43 دقائق
سمرقند.. متحف حي يسعى إلى حماية تراثه من تحديات العصر
الجمعة، 30 أكتوبر 2026

يواصل السياح استكشاف المكان، فيما تبقى المتاجر والأكشاك التي تعرض المنتجات التراثية المحلية مفتوحة، وتضفي الأضواء المتلألئة على معالم الساحة طابعا خاصا يجمع بين الغموض والجمال. وفي زيارة سبقت اليوم العالمي للمدن، يلقي موقع أخبار الأمم المتحدة الضوء على مدينة سمرقند.
تُعد ساحة ريجستان جزءا من مدينة سمرقند التاريخية، المدرجة ضمن قائمة اليونسكو للتراث العالمي. لكن سمرقند ليست مجرد مدينة تزخر بالمعالم الأثرية؛ فهي مدينة نابضة بالحياة، تضم مدارس ومتاجر وورش عمل، وتتعايش فيها الأحياء القديمة جنبا إلى جنب مع المناطق الحديثة.
فكيف يمكن للمدينة الحفاظ على تراثها مع المضي قدما في مسيرة التنمية؟
تعمل جامعة "طريق الحرير" الدولية للسياحة والتراث الثقافي في سمرقند على إعداد وتدريب متخصصين في مجالي السياحة والتراث الثقافي. يقع حرمها الجامعي في وسط سمرقند، بينما يتخذ مكتب العميد مقرا له في أحد المباني التاريخية بالمدينة.
وفي مقابلة مع أخبار الأمم المتحدة، أوضح رئيس الجامعة البروفيسور محسنجون خولمحمدوف أن سمرقند ظلت لقرون طويلة ملتقى لا للتجارة فحسب، بل أيضا للأفكار والحرف والثقافات.
ويشير إلى فترتين ازدهرت فيهما المدينة عبر تاريخها: أوائل العصور الوسطى (القرنان الثامن والتاسع)، والعصر التيموري، حين تحولت سمرقند إلى مركز للعلم والثقافة والفنون.
بدأت الجامعة تعاونها مع منظمة السياحة العالمية - التي تُعرف الآن باسم منظمة الأمم المتحدة للسياحة - في عام 2023، وجرى تجديد هذه الشراكة عام 2026. يقول رئيس الجامعة: "نحن أول جامعة تدخل في شراكة مع هذه المنظمة، وقد أسسنا تعاونا في مجالات عدة".
وتتمتع الجامعة بإمكانية الوصول الكامل إلى المكتبة الإلكترونية التابعة لمنظمة السياحة. وتعمل الجامعة حاليا على ترجمة مقررات دراسية من الأكاديمية الإلكترونية التابعة للمنظمة لتكون متاحة للسكان المحليين.
كما تستعد لإنشاء مرصد سياحي تابع الشبكة الدولية للمراصد السياحية، ليكون بذلك أول مرصد من نوعه في منطقة آسيا الوسطى. لن يقتصر دور المرصد على رصد أعداد الزوار فحسب، بل سيمتد ليشمل تقييم أثر السياحة على التوظيف، والبيئة الحضرية، والحياة اليومية للسكان.
وتوجد مراصد مماثلة بالفعل في العديد من البلدان؛ ففي أوروبا نجدها في فيينا، ومالطا، وماديرا، ومالقة، وبرشلونة؛ وفي آسيا في غيفو (اليابان) وباتانيس (الفلبين)؛ وفي الأمريكتين في بيتين (غواتيمالا) ونويفو ليون (المكسيك).
ومن مجالات التعاون الأخرى مع الأمم المتحدة، الحفاظ على التراث الثقافي؛ حيث تحتضن الجامعة كرسيا تابعا لليونسكو، وتنظم ندوات ومؤتمرات بالتعاون مع المنظمة، كما تتعاون مع خبراء الترميم والمعماريين.
ويشير رئيس جامعة طريق الحرير إلى أن أحد التحديات يكمن في المواد التي استُخدمت لترميم المعالم التاريخية خلال تسعينيات القرن الماضي، حيث يقول خولمحمدوف: "للأسف، استُخدمت آنذاك مواد مثل الجبس والخرسانة وقضبان التسليح. ونحن نجري حاليا أبحاثا بالتعاون مع خبراء، ونقدم توصيات قائمة على الأدلة حول استخدام مواد مركبة حديثة لا تلحق الضرر بالنسيج التاريخي لهذه المعالم".
وتتيح تقنيات الليزر إنشاء نماذج ثلاثية الأبعاد للمباني، مما يساعد في تتبع حتى أدق التغيرات التي قد تطرأ عليها. ويقوم الباحثون بإجراء أعمال ميدانية، وتُستخدم النماذج الناتجة لمراقبة حالة الهياكل ورصد أي تشوهات خطيرة في الوقت المناسب. ويضيف رئيس الجامعة: "إذا رصدنا ميلا خطيرا في أحد المباني، فإننا نسعى لدعم الهيكل وتثبيته".
ويصف خولمحمدوف مدينة سمرقند بأنها "متحف حي"؛ إذ يمارس الناس حياتهم اليومية – من ذهاب إلى المدارس والعمل، ولقاء الأصدقاء، وتناول الطعام في المطاعم – وسط معالم ذات أهمية عالمية.
ويرى خولمحمدوف أن العيش في مدينة كهذه يغرس في نفوس الناس تقدير التاريخ والاهتمام العميق بالماضي.
ويشعر الزوار أيضا بهذه الطاقة الفريدة. وفي حديث لأخبار الأمم المتحدة، قالت سابين ماتش المنسقة المقيمة للأمم المتحدة في أوزبكستان: "تذكرني زيارة سمرقند دائما بكرم الضيافة الاستثنائي والطاقة المميزة التي تتمتع بها. إنه لأمر ملهم للغاية أن نرى المدينة تنبض بالحياة وتزخر بهذا الثراء الثقافي".
وتحكي إحدى الأساطير سبب اختيار أمير تيمور لمدينة سمرقند لتكون عاصمة له؛ إذ يُقال إنه أمر بتعليق قطع من اللحم في عدة مدن ليختبر أيها سيبقى صالحا لأطول فترة ممكنة.
ووفقا لرئيس الجامعة، فقد ظل اللحم في سمرقند طازجا لفترة أطول مقارنة بغيرها. ويربط هو ذلك بالمناخ، ومياه نهر زرافشان، وموقع المدينة بالقرب من الجبال. ورغم أن هذه القصة تُعدّ أسطورة، إلا أنها تعكس كيف ساهم موقع سمرقند – عند تقاطع طرق التجارة وفي واحة خصبة – في تشكيل ازدهارها؛ ولعل هذا هو السبب الذي جعل التجار يتخذونها محطة للتوقف بعد رحلاتهم الشاقة.
لا يزال دور سمرقند كمركز للنقل قائما حتى يومنا هذا. ووفقا لرئيس الجامعة، يجري العمل حاليا على مشاريع سكك حديدية من المتوقع أن تربط أوزبكستان بالصين وأفغانستان، ومن ثم بجنوب آسيا. كما يجري التخطيط لإنشاء طريق سريع فائق السرعة بين العاصمة طشقند وسمرقند، ومن المتوقع أن يقلص هذا الطريق زمن الرحلة بين المدينتين إلى نحو ساعتين ونصف.
ومن المنتظر إنجاز هذه المشاريع في الفترة ما بين عامي 2030 و2032.
وفي الوقت ذاته، يشهد المطار توسعا في دوره؛ حيث أشار رئيس الجامعة إلى وجود رحلات جوية مباشرة من سمرقند إلى أكثر من 40 وجهة. وأضاف أن أوزبكستان تضم حاليا تسع شركات طيران خاصة، وقد أصبح مطار سمرقند الدولي جزءا محوريا في شبكة النقل هذه.
يترافق نمو الروابط الجوية مع زيادة في أعداد السياح. فبحسب خولمحمدوف، زار أوزبكستان نحو 1.2 مليون سائح في عام 2016، مقارنة بنحو 12 مليونا في عام 2025.
ووفقا لتقديراته، استقبلت سمرقند العام الماضي قرابة سبعة ملايين سائح، سواء من داخل البلاد أو من خارجها. وقد تجاوز عددهم 10 ملايين خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2026، ومن المتوقع أن يصل إجمالي عدد الزوار في المدينة إلى نحو 14 مليونا بحلول نهاية العام.
كما تتيح سياحة الطعام في سمرقند فرصة لتذوق التقاليد المحلية، ومن أبرزها طبق البلوف (الأرز الأوزبكي)، الذي يُطهى ويُقدَّم على شكل طبقات، مع استخدام زيت السمسم المُنتج محليا. والجدير بالذكر أن ثقافة وتقاليد إعداد البلوف الأوزبكي مدرجة ضمن قائمة اليونسكو للتراث الثقافي غير المادي.
يُثير النمو السريع للمدينة تساؤلات ملحة حول توفير السكن لسكان سمرقند. ويأتي اليوم العالمي للمدن لعام 2026 تحت شعار: "التجديد الحضري: سكن ميسور التكلفة للجميع".
على مدى السنوات الثماني الماضية، تم تشييد أكثر من 1,100 مبنى سكني في منطقة سمرقند. ويضع المخطط الرئيسي للمدينة، الممتد حتى عام 2040، تصورا لتوسع كبير في المخزون السكني.
غير أن ملف الإسكان في سمرقند – الذي يجري إعداده بالتعاون بين برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية (الموئل) وحكومة أوزبكستان – لا يقتصر على أعمال البناء الجديدة فحسب؛ بل يتناول أيضا حالة المساكن وكفاءتها في استهلاك الطاقة، ومدى ملاءمة تكلفتها للأسر، وصيانة المساكن القائمة. ونظرا لأن معظم الأسر في المنطقة تقيم في منازل مستقلة، فإن تحسين هذا النوع من المساكن يحظى بأهمية بالغة أيضا.
وفي تصريح لأخبار الأمم المتحدة، قالت كاتيا شيفر ممثلة برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية التي تعمل على المشروع بالتعاون مع متخصصين محليين: "في سمرقند، لا يقتصر التراث على المعالم الأثرية فحسب، بل يشمل أيضا الأحياء التقليدية التي يعيش فيها الناس وتنبض فيها الحياة المجتمعية. إن النهج الأمثل يكمن في تطوير المنازل والخدمات في مواقعها الحالية بدلا من استبدالها؛ وذلك من خلال تحسين إمدادات المياه والتدفئة وكفاءة الطاقة، وإجراء عمليات تجديد تراعي النسيج العمراني التاريخي، مع توجيه التوسع العمراني الجديد نحو مناطق خارج النطاق التاريخي للمدينة. والأهم من ذلك، ينبغي إشراك السكان في القرارات المتعلقة بأحيائهم. فبهذه الطريقة، يصبح التراث وظروف المعيشة الأفضل داعمين لبعضهما البعض".
وأضافت شيفر أن كل حقبة زمنية تركت بصمتها في المدينة. فقد ساهمت الحقبة السوفيتية في تشكيل التخطيط العمراني لسمرقند وطابعها العام، إلا أن جزءا كبيرا من المساكن والبنية التحتية التي أُنشئت آنذاك باتت اليوم قديمة وغير ملائمة. ومنذ الاستقلال، شهدت المدينة نموا سريعا – اتسم في بعض الأحيان بغياب التخطيط – مما فرض ضغوطا على المساحات الخضراء التي تضفي على المدينة طابعا مريحا وملائما للعيش.
وتأمل شيفر أن يسهم المخطط الرئيسي الجديد و"خطة عمل المدن الخضراء" في معالجة هذه التحديات بشكل متكامل. وتُعد زيادة المساحات الخضراء جزءا جوهريا من الخطة الحضرية للمدينة؛ ففي آب/أغسطس 2026، انضمت مدينتا سمرقند وطشقند رسميا إلى "شبكة المدن الخضراء" التابعة لمنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو).
وتجمع هذه الشبكة المدن التي تسعى إلى خلق بيئات حضرية أكثر اخضرارا وصحة واستدامة.
تقول شيفر إن أكثر أمر أثار إعجابها في سمرقند هو أن جزءا كبيرا من عظمتها نبع من كونها نقطة تلاقٍ؛ فموقعها على طريق الحرير جعل منها، على مدى قرون، مفترقا طرق للتجارة والثقافات، كما استقطبت العلماء من مختلف أنحاء المنطقة.
وفي عهد الأمير التيموري وعالم الفضاء أولوغ بيك تحولت المدينة إلى أحد المراكز الرائدة عالميا في مجالات علم الفلك والرياضيات والعلوم. ولا تزال روح التبادل والابتكار هذه تشكل جزءا من هوية المدينة.
Loading ads...
وتضيف شيفر قائلة: "تتمثل مهمة جيلنا في الحفاظ على سمرقند مع تهيئتها للمستقبل، بحيث تظل مكانا صالحا للعيش للأجيال القادمة، مع صون هويتها في الوقت ذاته، وذلك من خلال بناء مجتمعات قادرة على الصمود".
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً




