ساعة واحدة
مأزق ترمب والجمهوريين.. بين شبح الهزيمة الانتخابية وكابوس التحقيقات
الإثنين، 19 أكتوبر 2026
قبل نحو أسبوعين من انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأمريكي، يجد الجمهوريون أنفسهم أمام معادلة سياسية متناقضة تتجلى في رئيس يسعى إلى تقديم نفسه باعتباره المنقذ الذي لا غنى عنه للحزب، لكنه بات، وفق استطلاعات رأي حديثة، أحد أبرز مصادر ضعفه الانتخابي.
فقد كشفت استطلاعات نشرتها "واشنطن بوست" بالتعاون مع شبكة "إيه بي سي نيوز" ومؤسسة "إيبسوس"، إلى جانب استطلاعي شبكتي "فوكس نيوز" و"إن بي سي نيوز"، عن تزامن المخاوف الاقتصادية وتداعيات السياسة الخارجية مع انقسامات داخل الحزب الجمهوري، مما يهدد الأغلبية التي يتمتع بها الحزب في الكونغرس.
وفي الوقت الذي يحاول فيه المرشحون الجمهوريون في الدوائر الانتخابية التنافسية المناورة بحذر للاحتفاظ بدعم القاعدة الشعبية المخلصة للرئيس دونالد ترمب مع النأي بأنفسهم عن أعبائه السياسية، تجد الإدارة نفسها أمام احتمال خضوعها لتحقيقات تشريعية.
في تحليل إخباري، أفاد تايلر بيجر، مراسل شؤون البيت الأبيض بصحيفة "نيويورك تايمز" بأن الرئيس ترمب يواصل، خلال جولاته في أنحاء البلاد، تقديم نفسه كمنقذ للحزب الجمهوري، مؤكدا بكلماته وبحضوره الطاغي أن انتخابات التجديد النصفي هذه تتمحور حوله شخصيا.
لكن في العاصمة واشنطن، كانت إدارته -بحسب الصحيفة- غارقة في أزمات متلاحقة عززت ما تظهره استطلاعات الرأي من أن رئاسته نفسها أصبحت عبئا على مرشحي الحزب الجمهوري في الانتخابات.
ووفق الصحيفة، فقد طلب ترمب استقالة السفيرة الأمريكية لدى اليونان كيمبرلي غيلفويل، عقب تقارير محرجة تضمنت مزاعم بأنها طلبت من أحد المتبرعين سداد ديون على بطاقتها الائتمانية بلغت 100 ألف دولار.
كما ألغى الرئيس خطة لوزارة الحرب الأمريكية (البنتاغون) لبث إعدام نضال حسن، الطبيب العسكري السابق الذي أدين بقتل 13 شخصا في إطلاق نار بقاعدة فورت هود بولاية تكساس عام 2009. وكان الإعدام مقررا في ديسمبر/كانون الأول المقبل، لكن اعتراضات من الحزبين الجمهوري والديمقراطي دفعت ترمب إلى إلغاء بثه المباشر، دون إلغاء عقوبة الإعدام نفسها.
وفي نهاية الأسبوع، أقال المتحدثة باسم البيت الأبيض كاتي زكريا بعد 5 أيام فقط من توليها المنصب.
ولم تقتصر الاضطرابات على هذه الوقائع. فقد أشار تقرير "نيويورك تايمز" إلى تحقيق يجريه مكتب المستشار القانوني للبيت الأبيض في خلاف بين حليفين بارزين لترمب سبق أن شغلا مناصب في إدارته، بشأن مزاعم تتعلق بأموال مركز جون إف كينيدي للفنون الأدائية، وخلاف مرتبط بمعاملة مالية بين جمهورية الكونغو الديمقراطية وشركة دفاع في تكساس.
كما سعت الإدارة إلى تنحية قاضية اتحادية تنظر في دعوى بشأن مشروع لترمب لإنشاء ملعب غولف، بعدما انتقدت مسؤولين اتحاديين لاقتلاع مئات الأشجار المعمرة دون إشعار كاف.
ويرى بيجر أن تراكم هذه الأزمات يعيد إنتاج مشهد الصراعات الداخلية والتسريبات والإقالات التي اتسمت بها ولاية ترمب الرئاسية الأولى، لكنه يكتسب الآن أهمية أكبر بسبب اقتراب الانتخابات وتراجع شعبية الرئيس.
ونقلت الصحيفة عن أليسا فرح غريفين، المسؤولة السابقة عن الاتصالات الإستراتيجية في البيت الأبيض خلال ولاية ترمب الأولى، قولها إن الوضع الراهن يشبه ما كان يحدث أواخر عام 2020، معتبرة أن الفوضى بلغت حدا يصعب معه توقع التطور التالي، وأنه "لا يمكن تخيل أسبوع أسوأ للبيت الأبيض مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي".
وتعكس الأرقام حجم المشكلة. فبحسب متوسط استطلاعات "نيويورك تايمز"، بلغ تأييد ترمب نحو 37%، وهو أدنى مستوى خلال رئاسته، بينما أظهر استطلاع أجرته "واشنطن بوست" بالتعاون مع "إيه بي سي نيوز" و"إيبسوس" بين 9 و13 أكتوبر/تشرين الأول أن تأييده بين الجمهوريين أنفسهم تراجع من 88% في بداية ولايته إلى 79%.
كما قال 66% من المشاركين في الاستطلاع إنهم يعتقدون أن ترمب يستخدم الرئاسة لإثراء نفسه، في حين أظهر استطلاع لشبكة "فوكس نيوز" أن الفساد الحكومي تصدر قائمة القضايا التي تثير قلق الناخبين الشديد، بنسبة 60%، يليه التضخم وأسعار الوقود وأداء الحكومة والرعاية الصحية.
ومن وجهة نظر السيناتور الجمهوري السابق جيف فليك، الذي شغل لاحقا منصب السفير الأمريكي لدى تركيا، فإن فرص الحزب في الاحتفاظ بمجلس الشيوخ قد تعتمد على نجاح مرشحيه في الابتعاد عن بعض سياسات الرئيس.
لكنه اعتبر أن اضطرار الجمهوريين إلى اتخاذ هذا الموقف ليس وضعا مريحا، مضيفا أن المشكلة لا تتعلق بالسياسات وحدها، بل أيضا بلغة ترمب الفجة وسلوكه الذي يضر بصورة الحزب.
وتقدم صحيفة "واشنطن بوست" صورة أكثر تفصيلا عن هذا التراجع، استنادا إلى استطلاع أجرته بالتعاون مع "إيه بي سي نيوز" و"إيبسوس"، وشمل 2545 بالغا أمريكيا.
فقد انخفضت نسبة تأييد ترمب إلى 33% بين البالغين، مقابل 66% يعارضون أداءه، بينهم 52% يعارضونه بشدة. ويقل هذا المستوى 4 نقاط مئوية عن استطلاع يوليو/تموز، و8 نقاط عن مستواه في الفترة نفسها من العام الماضي. وبين الناخبين المرجح مشاركتهم في الانتخابات، بلغت نسبة تأييده 38%، مقابل 62% يعارضونه.
وتشير النتائج إلى أن التراجع لم يعد محصورا في تقييم الرئيس، بل امتد إلى المنافسة على السيطرة على مجلس النواب. فقد تقدم الديمقراطيون على الجمهوريين بـ8 نقاط مئوية بين الناخبين المرجح تصويتهم، بواقع 52% مقابل 44%، مقارنة بتقدم بلغ 3 نقاط فقط بين الناخبين المسجلين في استطلاع يوليو/تموز.
وفي سؤال مباشر عن الجهة التي يفضلها الناخبون لقيادة الكونغرس، قال 58% من الناخبين المسجلين إنهم يريدون كونغرسا يقوده الديمقراطيون ليكون رقيبا على ترمب، مقابل 39% يفضلون كونغرسا جمهوريا يدعم أجندته.
وتكشف الأرقام عن أزمة تتجاوز التنافس الحزبي المعتاد؛ إذ قال 72% إن البلاد تسير في الاتجاه الخاطئ، فيما وصف نحو ثلاثة أرباع الأمريكيين حالة الاقتصاد بأنها غير جيدة أو سيئة.
وتراجعت نسبة تأييد ترمب في إدارة الاقتصاد إلى 28%، مقارنة بـ33% في يوليو/تموز و41% في فبراير/شباط الماضي، بينما عارض نحو ثلاثة أرباع الأمريكيين طريقة تعامله مع التضخم وتكاليف المعيشة.
وقال 48% إنهم أصبحوا أسوأ حالا من الناحية المالية مقارنة بالفترة التي عاد فيها ترمب إلى الرئاسة عام 2025، وهي أعلى نسبة تسجلها استطلاعات "واشنطن بوست" بشأن الشعور بالتدهور المالي في عهد أي رئيس منذ عام 1986.
ومن بين هؤلاء الذين تدهورت أوضاعهم المالية، قال 78% إنهم يؤيدون الديمقراطيين في انتخابات الكونغرس.
ويكشف الاستطلاع أن الحرب على إيران أضافت عبئا سياسيا إلى الأزمة الاقتصادية. فقد اعتبر 65% أن اتخاذ قرار العمل العسكري كان خطأ، وأبدى 68% عدم رضاهم عن تعامل ترمب مع حلفاء أمريكا.
وتبرز أزمة أسعار الوقود بوصفها أحد أبرز تداعيات الحرب على الناخبين؛ فبينما قال 71% في فبراير/شباط إن البنزين ميسور التكلفة، رأى 71% في الاستطلاع الأخير أن أسعاره لم تعد في المتناول.
ولا تنحصر المشكلة في الناخبين المعارضين للرئيس. فقد أبدى 23% من الذين صوتوا له في انتخابات 2024 عدم رضاهم عن أدائه العام، و31% استياءهم من إدارته للاقتصاد، و38% رفضهم لطريقته في التعامل مع التضخم. ورغم أن معظم هؤلاء لا يزالون يميلون إلى دعم الجمهوريين، فإنهم أقل يقينا بشأن المشاركة في التصويت هذا العام.
وتزداد الصورة تعقيدا مع تقدم الديمقراطيين على الجمهوريين في مؤشر الثقة بإدارة الاقتصاد بنسبة 40% مقابل 33%، وهي أول أفضلية للحزب الديمقراطي في هذا المؤشر ضمن استطلاعات الصحيفة منذ عام 2014.
لكن الصحيفة تحذر من اعتبار هذه النتائج مؤشرا حاسما على مآلات جميع السباقات الانتخابية؛ إذ تظل نسبة المشاركة وطبيعة المنافسة في كل دائرة من العوامل التي يمكن أن تؤثر في النتائج، فضلا عن استمرار تفوق الجمهوريين في حجم الأموال المتاحة للإعلانات الانتخابية.
من جانبه، يرى موقع "أكسيوس" الإخباري الأمريكي أن انخفاض نسبة التأييد لترمب يضع المرشحين الجمهوريين في مأزق.
واستند الموقع إلى 3 استطلاعات أظهرت تراوح نسبة تأييد ترمب بين 33% و36%، وتقدم الديمقراطيين بفارق يتراوح بين 8 و10 نقاط مئوية.
ويرى الموقع أن المأزق يكمن في أن الابتعاد عن ترمب قد يساعد المرشحين الجمهوريين على استمالة المستقلين والمعتدلين، لكنه قد يضعف حماسة قاعدته الشعبية، في حين يجعلهم التمسك الكامل به أكثر عرضة لتحمل تبعات سياساته غير الشعبية.
وطبقا لأكسيوس، فإن 37% من الجمهوريين والمستقلين الذين يميلون إلى الحزب الجمهوري يريدون من قيادته تبني اتجاه مختلف عن ترمب، وهي أعلى نسبة يسجلها هذا المؤشر.
كما أظهرت مراجعة أجرتها وكالة رويترز أن مرشحي الحزب الجمهوري في 41 من أصل 62 سباقا انتخابيا تنافسيا للكونغرس إما خالفوا ترمب في بعض السياسات أو قللوا من إبراز صلاتهم به. وحذف ما لا يقل عن 12 مرشحا اسم الرئيس أو صورته أو تأييده من مواقع حملاتهم الانتخابية.
ونقل الموقع عن بريتاني مارتينيز، المديرة التنفيذية لمنظمة "برينسبلز فيرست" والخبيرة الإستراتيجية الجمهورية، قولها إن الابتعاد عن الرئيس ليس جديدا في السياسة الأمريكية، لكن تحرك عدد كبير من الجمهوريين في أنحاء البلاد بشكل متعمد وإستراتيجي يحمل دلالة كبيرة تتجاوز التصريحات العلنية.
ومع ذلك، لا يمثل هذا الابتعاد قطيعة كاملة. فقد أشار تقرير أكسيوس إلى أن بعض المرشحين يواصلون الظهور إلى جانب ترمب، بينما ينتقدون سياسات بعينها.
فقد أعرب كين باكستون، المدعي العام لولاية تكساس والمرشح الجمهوري لمجلس الشيوخ، عن قلقه من تأثير الحرب على إيران وارتفاع أسعار الوقود في حملته، لكنه ظهر إلى جانب ترمب في تجمع انتخابي.
كذلك دعت النائبة الجمهورية آشلي هينسون، التي تخوض سباقا متقاربا لمجلس الشيوخ في ولاية آيوا، إلى إنهاء الحرب على إيران بسبب ارتفاع أسعار الوقود، قبل أن تظهر لاحقا في المكتب البيضاوي إلى جانب ترمب ومشرعين آخرين.
أما صحيفة "وول ستريت جورنال"، فقد كشفت أن عددا من مسؤولي إدارة ترمب، من الوزراء إلى الموظفين في المستويات الإدارية المتوسطة، شرعوا في التواصل مع مكاتب محاماة طلبا للمشورة القانونية، استعدادا لتحقيقات محتملة العام المقبل، إذا سيطر الديمقراطيون على أحد مجلسي الكونغرس أو كليهما خلال انتخابات التجديد النصفي.
ونقلت الصحيفة عن محامين القول إن هذه الاستفسارات تعكس قلقا من أن يُجري الديمقراطيون تحقيقات في مزاعم منح عفو رئاسي مقابل منافع، وأعمال تجديد مركز كينيدي للفنون، وترتيبات تمويل حفل زفاف دونالد ترمب الابن، فضلا عن تعاملات بعض الشركات مع الإدارة وعائلة الرئيس.
وقد يترتب على هذه التحقيقات المحتملة تعطيل بعض أجندة ترمب خلال العامين المتبقيين من ولايته، إلى جانب تكاليف قانونية ومخاطر شخصية تتعلق بالسمعة والمسؤولية القانونية للمسؤولين الذين قد تشملهم التحقيقات.
ونقلت الصحيفة عن جاد ستون، أحد مؤسسي مكتب "ستون هيلتون" للمحاماة بولاية تكساس، أن الاتصالات بدأت بصورة متفرقة في يونيو/حزيران، ثم ازدادت وتيرتها. وأوضح أن بعض المسؤولين الكبار بدؤوا يبحثون عن محامين يعملون لمصلحتهم الشخصية بصورة مستقلة عن وزارة العدل، التي ستتولى دورا أساسيا في الدفاع عن الإدارة.
وتقول الصحيفة إن قواعد تضارب المصالح تجعل من الصعب على مكتب محاماة واحد تمثيل عدد من الموظفين في القضية نفسها، الأمر الذي يدفع بعض المسؤولين إلى الإسراع في تأمين محامين يثقون بهم.
كما أفادت سوزان غرومز، الشريكة في مكتب "كولي" للمحاماة والمستشارة القانونية السابقة للجنة الرقابة والإصلاح الحكومي في مجلس النواب، بأن المكتب شهد زيادة في طلبات الاستشارات من الشركات التي تستعد لاحتمال فتح تحقيقات. وقالت إن الشركات التي تبرعت لمشاريع مرتبطة بترمب، أو تعاملت تجاريا مع الحكومة أو عائلة الرئيس، قد تكون ضمن الجهات التي تطالها هذه التحقيقات.
وذكرت "وول ستريت جورنال" أن أعضاء ديمقراطيين في مجلس النواب وجهوا بالفعل رسائل إلى أشخاص وجهات على صلة بالإدارة، من بينهم جاريد كوشنر، صهر ترمب، وقيادات مركز جون إف كينيدي للفنون الأدائية، ووزير الحرب بيت هيغسيث، وأشخاص شملهم العفو الرئاسي.
ويرى محامون أن هذه الرسائل قد تمهد لإصدار مذكرات استدعاء، وأن التحقيقات قد تبدأ بوتيرة أسرع مما حدث عندما استعاد الديمقراطيون السيطرة على مجلس النواب خلال ولاية ترمب الأولى، وربما تبدأ في فبراير/شباط 2027، إذا أفضت نتائج الانتخابات إلى تمكينهم من ذلك.
Loading ads...
هكذا، تبدو الصورة بكل فسيفسائها كاشفة عن مشهد سياسي وانتخابي متشابك، وفي القلب منه يظهر الرئيس ترمب وحزبه الجمهوري في وضعية شديدة التعقيد، مما قد ينذر بخسارة الجمهوريين أغلبيتهم في الكونغرس خلال انتخابات التجديد النصفي المقررة في الثالث من نوفمبر/تشرين الثاني.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً




