. ففي كثير من البيوت، يبدأ اليوم بتفقد الصفحات المحلية بحثاً عن أسماء مختفين أو أخبار جديدة تتعلق بحادثة خطف أو جريمة قتل. وحتى عندما يتبين لاحقاً أن بعض المنشورات مجرد شائعات أو معلومات غير دقيقة، يبقى أثرها النفسي حاضراً.
قضية بتول علوش كانت المثال الأوضح على ذلك. خلال أيام قليلة، تحولت قصة اختفاء طالبة جامعية من بانياس إلى واحدة من أكثر القضايا تداولاً داخل الساحل السوري. تضارب الروايات بين عائلتها وما ظهر لاحقاً في التسجيلات المصورة، والحديث عن “السبي” و”بيت الأخوات” وظهورها بالحجاب، كلها عناصر فجّرت حالة تشرذم وخوف واسعة على منصات “السوشيال ميديا”، ودفعت كثيرين للتعامل مع القضية كدليل على ما يمكن أن يحدث لأي فتاة علوية داخل “سوريا الجديدة”.
المشكلة الأعمق أن هذا الخطاب الرقمي يعيد إنتاج صورة نمطية عن المجتمع العلوي بأكمله، وكأن جميع أبنائه كانوا جزءاً من السلطة السابقة أو من “الشبيحة”، بينما الواقع أكثر تعقيداً. في طرطوس مثلاً، تُعرف المحافظة تاريخياً بارتفاع نسب التعليم وبوجود طبقة واسعة من الموظفين والمعلمين؛ لكن بسبب الشائعات تختفي التفاصيل الفردية ويتحول الناس إلى كتل طائفية جاهزة للاتهام. لتبدأ الحدود بالاختفاء بين الحقيقة والإشاعة، ويصبح المجتمع كله عالقاً داخل مزاج جماعي من الرعب والشك.
يرى متابعون لملف العدالة الانتقالية في سوريا أن غياب مسار واضح للمحاسبة والعدالة بعد سقوط النظام ساهم في توسيع مشاعر القلق داخل الأقليات، خصوصاً مع تصاعد الخطاب الذي يحمّل جماعات كاملة مسؤولية مرحلة سياسية كاملة. وكان قد حذّر في أكثر من مناسبة من أن أي عملية انتقال سياسي لا تقوم على المحاسبة القانونية الواضحة وحماية المجتمعات المحلية من خطاب الانتقام قد تدفع البلاد نحو دورات خوف وانقسام جديدة بدل بناء الثقة بين السوريين.
بالنسبة لكثير من العائلات العلوية اليوم، المشكلة لا تكمن فقط في ما حدث سابقاً، بل في غياب أي شعور بأن القانون قادر على حمايتهم مستقبلاً. ويرى باحثون سوريون متابعون للتحولات الاجتماعية أن أخطر ما يحدث اليوم داخل البيئة العلوية ليس فقط الخوف الأمني، بل تحول الخوف نفسه إلى هوية اجتماعية يومية. فحين تبدأ العائلات بإعادة تنظيم حياتها على أساس الحذر، وتقييد حركة النساء، وتقليص العلاقات الاجتماعية، يصبح المجتمع تدريجياً أكثر انغلاقاً وأكثر استعداداً لرؤية نفسه كجماعة مهددة لا كمكوّن طبيعي داخل الدولة.
هذا ما يفسر أيضاً تصاعد الهجرة الصامتة من الساحل وحمص، حيث بدأت عائلات كثيرة بيع منازلها وإرسال أبنائها إلى الخارج أو البحث عن أي فرصة للرحيل، ليس بدافع الاقتصاد، وإنما بسبب الشعور بأن المستقبل داخل سوريا بات غامضاً ومفتوحاً على احتمالات مجهولة.
Loading ads...
لذلك، لا يمكن لـ”سوريا الجديدة” اليوم أن تُبنى عبر تعميم الاتهام على جماعة أو فئة كاملة، ولا عبر ترك النساء يعشن تحت رعب الشائعات والخطف والانتهاكات دون حماية حقيقية لجميع السوريين والسوريات. ما يحتاجه السوريون اليوم ليس خطاب انتقام، بل عدالة انتقالية واضحة، وقانون قادر على حماية الجميع، وخطاب عام يعيد الإنسان إلى صورته الفردية، لا كممثلاً لطائفة أو وريثاً لذنب نظام سابق، لأن المجتمع الذي يعيش طويلاً تحت الخوف لا يتحول إلى مجتمع آمن، بل إلى مجتمع يورث الرعب لأبنائه جيلاً بعد جيل، وينتج عنه عنف وعنصرية.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه

