ساعة واحدة
غلاء المحروقات يثقل كاهل السوريين.. وينهي سردية “النفط خارج سيطرة الدولة”
الثلاثاء، 22 سبتمبر 2026

لطالما كان من السهل تفسير ارتفاع أسعار المحروقات في سوريا، خلال سنوات الحرب وحتى بعد سقوط نظام بشار الأسد، بأن جزءاً كبيراً من حقول النفط والغاز كان خارج سيطرة الدولة. أما اليوم، فقد باتت جميع حقول النفط والغاز تحت سيطرة الدولة السورية، ولا سيما في الشمال الشرقي من البلاد، وعادت مؤسساتها إلى قطاع ظل لسنوات تتعاقب عليه قوى مختلفة.
ومع ذلك، استيقظ السوريون في 13 أيلول/سبتمبر 2026 على أسعار جديدة للمحروقات، إذ ارتفع سعر ليتر المازوت من 125 إلى 175 ليرة سورية جديدة، فيما وصل سعر بنزين 95 إلى 195 ليرة، وبنزين 90 إلى 185 ليرة. ووُصفت الزيادة بأنها “صادمة”، وأدت خلال ساعات إلى احتجاجات شعبية في عدد من المدن والبلدات السورية.
وزارة الطاقة من جانبها بررت الزيادة بعدة أسباب، وقالت إنها مؤقتة، وربطتها بارتفاع تكلفة تأمين المشتقات النفطية عالمياً، بالتزامن مع دخول مصفاة بانياس في عمرة شاملة زادت الحاجة إلى استيراد المشتقات الجاهزة.
وتنتج سوريا حالياً نحو 102 ألف برميل يومياً، مقابل حاجة تقدر بنحو 325 ألف برميل، ما يجعلها تعتمد على الاستيراد لسد الفجوة، وفق ما قاله وزير الطاقة السوري محمد البشير.
وفي جلسة أمام مجلس الشعب السوري “البرلمان”، كشف البشير أرقاماً جديدة حول أزمة المحروقات وخطط الحل، مؤكداً أن سوريا تحتاج إلى 831 مليون دولار شهرياً لتأمين النفط الخام ومشتقاته، مشيراً إلى أن تأمين القطع الأجنبي يمثل التحدي الأكبر للوزارة، التي تحمل إرثاً ثقيلاً من مخلفات النظام السابق.
وبيّن البشير أن إنتاج سوريا المحلي يبلغ 112 ألف برميل يومياً، وسط فجوة بنحو 200 ألف برميل يتم شراؤها من الخارج، مع لجوء الوزارة أحياناً إلى العقود بالتراضي جراء أزمة الطاقة العالمية.
أما فيما يخص الغاز، فأشار إلى أن الإنتاج الحالي وصل إلى 8 ملايين متر مكعب يومياً من أصل حاجة تبلغ 24 مليوناً، موضحاً أن الوزارة تشتري 6.3 ملايين متر مكعب يومياً بقيمة 140 مليون دولار شهرياً من أذربيجان وسفينة في ميناء العقبة الأردني، بالتوازي مع طلب عروض أسعار لإكمال الخط العربي القادم من الأردن، بقيمة تقارب ربع مليار دولار، على حساب الشركة السورية للبترول.
التفسير التقني موجود، وهو مهم، لكنه لا يلغي سؤالاً أساسياً: إذا كانت الدولة تستعيد مواردها، فمتى يبدأ السوري بالشعور بأثر هذه الموارد على حياته المعيشية؟
حين يرتفع ثمن المازوت، ترتفع معه كلفة التنقلات التي يحتاج إليها المواطن لقضاء التزاماته اليومية، من الذهاب إلى العمل والأسواق وشراء الاحتياجات، إلى إيصال أطفاله إلى المدرسة، فضلاً عن تكلفة نقل البضائع والخضار وكل خدمة تحتاج إلى انتقال ووقود.
وفي محافظة طرطوس الساحلية تحديداً، لا تحتاج المسألة إلى جدول اقتصادي طويل لفهمها. تكفي موظفة تسكن في الريف، وسائق سيارة أجرة “تاكسي” بدأ يكتشف أن رفع أجرة الرحلة قد يعني خسارة الراكب، لا زيادة دخله.
سهير محمد، “اسم مستعار”، موظفة في مديرية صحة طرطوس، تسكن في الريف وتحتاج يومياً إلى وسيلة نقل للوصول إلى عملها والعودة منه. بالنسبة إليها، لا يظهر ارتفاع سعر المحروقات في نشرة تصدرها وزارة الطاقة، بل في المسافة بين بيتها ومكان عملها، وفق ما تصفه لـ”الحل نت”.
وكانت أجرة المواصلات العامة “السرافيس” عبئاً قائماً أصلاً، ثم جاءت الزيادة الجديدة في أسعار المحروقات لتجعل الذهاب إلى الوظيفة نفسها أكثر كلفة. الموظف الذي يذهب إلى عمله كل يوم صار يدفع جزءاً أكبر من راتبه لكي يصل إلى الراتب نفسه.
أما محمد إبراهيم، المعروف بـ”أبو حلا”، فيعمل سائق سيارة أجرة “تاكسي” ويواجه مفارقة أخرى. ويقول لـ”الحل نت” إن ارتفاع أجرة الرحلة الواحدة إلى نحو 200 ليرة سورية جديدة لا يعني أن دخله ارتفع بالمقدار نفسه، فكلما ارتفعت التسعيرة، تراجع عدد الأشخاص القادرين على طلب سيارة أجرة.
وتصل أجرة بعض مكاتب السيارات، مثل “ألو سابا”، إلى نحو 175 ليرة جديدة، فيما تبلغ أجرة “السرافيس” العادية نحو 30 ليرة، وقد تصل في بعض الخطوط، مثل الشيخ سعد ودوير الشيخ سعد، إلى 45 ليرة.
وهكذا تبدو المعادلة صعبة على طرفي الطريق: السائق يحتاج إلى رفع الأجرة لأنه يدفع أكثر على الوقود، والراكب لا يستطيع الدفع لأن راتبه لم يرتفع بالسرعة نفسها. وبينهما اقتصاد كامل يدفع ثمن الوقود أكثر من مرة؛ مرة عند شراء المحروقات، ومرة عند ارتفاع أسعار كل ما يحتاج إلى المحروقات لكي يصل إليه.
وفي بلد اختفت منه عملياً الفئات النقدية الصغيرة، تتراكم الزيادات التي تبدو محدودة على الورق حتى تصبح في نهاية الشهر جزءاً حقيقياً من راتب موظف أو دخل عائلة. لذلك فإن الحديث عن سعر ليتر المازوت هو في الحقيقة حديث عن جزء من تكلفة الحياة نفسها.
في 13 و14 أيلول/سبتمبر الجاري، خرجت احتجاجات في مناطق سورية عدة، بينها حماة وإدلب والرقة وحلب والحسكة ودير الزور، وأُغلقت طرق وأُحرقت إطارات، بينما تحولت المطالب في بعض المناطق إلى دعوات لإقالة أو استقالة وزير الطاقة محمد البشير. ووصفت “رويترز” الاحتجاجات بأنها الأوسع منذ سقوط نظام بشار الأسد.
الاحتجاجات انفجرت على خلفية زيادة جديدة في كلفة حياة مثقلة أصلاً، وظهرت في بعض المناطق أيضاً مطالب برفع الأجور. لذلك فإن قراءة هذه الاحتجاجات باعتبارها رفضاً لسعر المازوت وحده تبدو ناقصة؛ فالسؤال بالنسبة إلى السوريين لا يتعلق فقط بنشرة أسعار المحروقات، وإنما بمدى تناسبها مع دخولهم الشهرية وقدرتهم على تحمل تكاليف المعيشة.
وهنا تبرز معادلة صعبة أمام الحكومة: رفع أسعار المشتقات قد يكون مرتبطاً بتكاليف الاستيراد والإنتاج والفجوة بين العرض والطلب، لكن استمرار ارتفاع الأسعار من دون إجراءات موازية لحماية القدرة الشرائية يترك أثره مباشرة على الأسر والعمال وأصحاب المهن والنقل.
من المهم أيضاً ألا تُقرأ المقارنة التي بدأ بعض السوريين يعقدونها بين الحاضر والماضي باعتبارها بالضرورة حنيناً سياسياً. ثمّة فرق بين أن يقول المواطن: “كان راتبي يكفيني أكثر”، وبين أن يقول: “أريد عودة النظام السابق”.
الخلط بين الجملتين يحرم الدولة الجديدة من قراءة الاحتجاج كما هو: تعبير عن ضغوط اقتصادية ومعيشية، يمكن أن تتداخل معها مواقف سياسية مختلفة. فهناك سوريون يريدون إعطاء الحكومة الجديدة وقتاً، ويدركون أن بلداً خرج من حرب وانهيار اقتصادي لا يمكن إصلاحه خلال أشهر. لكن إعطاء الدولة فرصة لا يعني إعفاءها من المسؤولية، بل يعني انتظار نتائج ملموسة مع مرور الوقت.
ولهذا تصبح أسعار المحروقات اختباراً مبكراً للعلاقة الاقتصادية الجديدة بين الدولة والسوريين. وهو بطبيعة الحال لا يعني أن الدولة مطالبة بأن تجعل البنزين رخيصاً بأي شكل، إلا أنها ملزمة بتوضيح ما تنتجه البلاد وما يدفعه المواطن في السوق لتسيير حياته اليومية.
لسنوات، كان جزء أساسي من الخطاب المتعلق بالمحروقات يقوم على أن موارد النفط ليست كلها في يد الدولة، وأن السيطرة على الحقول ومصير الإنتاج جزء من المشكلة.
اليوم تغيّر المشهد، إذ بدأت مؤسسات الدولة باستعادة السيطرة على حقول النفط والغاز، وبدأت خطوات إعادة تشغيل واستثمار القطاع النفطي والغازي، لكن الإنتاج المحلي، رغم تحسنه، لا يزال بعيداً عن حاجة البلاد.
وفي الوقت نفسه، دخلت سوريا في مشاريع مرتبطة بالطاقة الإقليمية، بينها مذكرات تفاهم لإعادة تأهيل خط كركوك-بانياس، بما يسمح مستقبلاً بنقل النفط العراقي عبر الأراضي السورية إلى الساحل. لكن هذا النفط عراقي، وليس من الدقة تقديمه كنفط سوري يجري تصديره.
وهنا يبرز السؤال الأوسع: ماذا تفعل الدولة بالموارد التي أصبحت تحت إدارتها، ومتى سيشعر المواطن بأثرها؟. وبالتالي يبدو جلياً أن سوريا لا تزال تعاني فجوة كبيرة بين الإنتاج والاستهلاك، فيما تخضع مصفاة بانياس للصيانة، وتقول الحكومة إن ارتفاع الأسعار مرتبط أيضاً بارتفاع كلفة تأمين المشتقات عالمياً. كل ذلك يدخل في الحساب الاقتصادي، لكن التفسير التقني لا يكفي وحده عندما يصبح المواطن عاجزاً عن تحمل النتيجة.
المشكلة، في جانب منها، ليست أن سوريا لا تنتج النفط، وليست أيضاً أن الدولة مطالبة بإلغاء أثر الأسعار العالمية بقرار إداري. إنما تكمن في اتساع الفجوة بين كلفة الطاقة ودخل المواطن السوري، بحيث تؤثر كل زيادة في المحروقات في أكثر من جانب من جوانب الحياة اليومية.
وإذا كانت الدولة قد استعادت مواردها، فالمطلوب ليس أن تتحول سوريا إلى دولة نفطية ثرية بين ليلة وضحاها، ولا أن يبقى المازوت رخيصاً إلى الأبد، وإنما أن تظهر سياسة واضحة تجعل الموارد العامة جزءاً من استعادة الإنتاج والنقل والخدمات والقدرة الشرائية، وأن يعرف المواطن كيف يمكن أن تتحول هذه الموارد تدريجياً إلى اقتصاد أقل هشاشة أمام كل أزمة إقليمية أو ارتفاع عالمي جديد.
استعادة الدولة للسيطرة على الحقول لا تكون ذات قيمة لدى المواطن السوري اليوم إلا عندما تتحول الموارد العامة، ولو تدريجياً، إلى إنتاج وخدمات ونقل وقدرة شرائية يشعر المواطن بأثرها.
ولهذا، لا ينبغي أن تكون استعادة النفط نهاية أزمة الوقود بسوريا، بل بداية سياسة مختلفة لإدارة الموارد العامة. وبالتالي، المطلوب من الحكومة اليوم خطة معلنة لتعافي قطاع الطاقة، وربط عائداته تدريجياً بدعم الإنتاج والنقل والخدمات، مع شفافية تتيح للسوري أن يعرف حجم ما تنتجه بلاده، وما يدخل إلى الخزينة، وكيف ينفق.
Loading ads...
في العموم، يمكن القول إن سيطرة الدولة على جميع حقول النفط والغاز لا تكتمل باستعادة الآبار وفقط، بل بتحويل ملكية المورد إلى منفعة عامة يشعر المواطن بأثرها. عندها فقط يصبح النفط جزءاً من استعادة الاقتصاد، وليس عبئاً آخر يزيد من ثقل تكاليف المعيشة على السوريين يوماً بعد الآخر. والوقت، في الاقتصاد، ليس بلا ثمن، فاستمرار ارتفاع تكاليف الحياة من دون تحسن موازٍ في دخول الناس وقدرتهم الشرائية قد يزيد من حالة الغضب والاحتجاج، ويرفع في المقابل كلفة الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي على الدولة والمجتمع.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه




