على الرغم من كل التسهيلات التي وفرتها لنا التكنولوجيا؛ إلا أن وجودها الحتمي في كافة جوانب حياتنا يجعلنا ندفع ضريبة باهظة من الناحية الصحية والنفسية والاجتماعية. فالدور المحوري للتكنولوجيا وتحول الشاشات إلى بوابة عبور حتمية نحو العالم قادنا إلى ارتباط مؤذٍ بات يُعرف بـ"الاغتراب الرقمي"، وهو فقدان السيطرة على الوقت والهوية أمام الشاشات، وهذا أفضى بنا في نهاية المطاف إلى "الإرهاق الرقمي".ما هو الإرهاق الرقمي؟ وما تأثيرات التغلغل الإلكتروني في حياتنا؟ وكيف يمكننا أن نحد من هذا الارتهان الحتمي الذي يهدد عافيتنا الجسدية والنفسية ونظامنا الاجتماعي؟
تُخبرنا إيمان يانس، أخصائية الإرشاد المهني وجودة الحياة عن معنى الإرهاق الرقمي، قائلة: "يُعرّف الإرهاق الرقمي بأنه حالة من الإجهاد الجسدي والنفسي تنشأ عن الاستخدام المكثف والمستمر للأجهزة والتقنيات الرقمية. وفقاً للإحصائيات العالمية لعام 2025، بلغ متوسط وقت الشاشة اليومي عالمياً 6 ساعات و40 دقيقة، بينما يرتفع في الولايات المتحدة إلى 7 ساعات و3 دقائق، وتتصدر جنوب أفريقيا العالم بـ 9 ساعات و24 دقيقة يومياً". وتتحدث لنا يانس عن أبرز الملامح التي تميز هذه الظاهرة، وهي:
هذه الملامح بلا شك لها تأثيراتها الكبيرة على كافة جوانب حياتنا، وتشرح الأخصائية هذه التأثيرات بالتالي:
تشير البيانات الصادرة عن MHFA England لعام 2025 إلى أن الموظف يتلقى متوسط 117 بريداً إلكترونياً و153 إشعاراً يومياً، أي حوالي 275 انقطاعاً يومياً. هذا التشتت المستمر يجعل استعادة التركيز العميق تستغرق حوالي 23 دقيقة وفقاً لجامعة كاليفورنيا في إرفاين، مما يهدر ساعات العمل ويُضعف جودة المخرجات. كما أظهرت دراسة مراجعة منهجية في NIH أن العمال ذوي الاتصال المستقر بالإنترنت كانوا أكثر إنتاجية بنسبة 59% مقارنة بمنْ يعانون من انقطاعات، مما يشير إلى أن "الإرهاق الرقمي" لا يقلق الصحة فقط، بل يكلف الاقتصاد أيضاً؛ حيث تقدر خسائر الصحة النفسية في بريطانيا وحدها بـ51 مليار جنيه إسترليني سنوياً.
بالنسبة للمراهقين الذين هم "مواطنون رقميون"، أكدت دراسة نوعية شملت 13 دولة بتكليف من اليونيسف (2025) أن المقارنات الاجتماعية القسرية والسعي وراء الإعجابات والمتابعات تُضعف احترام الذات، وتُولد قلقاً مزمناً. وأشارت يانس إلى نقطتين أساسيتين ضمن هذه الجزئية وهما:
"إلغاء التعامل الإنساني الحسي" هو جوهر الظاهرة، وهنا تعدد الأخصائية تأثيرات أخرى أهمها:
تؤكد الأخصائية إيمان يانس أنه "نعم، يمكننا الحد من سلبيات الإرهاق الرقمي من خلال برنامج يومي متوازن يُعيد إلينا زمام القيادة في حياتنا"، وتضيف: "يكمن الحل في استبدال ردود الفعل المستمرة تجاه متطلبات التقنية بعادات إيجابية نخطط لها بأنفسنا". وفي التفاصيل تقول: "تبدأ أولى الخطوات بتأجيل لمس الهاتف في أول نصف ساعة بعد الاستيقاظ، فالدماغ يحتاج إلى بداية هادئة دون انهيار معلوماتي. ثم تأتي الرياضة اليومية بغض النظر عن مدتها، فهي ليست ترفاً، بل ضرورة لإفراز هرمونات السعادة وتفريغ ضغوط اليوم. لا تغفل أيضاً عن تمارين التنفس العميق التي تهدئ الجهاز العصبي في دقائق معدودة. أما فيما يخص العالم الرقمي، فالتقليل الواعي لوقت استخدام مواقع التواصل الاجتماعي إلى حوالي نصف ساعة يومياً يحقق فرقاً ملموساً، ويمكن استثمار الوقت الموفر في ممارسة هواية غير رقمية كالرسم أو القراءة أو الحرف اليدوية التي تنشط حواسنا الخاملة. ولا ننسى أن الاستغناء عن الشاشات قبل النوم بساعتين يسمح لجسمنا بإفراز الميلاتونين الطبيعي، فيحسن نومنا وجودة حياتنا. والأهم من كل ذلك هو العودة إلى التواصل الإنساني الحي، فاللقاءات وجهاً لوجه مع الأصدقاء والعائلة تعزز الدعم المجتمعي والتوازن الداخلي الذي تتوق إليه فطرتنا، بعيداً عن وهم التواصل الرقمي السريع الذي غالباً ما يزيدنا وحدة وقهراً. بهذه العادات البسيطة والمنتظمة، نتحول من مجرد أدوات تستجيب لكل تنبيه وإشعار إلى قادة واعين لحياتنا". وفي الختام توجهت يانس بنصائح مهمة لتحويل علاقتنا بالشاشة إلى استثمار وليس استنزافاً، قائلة: "يجب عدم التوجه مباشرة إلى شاشة الجوال بعد الاستيقاظ، واستبدال الساعات المهدرة على وسائل التواصل الاجتماعي بعادات إيجابية. السرّ يكمن في قاعدة راسخة مفادها أن إيقاف عادة غير ممكن، بل يجب استبدالها. فدماغنا لا يتعلم "التوقف" بسهولة، لكنه يتعلم "الاستبدال". فعندما تستيقظ صباحاً وتُبعد الهاتف عن متناول يدك لأول نصف ساعة، وتستبدل تلك الدقائق بتمدد بسيط أو كوب ماء تتناوله ببطء أو حتى التأمل في الضوء القادم من النافذة، فأنت لا تحرم نفسك من شيء، بل تعطيها شيئاً أفضل". وختمت بالقول: "بالمثل، بدلاً من قول "سأقلل استخدام إنستغرام"، قل "سأستبدل الساعة التي أقضيها هناك بقراءة كتاب أو ممارسة هواية أو التحدث مع أهلي وجهاً لوجه". الاستبداد يخلق فراغاً، أما الاستبدال فيملأ الفراغ ببدائل تغذي روحك وتطور مهاراتك. بهذه الفلسفة البسيطة، تتحول الشاشات من مستنزف لوقتك وتركيزك إلى أداة تستخدمها حين تحتاجها فقط، وتعود أنت سيد وقتك لا عبداً لكل إشعار. ابدأ غداً صباحاً بتأجيل الهاتف نصف ساعة وراقب كيف سيتغير يومك كله". إليكم في هذا السياق مجموعة تحديات يواجهها الشباب في عصر السرعة
من جهتها قدمت فوز بن عبود، المستشارة الأسرية والاجتماعية والمتخصصة في التوجيه الأكاديمي وصناعة جودة الحياة، مقاربة أخرى للموضوع غاصت فيها في عمق التعريفات، فأشارت إلى مجموعة من المصطلحات المهمة التي لا بد أن نعرف معناها وهي:
وبعد توضيح التعريفات الأساسية، تحدثت الأخصائية فوز بن عبود عن أبرز العلامات التحذيرية التي تدلنا على أننا دخلنا في مرحلة الاستلاب الرقمي والارتهان للتكنولوجيا والأجهزة، وهذه العلامات هي:
من واقع تخصصها تحدثت الأخصائية فوز بن عبود عن الانعكاسات على العلاقات الأسرية والاجتماعية؛ إذ أشارت إلى أن العلاقات الأسرية والاجتماعية باتت في ضعف مستمر نتيجة التعلق بالأجهزة الإلكترونية وبرامج السوشيال ميديا، واللهاث في متابعة المشاهير والكم الهائل من الإسفاف إلا من رحم ربي من الاستفادة. وتظهر هذه الانعكاسات وفق قولها بالتالي:
وفق هذا العنوان تحدثت بن عبود عن مجموعة من الانعكاسات التي تمس الإنسان نفسه، وتؤثر على استقراره النفسي، ومنها:
بعد تحدثها عن التعريفات الأساسية والانعكاسات الأسرية والاجتماعية والنفسية، كان لا بد من أن توجه الأخصائية فوز بن عبود بعض النصائح حول كيفية رسم حدود ذكية، تمنعنا من أن نفقد السيطرة وندخل في حالة من الإرهاق الرقمي، وأبرز هذه النصائح:
Loading ads...
وختمت بن عبود بنصيحة لمنْ يستخدمون جوالاتهم بشكل كبير في العمل قائلة: "يجب كتابة هذه الجملة وتعليقها على المكتب: "لن يستهلكني التصفح، فالجوال فقط للفائدة وتسهيل التواصل بين الناس وتسهيل المهام الوظيفية وتعلم مهارات إبداعية". اقرأوا أيضاً: كيف تعيش الفتاة حياة متوازنة بين التكنولوجيا والواقع؟
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه




