في الحارات التي كانت تعرف الخوف أكثر مما تعرف الضحك، يمشي أهالي دمشق بخطواتٍ خفيفة كأنهم أخيرًا وجدوا مساحة ليبتسموا بلا حساب، الأطفال يركضون وهم يلوّحون بالعلم الأخضر، والنساء يعلّقن الزينة على الشرفات بشغفٍ حقيقي، والرجال يزينون الشوارع بعلم الثورة السورية "علم الاستقلال".
البيوت تُفتح على اتساعها، والزينة تُعلّق بمحبة، وكل يد ترفع العلم الأخضر تفعل ذلك لأنها تريد ولأنها تشعر أن لحظة الفرح هذه ملكها وحدها، في الذكرى الأولى لتحرير سوريا تبدو دمشق وكأنها تُعيد اكتشاف نفسها، مدينة تتزين لا بأوامر، بل بقلوبٍ امتلأت فجأة بما يكفي من الحياة لتفيض على الشوارع كلها.
ويواصل مئات آلاف السوريين احتفالاتهم التي شهدت ذروتها أمس الإثنين، في جميع أنحاء سوريا، من خلال فعاليات حاشدة خاصة في المدن السورية الكبرى على مدار اليوم، بمناسبة الذكرى السنوية الأولى لسقوط نظام بشار الأسد، والتي يطلق عليها السوريون اسم ذكرى "النصر والتحرير".
وأمس احتشد مئات الآلاف في ساحة الأمويين وسط دمشق، احتفالًا بسقوط الأسد. ورفع السوريون الأعلام واللافتات، وتضمنت فعاليات الاحتفال عروضا للطائرات الشراعية فوق الساحة، هذا المشهد الكبير تخللته مشاهد فرح في أحياء دمشق القريبة من الساحة وخاصة حي المزة.
دمشق تستعيد صوتها
في شارع صغير من أحياء المزة، بدا مدخل الحارة هذا الصباح مختلفًا، الأعلام بحجمها الصغير تُلفّ على الأعمدة وتمتدّ على طول الطريق فوق المارة، بينما يُثبّت علم الثورة بحجمه الكبير في مكان عال وكأنما الحي يستعيد صوته الأول بعد سنوات الصمت.
خلف هذه التحضيرات يقف رجلان من أهالي الحي، وهما أبو ممدوح اللحّام، وجاره الشاب هادي.كان أبو ممدوح ( 64 عامًا) يعمل بحيوية لافتة وهو يرفع العلم إلى أعلى نقطة ممكنة، وقال لموقع تلفزيون سوريا بابتسامة تحمل ذكريات من زمن مضى "هذا اليوم إلي كنا بنحلم نعيشه، عرس الوطن منحتفل فيه من قلبنا، والله لو بقدر لزيّن الشوارع كلها، عشت زمن الأب والابن وأبي كان يقول دايمًا ان رب العالمين ما بيترك الظلم، واليوم الحمدلله عم نحتفل بخلاصنا منهم".
يضع الرجل يده على صدره ويضيف قائلاً "نزيّن من الفرح اللي جوّاتنا، من الأمل اللي ناطرينو لأطفالنا وأحفادنا، بدنا مستقبل فيه كرامة بلا إذلال ولا واسطات، هي إعلان نصر عظيم".
إلى جانبه يقف هادي ( 32 عامًا ) الذي يعمل في محل لبيع ألعاب الأطفال في الشارع ذاته، كان يعلّق الاعلام الصغيرة ليعلن أنه العيد، ثم قال وهو ينظر نحو المدخل الذي بدأ يتغيّر شكله "اتفقت أنا والعم أبو ممدوح نزين الحارة بإيدينا، نحنا اليوم عم نحتفل لأنو بدنا نحتفل مو متل قبل، لما كانوا يجبرونا نلون الغلق ونرفع العلم بالغصب حتى ننجو من الملاحقات".
ثم تابع قائلًا "اليوم منزيّن من فرحنا الحقيقي من قلب مرتاح، ما عنا خوف زينتنا رسالة لتقول نحنا أصحاب هالنصر وأصحاب هالفرح والولاء الوحيد هو لهالبلد، متل ما بدنا نبنيه ونشوفه".
عند مدخل تلك الحارة الدمشقية، لم تكن الزينة مجرد استعداد لذكرى رسمية، بل كانت إعلانًا صادقًا عن تبدّل الروح في بيوتٍ عاشت سنوات طويلة تحت نير الديكتاتورية.
كان مشهدًا يلخّص ما يعنيه أن يحتفل الناس بقرارهم، وأن يرفعوا علمًا يؤمنون به دون خوف أو ادّعاء.
راية الغياب والعودة
في أحد أحياء المدينة تقف أم سمير (53 عامًا) فوق شرفة بيتها القديم، تمسك بعلم الثورة الأخضر بعناية تشبه عناية أمّ بطفلها، ترتّبه، تفرده، وتعيد تثبيت الزوايا بيديها المرتجفتين من شدة التأثر، المشهد كان بسيطًا لكنه مكتظّ بذاكرة كبيرة أثقلتها السنين والغياب، حسب وصفها لموقع تلفزيون سوريا.
وقالت "هاد العلم غالي أخي استشهد وهو حامله، وولادي تغرّبوا سنين مشان يضل مرفوع، اليوم هو راية العمر الراية العظيمة يلي ما كان ثمنها قليل".
وتابعت "الوجع عرفنا من زمان، بس الكرامة ما خانتنا ولهيك هالعلم غالي علينا قدّ العمر، غالي بدم أخي، وبغربة ولادي، وبصبر أمّهات كتير متلي".
تنظر أم سمير إلى الزينة التي بدأت تتدلّى حول الشرفة، كأنها تغسل بها سنوات طويلة من الخوف والصمت، وتضيف "اليوم غير، اليوم الحمدلله فرحة النصر عم تدخل بيوتنا متل العيد، متل نور كبير عم يشعل الحارة والبلد سوا، واحتفلنا مو لأنه لازم احتفلنا لأنو استحقّينا هالفرح".
واختتمت حديثها قائلة "هذا العلم ليس ذكرى ماضٍ عظيم فقط، بل وعد لمستقبلٍ أنقى".
في تلك الزاوية الصغيرة من شرفة منزلها، لم تكن أم سمير تزيّن المكان فقط، كانت تعلن بطريقة بسيطة أن الحلم الذي حملته عائلتها طوال سنوات صار اليوم واقعًا يُعلّق على الشرفات بلا خوف.
زينة النصر تغيّر ملامح دمشق
تهجير أهالي حمص لم يكن مجرد انتقال من بيتٍ إلى آخر، بل اقتلاعٌ من ذاكرة كاملة وترك أهلها على أبواب الغربة وفي كل خطوة خرجوا بها، حملوا وجعًا لم ينطفئ وحنينًا يرافقهم أينما حلّوا.
في حيّ بالمزة يقف جهاد الشاب المهجّر من حمص، أمام محمصته الصغيرة وهو يعلّق آخر بالونة خضراء في منتصف لواجهة يبتعد خطوة إلى الخلف ليتأكد أن كل شيء كما يريد والعلم الأخضر يتوسط المكان كضيفٍ طال انتظاره.
يقول جهاد لموقع تلفزيون سوريا وهو ينظر إلى الواجهة "نفخت البالونات وحدة وحدة وغطّيت الواجهة كلها بعلم النصر، هاد العلم رمز فرحتنا كلها فيه تعب السنين، والتهجير، وصبر الأهل، ودم الشهداء".
وأضاف "هاد علم المستقبل علم الحرية اللي راح شباب وأخوات منشانها، ولهيك لازم يضل مرفوع بكل مكان".
يعود لترتيب زاوية صغيرة ثم تابع "بدنا نزيّن الشوارع والبيوت مو بس لحتى نفرح، لحتى نقول الحمدلله على التحرير، وعلى إنو صوت الناس أقوى من الظلم".
واجهة محمصة جهاد بدت في ذلك اليوم كأنها جدار يحكي قصة كاملة، قصة شاب حمل مدينته معه من حمص إلى دمشق، وحوّل محله المتواضع إلى مساحة تعلن الفرح والنصر بصوت صادق وهادئ.
في الذكرى الأولى للتحرير وإسقاط النظام لم تكن الزينة مجرّد ألوان معلّقة، بل كانت شهادة حيّة على صبر الناس، وعلى إيمانهم بأن الفرح حقّ لا تُصادره قوة، وأن الرايات التي رُفعت بوجعٍ كبير، تُرفع اليوم بحبّ أكبر.
Loading ads...
دمشق التي تخطّ ملامحها بين أيدي سكانها، تقول اليوم إنها تعود لأهلها وتعود كما أرادوها مدينة ترفع علمها من القلب، وتحتفل لأن الاحتفال هذه المرّة يشبهها فقط.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه




