في عام 1999، أجرى عالما النفس "ديفيد دانينغ" و"جاستن كروغر" دراسة سلوكية حول طبيعة التقييم الذاتي لدى البشر، وخلصا إلى حقيقة مفادها أن الأشخاص غير المؤهلين يميلون بشكل صارخ إلى المبالغة في تقدير مهاراتهم الشخصية بسبب عجزهم عن إدراك مواطن ضعفهم.
وعلى سبيل المثال، أظهرت دراسة أُجريت في جامعة "نبراسكا" أن 68% من أعضاء هيئة التدريس يرون أنفسهم ضمن أفضل 25% من العاملين، بينما أكد 90% منهم أنهم "فوق المتوسط" بالطبع.
ولم تختلف النتيجة كثيراً بين مهندسي البرمجيات في الشركات الأمريكية، حيث صنف 42% منهم أنفسهم ضمن النخبة التي تمثل أفضل 5% في مجالهم.
هذه النزعة نحو "تضخيم الذات" تجد أرضاً خصبة و"خطيرة" داخل أسواق المال؛ فحين يدخل المتداول إلى البورصة محققاً بعض الأرباح في سوق صاعدة، يظهر لديه فوراً ما يُعرف بـ"وهم التفوق".
ووهم التفوق هو انحياز إدراكي يجعل المستثمر عاجزاً عن إدراك الفجوة الضخمة بين مهاراته الحقيقية وبين تحركات السوق التي قد لا يفهمها كلها، والأهم أنه لا يستطيع السيطرة عليها، مما يدفعه إلى الاعتقاد بأنه يمتلك حساً استثمارياً استثنائياً يتيح له التغلب على الجميع وتوقع اتجاه الأسعار بدقة.
وتكمن خطورة هذا الانحياز في أنه يعمي بصيرة المستثمر عن المخاطر الحقيقية، ويدفعه إلى تبني استراتيجيات عالية المخاطر، متجاهلاً الحقائق الرقمية الصارمة والبيانات الإحصائية الكبرى التي تفرض شروطها في النهاية على الجميع.
ويبرز هنا ما حدث مع المتداول والمستثمر الأمريكي "فيكتور نيدهوفر"، حيث كان يمثل تجسيداً حياً للعبقرية الأكاديمية والعملية؛ فهو خريج جامعة هارفارد، وحاصل على الدكتوراه من جامعة شيكاغو، وعمل أستاذاً للاقتصاد.
بل كان "نيدهوفر" الشريك التجاري والمستشار المقرب للملياردير الشهير "جورج سوروس"، الذي كان يصفه بأنه المستثمر الوحيد الذي يثق في قدرته على تولي إدارة محفظته المالية دون قلق.
وامتلك "نيدهوفر" عقلية إحصائية فذة ونظام تداول يعتمد على رصد الفروق السعرية الدقيقة واقتناص عوائد الأسواق بانتظام، وحقق ثروة طائلة وأرباحاً سنوية مركبة مذهلة تجاوزت 30% لسنوات طويلة خلال الثمانينيات والتسعينيات.
لكن هذا النجاح المتواصل غذّى لديه "وهم تفوق" حاداً وعناداً فكرياً مطلقاً، جعله يعتقد أن نماذجه الحسابية وقدراته الذهنية أصبحت أقوى من تقلبات الأسواق وأعلى من احتمالات الخطأ الإحصائي الكبرى.
وفي عام 1997، وخلال ذروة الأزمة المالية الآسيوية، وقع نيدهوفر في الفخ السلوكي؛ إذ اعتقد بثقة مفرطة أن أسهم الأسواق الناشئة، وتحديداً التايلاندية، قد هبطت بأكثر مما ينبغي، وأن السوق سيعاود الارتفاع حتماً وفقاً لحساباته الفردية.
واندفع فيكتور وضخ مئات الملايين من أمواله وأموال عملائه في عمليات شراء مكثفة وعقود خيارات (Options) معقدة، مراهناً بكامل ثروته على صعود السوق.
وعندما استمرت الأزمة في التفاقم وانقلبت الأسواق بعنف، رفض "نيدهوفر" الاعتراف بالخطأ أو تفعيل أوامر وقف الخسارة.
وكانت النتيجة انهيار المحفظة تماماً، وأُجبر الصندوق على الإغلاق بعد خسارة مئات الملايين من الدولارات وإعلان إفلاسه في غضون أسابيع معدودة.
ويمكن القول إن أهم مظهر لـ"وهم التفوق" هو محاولة "توقيت السوق"، لأنه ببساطة يعني اعتقاد المستثمر أنه يمتلك القدرة على رصد "القاع السعري" بدقة للشراء عنده، وتوقع "القمة السعرية" بدقة للخروج عندها وتحقيق أرباح استثنائية، وبالتالي الدخول والخروج من السوق بناءً على "تخمينات" شخصية.
وتشير دراسة أجرتها "بلاك روك" لإدارة الأصول على مدار عقدين من الزمن إلى أن الفجوة بين أداء المتداول الذي يحاول تتبع حركة السوق وبين الأداء الفعلي للمؤشرات الخاملة هي فجوة كبيرة.
فعلى مدار 20 عاماً، حقق المستثمر الفردي العادي عائداً سنوياً مركباً بلغ 3.6% فقط، في حين أن المحفظة التقليدية المتوازنة (التي تتكون من 60% للأسهم و40% للسندات وتُترك دون تغيير لأعوام) حققت عائداً متوسطاً قارب 7.4% خلال الفترة الزمنية نفسها.
وهذا الفارق الشاسع نتيجة مباشرة لـ"وهم التفوق"، فالشعور بالتميز يدفع المتداولين إلى البيع في لحظات الذعر عند القيعان (توهماً منهم أنهم يمتلكون حساً ذكياً)، والشراء عند القمم بفعل الطمع والخوف من فوات الفرصة، وهو سلوك اندفاعي يعطل أي قدرة تحليلية عقلانية ويقوض العوائد التراكمية للمحفظة على المدى الطويل.
وتشير دراسة تاريخية أجراها البروفيسور "برتون مالكيل"، أستاذ الاقتصاد بجامعة "برينستون" ومؤلف كتاب "مشية عشوائية في وول ستريت"، إلى أن 84% من الصناديق النشطة فشلت في التفوق على مؤشرات السوق العادية.
والشاهد أن المستثمر والمتداول الأمريكي "مايكل لابرانش"، الذي كان يقود واحدة من أقدم وأكبر شركات صناعة السوق والتداول في بورصة نيويورك "لابرانش" (LaBranche & Co)، يقدم واحدة من أهم دلائل تأثير وهم التفوق في سوق الأسهم.
فقد تمتع "لابرانش" بخبرة عريضة امتدت لعقود في إدارة السيولة وتداول الأسهم، وحققت شركته مئات الملايين من الدولارات من الأرباح الصافية عبر تاريخها.
ومع مطلع الألفية الجديدة وظهور أنظمة التداول الإلكتروني السريعة، بدأ الهيكل الأساسي للسوق يتغير جذرياً؛ حيث أصبحت الآلات والبرمجيات قادرة على تنفيذ الأوامر في أجزاء من الثانية وبتكلفة تكاد تكون معدومة، مما يعني تراجع ربحية وجدوى شركات المضاربة التقليدية البشرية بنسبة تجاوزت 85%.
لكن "لابرانش"، وتحت تأثير "وهم التفوق"، اعتقد بثقة كبيرة و"عناد" أن خبرته وعلاقاته وتكتيكاته في "وول ستريت" قادرة على هزيمة التكنولوجيا والتحايل على هذا التحول الجذري الشامل.
وبدلاً من تغيير نهجه نحو الاستثمار الهادئ طويل الأجل (أو الاستثمار القيمي)، أو التحول الكامل نحو التكنولوجيا وخوارزميات التداول، استمر في ضخ مئات الملايين من الدولارات لشراء شركات تداول تقليدية متعثرة، وضخ سيولة ضخمة في استراتيجيات قديمة.
ونتيجة لذلك، انهارت أرباح الشركة بشكل متسارع، وسجلت خسائر سنوية متتالية بلغت عشرات الملايين من الدولارات، حتى سقط سعر سهم الشركة من قمة قاربت 50 دولاراً ليتداول بأقل من دولارين، واضطر "لابرانش" في النهاية إلى بيع وتصفية إمبراطوريته المالية التاريخية عام 2010 بأقل من 5% من قيمتها الأصلية، بعد خسارة مئات الملايين من ثروته وثروات المساهمين.
ويمكن القول إن العلاج الوحيد لانحياز وهم التفوق وإنقاذ المحفظة المالية هو تبني ما يسميه علماء النفس السلوكي بـ"الاعتراف بالجهل الاستراتيجي"، ويقوم على فصل الأمنيات الشخصية عن الواقع، والتعامل مع الفرضيات الاستثمارية بوصفها احتمالات قابلة للخطأ لا حقائق مطلقة.
وتشير أبحاث البروفيسور "فيليب تيتلوك" حول دقة التنبؤات المالية إلى أن الخبراء الذين كانوا "أكثر ثقة ويقيناً" في تحليلاتهم الفردية حققوا أسوأ النتائج في التنبؤ بحركة الأسواق.
في المقابل، فإن المتداولين الذين تميزوا بـ"المرونة النفسية"، وقاموا بمراجعة وتعديل فرضياتهم باستمرار بناءً على معطيات السوق الكلية، كانوا الفئة الأنجح تاريخياً في حماية أصولهم وتنميتها.
فالاستثمار الناجح لا يتطلب إثبات أنك أذكى من المنظومة، بل يتطلب بناء "هوامش أمان" متينة تحميك عندما يثبت السوق أنك كنت على خطأ. وهذا يعني القبول بتنويع المحفظة، وتفعيل أوامر وقف الخسارة الصارمة، وعدم المراهنة بمبالغ ضخمة على سهم واحد مهما بدا تحليلك الفردي صحيحاً.
Loading ads...
المصادر: أرقام - هارفارد بزنس ريفيو - بيهيفيورال سيكولوجي - وول ستريت جورنال - دراسة "Expert Political Judgment: How Good Is It? How Can We Know?"
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه




