2 ساعات
بين التصنيف العالمي والأثر الاقتصادي.. أين تقف الجامعات العربية من ريادة الأعمال؟
السبت، 23 مايو 2026

تتسابق الجامعات العربية اليوم في مضمار “التصنيفات العالمية” وكأنها الغاية القصوى للعملية التعليمية؛ إذ تُسخّر الميزانيات وتُوجّه الأبحاث فقط؛ من أجل تسلق بضع درجات في سلم (QS) أو (شنغهاي).
ووسط هذا اللاهث خلف الأرقام والمؤشرات الورقية، قد تسقط من حساباتنا هذه الأسئلة الجوهرية: ما قيمة أن تكون الجامعة ضمن أفضل 500 جامعة عالميًا وخريجوها يصطفون في طوابير البطالة؟ وما نفع آلاف الأبحاث المنشورة في مجلات دولية مرموقة إذا لم تتحول إلى براءات اختراع ومنتجات وخدمات تُحيي مصنعًا، أو تحل مشكلة تقنية، أو تخلق قيمة اقتصادية في مجتمعاتنا؟
إن هذا “التهافت الشكلي” قد يحوّل الجامعة من محراب للابتكار ومحرك للنهضة الاقتصادية إلى مؤسسة “علاقات عامة” تبحث عن الوجاهة الأكاديمية. لقد نسينا أن الجامعة الريادية الحقيقية لا تقاس فقط بعدد الاستشهادات المرجعية (Citations)؛ بل بحجم الشركات الناشئة التي تخرج من رحم مختبراتها، وبقدرتها على تحويل المعرفة إلى “قيمة مضافة” تنبض في عصب الاقتصاد الوطني.
إننا بحاجة إلى ثورة تقلب الموازين؛ لتصبح التصنيفات نتيجة طبيعية للتميز، لا هدفًا يُلهينا عن دورنا الأصيل في صناعة جيل لا ينتظر الوظيفة؛ بل يبتكرها.
وقد شهدت السنوات الأخيرة تحوّلًا ملحوظًا في دور الجامعات على مستوى العالم؛ إذ لم تعد مؤسسات للتعليم التقليدي فقط، بل أصبحت فاعلًا رئيسًا في دعم ريادة الأعمال وتعزيز الابتكار.
ويأتي هذا التحول في سياق عالمي يتجه نحو بناء اقتصاد قائم على المعرفة؛ إذ تلعب الجامعات الريادية دورًا محوريًا في ربط التعليم بالاقتصاد، وتحفيز إنشاء الشركات الناشئة، وتوليد فرص العمل.
والجامعة الريادية هي تلك المؤسسة التي تتجاوز وظائفها التقليدية في التعليم والبحث العلمي؛ لتشمل دعم الابتكار وتطوير المشاريع الريادية.
فهي توفر بيئة حاضنة للأفكار ومسرعات الأعمال وتمويل العينات، وتعمل على تحويل المعرفة إلى منتجات وخدمات ذات قيمة اقتصادية. ويشمل ذلك إنشاء حاضنات أعمال، ومسرّعات، ومكاتب لنقل التكنولوجيا، وشركات تمويل الأفكار، بالإضافة إلى إدماج ثقافة الريادة في المناهج الدراسية.
وفي العالم العربي، بدأت العديد من الجامعات في تبني هذا النموذج، مدفوعة بارتفاع معدلات البطالة بين الشباب، والحاجة إلى تنويع الاقتصاد، بعيدًا عن الاعتماد على الموارد التقليدية؛ إذ تتخذ جهود دعم ريادة الأعمال في الجامعات عدة أشكال، تختلف حسب السياق الوطني والإمكانات المتاحة.
وفي دول الخليج، تحظى الجامعات بدعم حكومي كبير؛ فعلى سبيل المثال: تم إنشاء مراكز ابتكار متقدمة، وحاضنات ومسرّعات أعمال داخل الجامعات، بميزانيات سنوية بملايين من الدولارات في إطار رؤية السعودية 2030، مع ربط هذه المراكز بمنظومة وطنية أوسع تشمل صناديق استثمارية وهيئات داعمة لريادة الأعمال.
وفي المقابل، تعتمد الجامعات العربية في الدول غير الخليجية، بشكل أكبر على الشراكات مع الجهات الدولية المانحة وتجمع بين التمويل الحكومي المحدود والدعم الدولي.
وغالبًا ما تُنفَذ برامج الابتكار من خلال مشاريع ممولة من الاتحاد الأوروبي أو منظمات دولية؛ ما يجعل استدامتها تحديًا قائمًا.
وفي مصر على سبيل المثال، نجحت العديد من الجامعات في إطلاق حاضنات أعمال ومراكز ابتكار، تركز بشكل خاص على بناء قدرات الطلاب وتنمية مهاراتهم الريادية.
وتلعب أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا دورًا مهمًا في دعم هذه المبادرات بدعمها للعشرات من نوادي ريادة الاعمال والحاضنات على المستوى الوطني.
وبينما يتشابه الوضع في مصر مع دول عربية أخرى مثل الأردن والمغرب وتونس؛ حيث محدودية البرامج الحكومية وضعف الموارد المرصودة لها، يعتمد النموذج السعودي على ميزانيات كبيرة خاصة مع الربط بـ”رؤية 2030″ والتمويل السيادي.
وتُعد الميزانيات السعودية هي الأضخم إقليميًا؛ بتحولها من مجرد “دعم أكاديمي” إلى “استثمار إستراتيجي” تقوده الدولة،؛ حيث خصصت الحكومة ميزانيات ضخمة لقطاع الابتكار والبحث العلمي، وأصبحت تتصدر الأسواق الناشئة في تمويل رأس المال الجريء، متجاوزة أسواقًا عالمية مثل سنغافورة.
وهناك تنوع في تركيز الجامعات الريادية السعودية؛ حيث تركز جامعات مثل “جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية (KAUST)”، على “الابتكار العميق”، كما تدير موازنات استثمارية كبيرة تمنح الشركات الناشئة تمويلات نقدية مباشرة تصل إلى مئات الآلاف من الدولارات لكل مشروع؛ ما يعكس وفرة السيولة الموجهة للأنظمة البيئية الشاملة.
تعتمد الجامعات الريادية المصرية على ميزانيات موجهة من أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا (ASRT) عبر “البرنامج القومي للحاضنات التكنولوجية – انطلاق”، والذي يوفر ميزانية الحاضنة التكنولوجية لفترة تعاقد تمتد لعدة سنوات، وكذلك تمويل العينات للشركات الناشئة، يمثل فيها هيكل التمويل الحكومي الجزء الأساسي.
كما يوجد نموذج خاص في الجامعة المصرية اليابانية (E-JUST) التي تعتمد على تمويل حكومي مشترك مع الجانب الياباني؛ لضمان نقل التكنولوجيا وتوطين الصناعة؛ حيث تُعد هي الجامعة الأولى على مستوى إفريقيا في إنتاج براءات الاختراع.
والواقع أن التمويل محدود جدًا في هذا المجال مقارنة بالمستوى العالمي؛ باستثناء جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية (KAUST) التي أسست صندوقًا استثماريًا بقيمة 200 مليون دولار لدعم ريادة الأعمال والابتكار والشركات الناشئة في مراحلها المبكرة، بمبالغ تبدأ من 200 ألف دولار وتصل إلى 2 مليون دولار للشركة.
ودعمت منظومة ريادة الأعمال بالجامعة حتى الآن 374 شركة ناشئة وجمعت استثمارات بقيمة 648 مليون دولار.
وفي لبنان توفر حاضنة Berytech اللبنانية استثمارات مباشرة تصل إلى 70 مليون دولار؛ أما بقية الإحصائيات في الدول العربية فتشير إلى أن الجامعات لا تمثل جزءًا من منظومة رأس المال الجريء، كما هو الحال في الغرب من وقت طويل.
لا شك أن الجامعات الريادية العربية تواجه الكثير من التحديات، رغم التقدم الملحوظ؛ حيث لا تزال تواجه ضعف التمويل المستدام، خاصة خارج دول الخليج.
هذا الأمر يهدد مستقبل المشروعات القائمة والتي لم تحقق الاستدامة المالية التي تضمن بقاءها رغم تحقيق بعضها كثيرًا من النجاحات، وهو تحدٍ وجودي لهذه البرامج والجامعات التي تحاول أن تخطو نحو المزيد من الريادية.
ولمواجهة هذا التحدي، يجب أن تتعامل الجامعات مع هذا الأمر على أنه استثمار حقيقي، وليس فقط تشجيعًا لريادة الأعمال؛ ما يقودنا لتحدٍ آخر؛ وهو غياب التكامل بين الجامعة والسوق؛ ما يحد من فرص تحويل الأفكار إلى مشاريع ناجحة.
فالجامعات العربية ما تزال تتحدث عن ربط برامجها مع احتياجات سوق العمل بينما الجامعة الريادية كفكرة تتبنى إعداد أشخاص يؤسسون شركات تُعيد صناعة سوق العمل وتوفير الوظائف وتطوير الصناعات وليس فقط باحثين عن فرص عمل.
هنا تحدٍ ثالث تعاني منه الجامعات الريادية العربية؛ وهو غياب وعدم تطوير الإطار التشريعي المناسب، فيما يتعلق بإنشاء الشركات والمساهمة في الشركات الناشئة أو امتلاك ونقل التكنولوجيا؛ ما يُفقدها ملايين الدولات سنويًا.
تشير إحدى الاحصائيات إلى إنفاق الدول العربية مجتمعة نحو 15-20 مليار دولار سنويًا على البحث العلمي والتعليم العالي دون أن تحقق عوائد واضحة؛ لذا فإن غياب التشريعات التي تسمح بتحويل هذه الأبحاث إلى شركات (Spin-offs) يعني ضياع عوائد اقتصادية تقدر بمليارات الدولارات سنويًا كانت ستضخ في الناتج المحلي الإجمالي.
التحدي الأخير الذي يواجه الجامعات الريادية العربية، هو نقص الكفاءات المتخصصة في إدارة الابتكار وريادة الأعمال داخل الجامعات؛ حيث لم يكن المئات من أعضاء هيئات التدريس -ممن تولوا مهام أندية ريادة الأعمال والحاضنات- مؤهلين، ولم يكن لديهم خبرات تنفيذية تسمح لهم بإنجاح هذه المهام.
Loading ads...
وأتذكر أني قابلت في ورشة حضرتها لإدارة الحاضنات والحدائق التكنولوجية في الصين من أكثر من عشرين عامًا، أول صيني حاصل على الدكتوراة في ريادة الأعمال وآخر في تخصص إدارة الحاضنات التكنولوجية توليا مباشرة إدارة برنامج الشعلة الصيني الذي يعود إليه النهضة التكنولوجية الصينية؛ فكم من هؤلاء نجدهم في العالم العربي لإدارة المئات من المراكز التي نأمل في تواجدها.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً

بن داود ⚔️ المنجم: معركة الرف والمستودع
منذ ساعة واحدة
0



