انسحب الجيش الأميركي للتو من قاعدة عسكرية أخرى في سوريا هي الشدادي وسلمها للجيش السوري بعد أيام من خطوة مماثلة في قاعدة التنف على المثلث الحدودي مع العراق والأردن. وتُعدّ هذه الانسحابات أحدث وأقوى مؤشر على جدّية الرئيس دونالد ترامب بتحقيق وعده بإنهاء الوجود العسكري الأميركي في سوريا.
وقد شرع ترمب بالفعل منذ أشهر في تقليص هذا الوجود والعمل على تعزيز البيئة الأمنية والسياسية المناسبة لإنجاز هذه العملية بما في ذلك رفع الغطاء الأميركي عن قوات سوريا الديمقراطية لإجبارها على الاندماج في الدولة ونقل الآلاف من سجناء تنظيم داعش من سوريا إلى العراق. مع ذلك، فإن التساؤل الآن ليس حول ما إذا كانت واشنطن مُصممة فعلاً على إنهاء هذا الوجود العسكري بل عن دوافع هذا التوجّه وما إذا كان يعني فعلاً أن أميركا تنسحب من سوريا؟
في حين تتخلى واشنطن عن بضع قواعد عسكرية، يبدو أنها في المقابل تكسب في سوريا ما هو أهم بكثير من هذه القواعد ومن شراكة مع قوات سوريا الديمقراطية.
غالباً ما تحرص واشنطن على التأكيد بأن الحرب على الإرهاب كانت الدافع الرئيسي والوحيد لها للتدخل العسكري في سوريا قبل ما يزيد عن عقد من الزمن من خلال تحالف دولي، وبأن نهاية هذه الحرب والوضع الجديد في سوريا يفرضان عليها إحداث تحول جذري في سياستها هناك. ويبدو ذلك واقعياً، لكنّه لا يعكس كل الصورة. فالتدخّل الأميركي كان مُصمماً لغايات أخرى أكثر أهمية وتأثيراً على سوريا والمنطقة من الحرب على داعش. وعندما ننظر إلى نتيجة هذا التدخل والوضع الذي أفرزه على صعيد تشكيل وضع أقرب إلى حكم ذاتي للأكراد في شمال شرقي سوريا استمر حتّى فترة وجيزة، نُدرك بشكل أكثر وضوحاً أن الولايات المتحدة لم تُرسل القوات وتبني القواعد العسكرية وتُنفق مليارات الدولارات في سوريا من أجل مكافحة تنظيم داعش حصراً، بل أيضاً - وربما الأهم - من أجل رعاية مشروع سياسي كُردي في شمالي سوريا. لم ينجح التدخل الأميركي في تمكين هذا المشروع لأسباب كثيرة أهمّها أنه تحدّى الديمغرافيا والجغرافيا في شمالي سوريا.
صحيح أن رفع الغطاء الأميركي عن قسد وتفكيك القواعد العسكرية في سوريا وتسليمها للدولة الجديدة والعلاقة القوية التي تبنيها إدارة ترمب مع الرئيس أحمد الشرع، تعكس جميعها تحوّلا هائلاً في السياسة الأميركية تجاه سوريا، لكنّها تعكس كذلك إعلاناً أميركياً بانتهاء الاستثمار في المشروع السياسي لقسد. لكنّ في المقابل، أصبح نفوذ الولايات المتحدة في سوريا اليوم أكبر وأكثر تأثيراً عليها مما كان عليه قبل الإطاحة بنظام بشار الأسد. وفي واشنطن، يُنظر إلى الحكومة الجديدة على أنها حليف جديد لواشنطن وتأخذ سوريا إلى تموضع جديد في السياسة الخارجية يختلف جذرياً عن تموضعها السابق. حتى أن إدارة الرئيس ترمب كان لديها إسهام قوي في تمكين هذه الحكومة من خلال الاعتراف بها ورفع العقوبات عن سوريا والانخراط المؤثر في مساعدتها في التعامل مع ملف قسد وفي التعامل مع ملف إسرائيل كذلك. وللمفارقة، فإن هذه المؤشرات تتناقض مع مشهد الانسحاب العسكري الأميركي. ففي حين تتخلى واشنطن عن بضع قواعد عسكرية، يبدو أنها في المقابل تكسب في سوريا ما هو أهم بكثير من هذه القواعد ومن شراكة مع قوات سوريا الديمقراطية. كما أن ما تبنيه مع دمشق أكثر قيمة لها بكثير من بقاء تلك القواعد.
كان الوجود العسكري الأميركي في سوريا جزءًا من وجود أجنبي مُتعدد الأطراف والأهداف والتأثير على ديناميكيات الصراع في سوريا.
وعليه، يبدو الانسحاب الأميركي من بعض القواعد أقرب إلى إعادة تشكيل الحضور الأميركي في سوريا وفقاً لمتطلبات وفُرص الوضع الجديد منه إلى انسحاب تقليدي على غرار الانسحاب الأميركي من أفغانستان قبل بضع سنوات. وما تراه واشنطن الآن في سوريا في الواقع أكبر وأبعد من مُجرد الحاجة إلى التخلص من وجود عسكري يستنزف موارد عسكرية ومالية. هناك كثير من النماذج لشراكات عسكرية عميقة تُقيمها الولايات المتحدة مع حلفائها في منطقة الشرق الأوسط مثل إسرائيل ودول الخليج العربي وتركيا ومصر والأردن. ومن المُرجح أن تُصبح سوريا جزءًا من هذه الشراكات في المستقبل إن من خلال علاقات عسكرية قوية أو ربما وجود عسكري مباشر من خلال قواعد عسكرية على غرار القواعد العسكرية الأميركية المنتشرة في جزء كبير من تلك الدول. وبمعزل عن الأشكال المُحتملة للعلاقات الأميركية السورية في المستقبل، فإن توجه إدارة ترمب لإنهاء الوجود العسكري الحالي في سوريا، يُمكن تفسيره من منظور عملية إعادة تشكيل العلاقة مع سوريا في حقبة ما بعد التحول.
كان الوجود العسكري الأميركي في سوريا جزءًا من وجود أجنبي مُتعدد الأطراف والأهداف والتأثير على ديناميكيات الصراع في سوريا. ولم يكن من المتصور سابقاً أن يُعالج بجدية أميركية. حتى ترمب نفسه وعد في ولايته الرئاسية الأولى بإنهاء هذا الوجود، لكنه سرعان ما استسلم لضغوط المؤسسة العسكرية الأميركية للإبقاء عليه.
Loading ads...
إن تفكيك هذا الوجود في الوقت الحالي يكتسب أهمية كبيرة على عدّة مستويات. فهو من جانب، يُساعد سوريا في التعامل مع تركة الوجود العسكري الأجنبي على أراضيها. ومن جانب آخر، يُعطي مؤشرات إضافية على توجه دولي عام لتمكين الدولة السورية الجديدة من بسط السيطرة على جميع أراضيها والتعامل معها كدولة ذات سيادة. مع ذلك، لا يُشير هذا التفكيك إلى أن الولايات المتحدة لم تعد ترغب بوجود عسكري لها في سوريا أو بعلاقة استراتيجية مع سوريا. والواقع أن كل ما تقوم به إدارة الرئيس ترمب في سوريا مُصمم لبناء علاقة استراتيجية بعيدة المدى مع دمشق بقدر أكبر مما يعكس اتجاهاً لإنهاء الوجود العسكري بشكله الحالي.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه

