في عالمٍ يظن فيه كثيرون أن القرارات تُصنع بمنطقٍ بارد وحسابات دقيقة، تكشف العلوم السلوكية حقيقة مغايرة تماماً: البشر لا يوازنون بين الربح والخسارة بالطريقة التي نعتقدها.
خلف كل قرار مالي، من شراء سهمٍ صاعد إلى بيع أصلٍ متراجع، تختبئ مشاعر أكثر تأثيراً من الأرقام نفسها - وأقواها الخوف من الخسارة.
هنا تتدخل نظرية التوقعات التي قلبت مفاهيم الاقتصاد التقليدي، لتشرح لماذا نقفز نحو المكاسب الصغيرة ونهرب من الخسائر المحتملة، حتى لو كلفنا ذلك أرباحاً أكبر.
إنها نظرية تُعيد رسم خريطة القرارات البشرية، وتكشف كيف يُعاد تشكيل خياراتنا بمجرد طريقة عرضها لا أكثر.
تشير نظرية التوقعات إلى أن خوف الإنسان من الخسارة يفوق بكثير رغبتَه في المكسب.
وبمعنى آخر، فإن احتمال خسارة مبلغ ما يترك أثراً نفسياً أكبر من احتمال ربح المبلغ نفسه. وهذا المبدأ يُعرف أيضاً بـ «نظرية النفور من الخسارة»، ويُعد من أبرز أسس الاقتصاد السلوكي.
وترى النظرية أنه إذا قُدِّم للفرد خياران يؤديان إلى النتيجة نفسها، لكن أحدهما يصوَّر كربح والآخر كخسارة محتملة، فإن معظم الناس يختارون الخيار المضمون أو الأقل تهديداً - حى لو كان الخياران متساويين من الناحية الحسابية.
وهذا السلوك يخالف الاعتقاد التقليدي بأن البشر يقيمون المكاسب والمخاطر بعقلانية تامة.
وُضعت نظرية التوقعات عام 1979 على يد العالِمين آموس تفيرسكي ودانيال كانيمان، ثم جرى تطويرها في عام 1992.
وقدّم الباحثان دليلاً نفسياً قوياً على أن السلوك الاقتصادي للإنسان لا يخضع بالضرورة للمنطق البحت الذي تطرحه نظرية المنفعة المتوقعة، والتي تفترض أن البشر يختارون دائماً ما يحقق لهم أكبر منفعة ممكنة.
وبحسب تفيرسكي وكانيمان، فإن الألم العاطفي الناتج عن خسارة مبلغ صغير يفوق المتعة الناتجة عن ربح المبلغ نفسه، وهو ما يدفع الأفراد لاتخاذ قرارات غير عقلانية عند مواجهة المخاطر.
تفترض النظرية أن الإنسان يتعامل مع المكاسب والخسائر باعتبار احتمالاتها متساوية تقريباً، لكن الخسارة تترك أثراً أعمق.
على سبيل المثال: إذا عُرض على شخص الحصول على 25 ريالاً مباشرة، أو الحصول على 50 ريالاً ثم إعادة 25 منها لاحقاً، سيختار غالبية الناس الخيار الأول بالرغم من أن النتيجة النهائية واحدة.
السبب هو أن «الخسارة اللاحقة» تُحدث تأثيراً نفسياً سلبياً يفوق قيمة المكسب الذي يسبقها.
مرحلتان لاتخاذ القرار
ترى النظرية أن البشر لا يستطيعون تقييم كل المعلومات المتاحة أو حساب جميع النتائج المحتملة، لذلك يعتمدون على مرحلتين:
1. مرحلة التحرير (Editing Phase)
في هذه المرحلة يقوم الفرد بتحديد المعلومات التي سيعتمد عليها. ويستخدم هنا اختصارات ذهنية تساعده على ترتيب الأولويات وتحديد النتائج الأكثر احتمالاً.
بيد أن هذه المرحلة قد تولّد تحيزات خطيرة، مثل تجاهل السيناريوهات النادرة أو إساءة تقدير احتمالاتها.
2. مرحلة التقييم (Evaluation Phase)
بعد تصفية المعلومات، يقيم الفرد النتائج المحتملة ويزن احتمالاتها قبل اتخاذ القرار. وهنا، يتصرف الإنسان بطريقة غير عقلانية أحياناً؛ فهو يميل إلى تجنب المخاطر عند توقع المكاسب الكبيرة، بينما يصبح أكثر استعداداً للمغامرة عندما تكون هناك خسارة مؤكدة.
خصائص رئيسية لنظرية التوقعات
تتضمن النظرية عدة مبادئ تُفسّر سلوك البشر في اتخاذ القرارات:
1- تفضيل اليقين (Certainty Effect)
الإنسان يفضل النتائج المؤكدة حتى لو كانت أقل عائداً، ويتجنب الخيارات التي تنطوي على احتمالات حتى لو كانت تلك الاحتمالات مرجحة للربح.
2- تقليل وزن الاحتمالات الضعيفة
يميل الناس إلى تجاهل النتائج منخفضة الاحتمال، رغم أن بعضها قد يحمل تأثيرات كبيرة (مثل «البجعات السوداء» في الأسواق المالية).
3- المبالغة في تقدير السيناريوهات الأكثر ترجيحاً
في المقابل، يبالغ الإنسان في تقدير نتائج الأحداث المرجحة ويعتبرها أكثر أهمية مما هي عليه.
4- تأثير العزل (Isolation Effect)
عند مقارنة خيارين يحملان النتيجة نفسها لكن عبر مسارات مختلفة، يميل الناس إلى تجاهل المعلومات المتشابهة والتركيز على طريقة صياغة النتائج، ما يؤدي إلى اختلاف القرار النهائي.
كيف تساعدنا نظرية التوقعات في اتخاذ قرارات أفضل؟
تطبيق النظرية يساعد المستثمرين وغيرهم على فهم تحيزاتهم والحد منها.
على سبيل المثال: المستثمر الذي يدرك ميله لاعتبار الأحداث عالية الاحتمال فقط قد يبدأ في منح سيناريوهات ضعيفة الاحتمال اهتماماً أكبر.
إعادة صياغة القرارات بطريقة محايدة—بعيداً عن لغة «الربح» و«الخسارة»—قد تقلل من تأثير الانحياز النفسي.
كما يمكن للمستثمر التفكير في «القيمة المتوقعة» بدلاً من التركيز على الخسارة الآنية، وهو ما يحد من تأثير النفور من الخسارة على قراراته طويلة المدى.
تطبيق عملي: كيف تؤثر الصياغة على قرارات الاستثمار؟
يُقَدَّم لمستثمر عرضان بشأن صندوق استثماري واحد:
المستشار الأول يقول إن الصندوق حقق عائداً بنسبة 10% في السنوات الثلاث الأخيرة.
المستشار الثاني يشير إلى أن الصندوق حقق أداءً ممتازاً على مدى 10 سنوات، لكن عوائده الأخيرة تراجعت مقارنة بالسنوات السابقة.
بالرغم من أن المعلومات صحيحة في الحالتين، سيُرجّح المستثمر اختيار الصندوق وفق عرض المستشار الأول، لأن الصياغة ركزت على «المكاسب» وليس «التراجع»، حتى وإن كان التراجع واقعاً.
ماذا تعني نظرية التوقعات للمستثمر؟
المستثمرون لا يقيمون المكاسب والخسائر بالتساوي.
النفور من الخسارة يجعلهم يفضلون الخيارات المضمونة على الخيارات ذات العائد الأعلى.
قد يؤدي هذا السلوك إلى خسارة فرص استثمارية مهمة على المدى الطويل.
وبناءً على ذلك، يمكن لنظرية التوقعات أن تساعد المستثمرين على تحليل قراراتهم بموضوعية أكبر، وتجنب التحيزات التي تؤثر في سلوكهم المالي دون أن يشعروا.
تؤكد نظرية التوقعات أن البشر يتخذون قراراتهم بطريقة غير متناظرة تجاه الربح والخسارة. فالخوف من الخسارة أقوى من الحافز للربح. ولهذا، فإن طريقة «عرض» المعلومات لا تقل أهمية عن المعلومات نفسها.
Loading ads...
وفي عالم الاستثمار، قد تكون هذه النظرية مفتاحاً لفهم العديد من السلوكيات غير العقلانية، ولتحسين القرارات المالية عبر إدراك تحيزاتنا الغريزية وتجنّب تأثيرها على اختياراتنا.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً

نظرية التوقعات .. كيف تتحكم المشاعر في محافظ الاستثمار؟
منذ ساعة واحدة
0




