2 ساعات
اقتصاد الظلّ المصرفي.. كيف يدير السوريون حياتهم خارج البنوك العالمية؟
الثلاثاء، 17 فبراير 2026
منذ سنوات، تعيش "أمينة الخالد" على إيقاع الحوالات المالية القادمة من الخارج، تنتظر رسالة قصيرة تحدد إن كان شهرها سيمضي باستقرار أم بقلق.
بالنسبة لها، لم تعد الحوالة مجرد إجراء مالي، بل مسألة استقرار أو فوضى؛ إن وصلت في وقتها دفعت الإيجار وأقساط المدرسة، وإن تأخرت تبدأ دوامة الديون.
قصة أمينة تشبه قصص آلاف السوريين الذين يعيشون منذ أكثر من عقد خارج النظام المصرفي العالمي.
انقطاع مالي طويل
منذ عام 2011، ومع العقوبات الدولية الواسعة، خرجت سوريا عمليًا من منظومة التحويلات البنكية الرسمية، لتدخل في حالة "انقطاع مالي" طويل الأمد لم يقتصر على المؤسسات، بل امتد إلى تفاصيل الحياة اليومية؛ من راتب مغترب، إلى تجارة متوقفة، وصولًا إلى أجر صحفي يعمل مع مؤسسة دولية.
ورغم الإعلان في عام 2025 عن استئناف إرسال الرسائل المالية عبر شبكة SWIFT، فإن آثار سنوات العزلة لا تزال حاضرة بقوة.
ومع فرض العقوبات الدولية على المصارف السورية، توقفت العلاقات مع البنوك المراسلة في الخارج، وانقطعت قنوات التحويل التقليدية التي تعتمد عليها التجارة الدولية.
شبكة SWIFT، التي تشكّل العمود الفقري للرسائل المالية بين البنوك في العالم، أصبحت شبه معطلة بالنسبة لسوريا، ما جعل أي تحويل خارجي مهمة شبه مستحيلة عبر الطرق الرسمية.
لم تعد البنوك المحلية قادرة على استقبال أو إرسال الأموال بشكل مباشر، ولم يعد فتح حساب بنكي داخل سوريا كافيًا للاندماج في الاقتصاد العالمي.
هذا الواقع دفع ملايين السوريين في الداخل والخارج إلى الاعتماد على بدائل غير رسمية، كشبكات الحوالة التقليدية، أو شركات صرافة خاصة تعمل في مناطق رمادية قانونيًا.
ورغم أن هذه البدائل أنقذت الكثيرين من العزلة المطلقة، فإنها حملت معها مشكلات كبيرة؛ غياب الضمانات، ارتفاع الرسوم، التلاعب بأسعار الصرف، وصعوبة الاعتراض أو استرداد الأموال عند حدوث خطأ.
ومع مرور السنوات، لم يعد هذا الوضع استثناءً مؤقتًا، بل أصبح هو القاعدة اليومية التي يتعامل معها السوريون كأمر واقع.
أسر معلّقة بين الانتظار والقلق
في أحد أحياء ريف حماة، تجلس أمينة الخالد، وهي أم لثلاثة أبناء، تنتظر اتصالًا من مكتب صرافة يؤكد وصول حوالة شهرية يرسلها زوجها من ألمانيا.
تقول أمينة لـ موقع تلفزيون سوريا: "منذ سنوات ونحن نعيش على هذه الحوالة، هي مصدر دخلنا الأساسي، لكن كل شهر نمر بنفس القلق: هل وصلت؟ متى؟ وبأي سعر صرف؟".
تشرح أن جزءًا من المبلغ يضيع دائمًا في الطريق، بين عمولات التحويل وفروقات السعر، "نخسر دون أن نعرف بالضبط كم ولماذا".
في مدينة حلب، يروي سامر درويش تجربة مشابهة؛ يعتمد على دعم أخيه في الخليج، لكنه لا يملك حسابًا بنكيًا حقيقيًا يمكنه استلام المال عليه مباشرة، يقول:
"أذهب إلى شركة صرافة، أقدّم هويتي، وأنتظر أحيانًا ساعات" أحيانًا يفرضون سقفًا للسحب، فأضطر لتقسيم المبلغ على عدة أيام".
ويضيف أن أي خطأ بسيط في الاسم قد يؤخر استلام الحوالة لأيام، دون وجود جهة رسمية يمكن اللجوء إليها.
هذا الواقع جعل آلاف الأسر السورية تعيش في حالة هشاشة مالية دائمة، حيث لا ضمانة لوصول الأموال في وقتها، ولا استقرار في قيمتها، ولا نظام قانوني واضح يحمي حقوق المستلمين.
وبينما يتحدث مسؤولون عن إعادة الربط المصرفي، تبقى هذه العائلات أسيرة منظومة تعتمد على الثقة الشخصية أكثر من اعتمادها على مؤسسات رسمية.
تجارة معطّلة وسوق مشوّهة
الأزمة لا تقف عند حدود الأفراد، بل تمتد بعمق إلى قطاع الأعمال والتجارة، في دمشق، يقول التاجر فادي المصري، الذي يعمل في استيراد المواد الغذائية، لـ تلفزيون سوريا:
" قبل عقد من الزمن كنا نحول الأموال مباشرة إلى حسابات الموردين في الخارج، اليوم أصبح هذا شبه مستحيل نلجأ إلى وسطاء في دول أخرى، أو إلى أطراف ثالثة، وكل ذلك يرفع التكاليف ويزيد المخاطر".
يوضح أن كل صفقة باتت تتطلب ترتيبات معقدة: حساب باسم شخص في بلد مجاور، تحويل نقدي عبر شبكة غير مباشرة، أو اتفاقيات شخصية بلا ضمانات مصرفية.
ويضيف: "أحيانًا نخسر الصفقة بالكامل لأن المورد يرفض التعامل خارج النظام البنكي الرسمي".
وأشار المصري؛ "هذا الوضع انعكس مباشرة على السوق المحلية، فتكاليف التحويل غير الرسمي، وفروقات الصرف، والمخاطر الإضافية، كلها تُضاف إلى سعر السلعة النهائية، ما يرفع الأسعار على المستهلك السوري الذي يعاني أصلًا من ضعف الدخل".
ورغم الإعلان عن عودة الرسائل المالية عبر SWIFT، يؤكد كثير من التجار أن الاستفادة العملية لا تزال محدودة جدًا، بسبب ضعف جاهزية المصارف المحلية، وحاجتها إلى وقت طويل لتحديث أنظمتها والالتزام بالمعايير الدولية.
في قطاع الإعلام والعمل الحر، تتخذ الأزمة المالية شكلًا أكثر قسوة وتعقيدًا.
أبو عمر، صحفي من إدلب يعمل مع وكالة أوروبية يقول لـ موقع تلفزيون سوريا، إنه مضطر منذ سنوات لتحويل مستحقاته إلى حسابات أصدقاء له في تركيا، بسبب عدم قدرته على امتلاك حساب بنكي باسمه داخل سوريا.
يضيف أن هذه الطريقة لم تكن آمنة يومًا، إذ تعرّض أكثر من حساب للحظر المؤقت من قبل البنوك التركية، ما اضطره للانتظار أسابيع طويلة حتى يتم فك الحظر، قبل أن يتمكن من إعادة تحويل المبلغ إلى الداخل بطرق غير مباشرة.
وفي حالة أخرى، يروي الصحفي "يزن الحلبي" أنه تعرّض لعملية نصب من أحد معارفه المقيمين في كندا، بعدما طلب منه تحويل مستحقاته من إحدى الوكالات الأجنبية لمدة ستة أشهر إلى حسابه، ليتجاوز المبلغ 5000 دولار، قبل أن يقوم بحظره واختفائه بالكامل.
أما رامي، فيؤكد أنه خسر فرصة عمل مهمة جدًا في صحيفة أجنبية مرموقة، رغم اجتيازه جميع مراحل المقابلة بنجاح، فقط لأنه لم يكن يملك حسابًا بنكيًا باسمه يمكن تحويل الأجر إليه، في سوق عمل عالمي لا يعترف بأي وسيلة دفع خارج النظام المصرفي الرسمي.
ولا تعبّر هذه الحالات عن استثناءات فردية، بل عن واقع واسع يحرم عشرات الصحفيين والعاملين المستقلين السوريين من فرص مهنية حقيقية، لا بسبب ضعف الخبرة أو المهارة، بل بسبب العجز البنيوي عن الوصول إلى أبسط حق مالي؛ حساب بنكي معترف به عالميًا.
في المحصلة، لا تبدو العزلة المصرفية مسألة تقنية بحتة، بل واقعًا مشتركًا ينعكس على المدني الذي يعتمد على الحوالات لتأمين معيشته، وعلى الصحفي والعامل الحر الذي تُقيّده آليات الدفع الدولية. كلا الطرفين يواجهان النتيجة نفسها: مسارات مالية غير مستقرة، غياب الضمانات، واعتماد متزايد على حلول مؤقتة خارج النظام الرسمي.
Loading ads...
وبين الإعلان عن استئناف جزئي للاتصال المالي، واستمرار القيود العملية على الأرض، تبقى العودة إلى النظام المصرفي العالمي عملية غير مكتملة، لم تنعكس بعد بشكل ملموس على حياة الأفراد أو فرصهم الاقتصادية.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه

