37 دقائق
أبرز أرقام ونتائج انتخابات المغرب.. "البام" في الصدارة دون أغلبية، وعودة للعدالة والتنمية، وعزوف للشباب
الخميس، 24 سبتمبر 2026

أعادت الانتخابات التشريعية المغربية رسم موازين القوى داخل البرلمان، بعدما انتقل حزب الأصالة والمعاصرة إلى صدارة النتائج، متقدماً على التجمع الوطني للأحرار والاستقلال، فيما سجل حزب العدالة والتنمية عودة قوية إلى المؤسسة التشريعية بعد الانهيار الكبير الذي تعرض له في انتخابات 2021.
وأعلنت وزارة الداخلية المغربية، فجر الخميس 24 سبتمبر/ أيلول 2026، حصول حزب الأصالة والمعاصرة "البام" على 97 مقعداً من أصل 395، مقابل 66 مقعداً لحزب التجمع الوطني للأحرار و65 لحزب الاستقلال، بينما حل حزب العدالة والتنمية ذو المرجعية الإسلامية رابعاً بـ54 مقعداً.
لكن التغيير لا يتعلق فقط بمن تصدر النتائج، إذ تكشف مقارنة أرقام 2021 و2026 أن الأحزاب الـ4 الكبرى نفسها بقيت في مقدمة الخريطة، بينما أُعيد توزيع القوة بينها بصورة لافتة، إذ كسب "البام" 10 مقاعد والعدالة والتنمية 41، مقابل خسارة التجمع الوطني للأحرار 36 مقعداً والاستقلال 16.
تأتي هذه الخريطة في ظل تراجع كبير في المشاركة في الانتخابات التشريعية المغربية، التي بلغت 38.02% وفق النتائج المعلنة، مقابل 50.35% في انتخابات 2021، أي بفارق 12.33 نقطة مئوية.
وتضيف هذه النسبة بُعداً آخر إلى قراءة النتائج، خصوصاً مع محدودية حضور الشباب داخل الهيئة الناخبة واستمرار الفجوة بين قطاعات من جيل "زد" والأحزاب والمؤسسات السياسية.
يمثل انتقال حزب الأصالة والمعاصرة "البام" إلى المرتبة 1 أبرز التحولات التي أفرزتها انتخابات 2026. فقد ارتفع رصيد الحزب من 87 مقعداً في انتخابات 2021 إلى 97 مقعداً، بزيادة 10 مقاعد، لينتقل من المرتبة 2 إلى صدارة مجلس النواب.
في المقابل، فقد التجمع الوطني للأحرار، الذي تصدر انتخابات 2021 وقاد الحكومة خلال الولاية السابقة، 36 مقعداً، لينخفض من 102 إلى 66 مقعداً. كما تراجع حزب الاستقلال من 81 إلى 65 مقعداً، بخسارة 16 مقعداً، لكنه احتفظ بموقعه ضمن القوى البرلمانية الرئيسية.
بذلك تغير ترتيب مكونات التحالف الحكومي السابق من دون أن تختفي الأحزاب الـ3 من المشهد، إذ إن الأصالة والمعاصرة، الذي كان شريكاً في الحكومة، أصبح صاحب أكبر عدد من المقاعد، بينما انتقل التجمع الوطني للأحرار إلى المركز 2 والاستقلال إلى 3.
لا تعني هذه النتيجة وحدها أن تركيبة الحكومة المغربية المقبلة أصبحت محسومة، إذ يحتاج أي ائتلاف حكومي إلى تجميع 198 مقعداً على الأقل داخل مجلس النواب، ما يجعل المفاوضات بين الأحزاب جزءاً أساسياً من المرحلة السياسية التالية.
يمثل صعود الأصالة والمعاصرة امتداداً لمسار بدأ منذ انتخابات 2021، عندما حصل الحزب على 87 مقعداً وحل ثانياً خلف التجمع الوطني للأحرار. وبعد 5 سنوات، أضاف الحزب 10 مقاعد إلى رصيده، ليصبح صاحب أكبر كتلة حزبية في المجلس الجديد.
وتأسس الحزب عام 2008 بمبادرة من فؤاد عالي الهمة، الذي كان يشغل آنذاك منصباً في وزارة الداخلية قبل أن يصبح مستشاراً للملك محمد السادس. وارتبط تأسيسه في بداياته بمحاولة بناء قوة سياسية قادرة على موازنة الصعود المتنامي لحزب العدالة والتنمية.
ويقدم الحزب نفسه باعتباره قوة ليبرالية تدعو إلى التحديث الاجتماعي، وشغل خلال الولاية السابقة موقعاً داخل الأغلبية الحكومية إلى جانب التجمع الوطني للأحرار والاستقلال. لكن نتيجة 2026 تضعه أمام موقع مختلف، باعتباره الحزب صاحب أكبر رصيد برلماني، وبالتالي الطرف الذي يبدأ منه المسار الدستوري لتشكيل الحكومة.
وسجل الحزب أيضاً خلال الفترة الأخيرة انضمام شخصيات ذات حضور وطني، من بينها فوزي لقجع، الوزير المنتدب المكلف بالميزانية ورئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، الذي أعلن رسمياً انضمامه إلى الحزب في يوليو/ تموز 2026، ودخوله مكتبه السياسي.
وقد أضاف انضمام لقجع بُعداً جديداً إلى حضور الحزب، بالنظر إلى موقعه الحكومي ورئاسته للجامعة الملكية لكرة القدم، في وقت يرتبط فيه المغرب بتحضيرات واسعة لاستضافة كأس العالم 2030 إلى جانب إسبانيا والبرتغال.
سجل حزب العدالة والتنمية أكبر زيادة عددية بين الأحزاب الرئيسية، بعدما ارتفع رصيده من 13 مقعداً في انتخابات 2021 إلى 54 مقعداً في 2026، بزيادة 41 مقعداً. وكان الحزب قد تصدر انتخابات 2016 بحصوله على 125 مقعداً، قبل أن يتعرض لخسارة حادة في 2021، عندما تراجع إلى 13 مقعداً.
وتعيد نتيجة 2026 الحزب إلى موقع برلماني أكثر حضوراً، لكنها لا تعيده إلى مستوى قوته السابقة في 2016. وتأتي هذه العودة في سياق استعادة عبد الإله بن كيران، رئيس الحكومة السابق والأمين العام السابق للحزب، موقعاً مركزياً في الحياة السياسية والحملة الانتخابية.
إلا أن حجم الكتلة الجديدة سيظل بعيداً عن رصيد الحزب التاريخي، كما أن موقعه في المرحلة المقبلة سيتحدد وفق طبيعة التحالفات والمشاورات السياسية.
أما على مستوى بقية الأحزاب، فقد حصلت الحركة الشعبية على 29 مقعداً مقابل 28 في 2021، والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية على 26 مقابل 34، والتقدم والاشتراكية على 19 مقابل 22، والاتحاد الدستوري على 17 مقابل 18.
كما حصلت الحركة الديمقراطية الاجتماعية على 8 مقاعد مقابل 5 في 2021، وتحالف اليسار على 8 مقابل مقعدين، بينما حصلت جبهة القوى الديمقراطية على مقعدين مقابل 3، والإنصاف على مقعدين بعد أن لم يكن له مقاعد في 2021، والديمقراطيون الجدد والوحدة والديمقراطية على مقعد واحد لكل منهما.
جرت الانتخابات التشريعية المغربية في ظل تراجع واضح في المشاركة، ووفق وزير الداخلية، بلغت نسبة المشاركة الوطنية 38.02%، مقابل 50.35% في انتخابات 2021، أي انخفاضاً بـ12.33 نقطة مئوية. وتشير هذه الأرقام إلى أن نحو 4 من كل 10 ناخبين مسجلين شاركوا في الاقتراع، فيما بقيت الأغلبية خارج صناديق التصويت.
وتكتسب المقارنة أهمية إضافية بالنظر إلى أن مشاركة 2021 بلغت 50.35%، وهي نسبة رسمية أعلنها وزير الداخلية آنذاك، ما يجعل الفارق بين الاستحقاقين واضحاً ولا يرتبط باختلاف طريقة احتساب الرقم.
لكن انخفاض المشاركة لا يسمح، بمفرده، بالقول إن عزوف الناخبين كان سبباً مباشراً في صعود حزب معين أو تراجع آخر، إذ إن توزيع المقاعد يتأثر أيضاً بالمنافسة داخل الدوائر، وعدد المرشحين، وتوزيع الأصوات، وقوة المرشحين محلياً، وآليات احتساب المقاعد.
تكشف بيانات الهيئة الناخبة الرسمية أن الشباب الأصغر سناً يمثلون نسبة محدودة من المسجلين، فالفئة بين 18 و24 عاماً لا تتجاوز 4% من إجمالي المسجلين، بينما تمثل الفئة بين 25 و34 عاماً نحو 15%. في المقابل، يمثل الناخبون الذين تبلغ أعمارهم 60 عاماً فأكثر أكثر من 29% من مجموع المسجلين.
ولا تعني هذه الأرقام أن الشباب لا يهتمون بالسياسة، لكنها تكشف أن حضورهم داخل الهيئة الناخبة المسجلة أقل بكثير من الوزن الذي تمثله الفئات الشابة في المجتمع.
كما أن البيانات الرسمية لا توفر، في النتائج المنشورة حتى الآن، تفصيلاً وطنياً نهائياً لنسبة التصويت الفعلية حسب العمر، ولذلك لا يمكن الجزم بأن نسبة مشاركة الشباب كانت أقل من النسبة العامة استناداً إلى رقم المشاركة الوطني وحده.
لكن معطيات ما قبل الانتخابات التشريعية المغربية ترسم صورة أوضح عن المسافة بين جزء من الشباب والأحزاب.
فقد أظهر استطلاع أجرته مؤسسة "Sunergia" ونشرته صحيفة "L'Economiste" أن 78% من الشباب الذين شملهم الاستطلاع قالوا في 2025 إنهم لا ينوون التصويت في انتخابات 2026، فيما عبر 75% عن عدم رضاهم عن المشهد السياسي. وهذه أرقام استطلاع سابق للانتخابات، وليست قياساً لنسبة الامتناع الفعلية يوم الاقتراع.
تأتي هذه المعطيات بعد عام من بروز حركة "GenZ 212" التي استخدمت منصات مثل تيك توك وإنستغرام وديسكورد للتعبئة حول مطالب تتعلق بالصحة والتعليم وفرص العمل.
وفق رويترز، خرجت احتجاجات شبابية في عدة مدن مغربية خلال سبتمبر/ أيلول 2025، ورفعت مطالب مرتبطة بتحسين الخدمات العامة، وسط معدلات مرتفعة من بطالة الشباب.
وهنا تظهر مفارقة سياسية لافتة: قدرة الشباب على التعبئة حول قضايا عامة خارج الأطر الحزبية لم تتحول بالضرورة إلى حضور مماثل داخل المؤسسات الانتخابية.
وخلص تقرير نشرته "Le Monde" عشية الاقتراع إلى أن الشباب دون 30 كانوا قليلي الحضور بين المرشحين، وأن الحركة التي قادها جيل "زد" قبل عام لم تكن حاضرة بقوة في الحملة الانتخابية. كما أشار التقرير إلى أن استطلاع "Sunergia" سجل مستويات مرتفعة من العزوف المتوقع وعدم الرضا السياسي بين الشباب.
يضع تصدر الأصالة والمعاصرة الحزب أمام موقع سياسي جديد، ويفتح النقاش حول الشخصية التي يمكن أن تقود الحكومة المقبلة. ويبرز في هذا السياق اسم فاطمة الزهراء المنصوري، منسقة الحزب ووزيرة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة، التي سبق أن ترأست مجلس مدينة مراكش.
وفي حال تكليفها برئاسة الحكومة، ستكون أول امرأة تتولى هذا المنصب في المغرب. كما برز اسم فوزي لقجع في النقاش السياسي حول المرحلة المقبلة، خصوصاً بعد انضمامه إلى الأصالة والمعاصرة ودخوله المكتب السياسي للحزب في يوليو/ تموز.
لكن الأسماء المتداولة لا تحسم رئاسة الحكومة، إذ ينص الفصل 47 من الدستور المغربي على أن الملك يعين رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي تصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب وعلى أساس نتائجها. وبعد ذلك يقترح رئيس الحكومة أعضاء حكومته، ما يجعل مرحلة المشاورات وتشكيل الأغلبية البرلمانية جزءاً أساسياً من المسار.
بالتالي، فإن حصول "البام" على 97 مقعداً يمنحه موقع الحزب المتصدر، لكنه لا يمنحه أغلبية مستقلة. فالعدد المطلوب لبلوغ الأغلبية هو 198 مقعداً، ما يعني أن أي حكومة مقبلة ستحتاج إلى ائتلاف بين عدة قوى سياسية.
ستكون المشاورات المقبلة العامل الحاسم في تحديد شكل الحكومة، ويحتاج الأصالة والمعاصرة إلى أكثر من 100 مقعد إضافي للوصول إلى الأغلبية البرلمانية، ما يجعل الشركاء السياسيين ضرورة عملية وليس خياراً ثانوياً.
ومن بين الاحتمالات السياسية إعادة تركيب تحالف يضم بعض مكونات الحكومة السابقة، خصوصاً التجمع الوطني للأحرار والاستقلال، أو توسيع دائرة التحالف لتشمل أحزاباً أخرى. لكن نتائج 2026 جعلت ميزان القوة داخل أي مفاوضات مقبلة مختلفاً عن وضع 2021.
فالأحزاب الـ3 التي شكلت الحكومة السابقة ما زالت تملك معاً 228 مقعداً وفق النتائج المعلنة، أي أكثر من عتبة الأغلبية البالغة 198 مقعداً، لكن ترتيبها تغير: الأصالة والمعاصرة أصبح 1 بـ97، والأحرار 2 بـ66، والاستقلال 3 بـ65.
في المقابل، أعادت عودة العدالة والتنمية إلى البرلمان بـ54 مقعداً تشكيل وزن المعارضة مقارنة بالبرلمان السابق، وإن كان موقع الحزب النهائي سيتحدد وفق اختياراته السياسية وتطور المشاورات.
Loading ads...
وهكذا، لا تحسم الأرقام وحدها شكل الحكومة، لكنها تحدد نطاق الخيارات المتاحة أمام الأحزاب. فالحزب المتصدر يبدأ المشاورات من موقع مختلف، بينما يحتفظ شركاؤه السابقون بكتلة يمكن أن تكون مؤثرة في الحسابات البرلمانية المقبلة.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً




