2 ساعات
التعيينات الدبلوماسية السورية بين منطق الشراكة وضرورات المرحلة الانتقالية
الخميس، 5 فبراير 2026
في خضمّ الجدل الدائر حول جدول تعيين القائمين بأعمال السفارات السورية في عدد من العواصم المؤثرة، مثل واشنطن وبرلين وغيرها، انقسمت الآراء داخل الأوساط السورية بين اتجاهين واضحين، يعكسان في جوهرهما أسئلة أعمق تتعلق بطبيعة المرحلة الانتقالية، وحدود التغيير الممكن، وأولويات الحكم في لحظة سياسية شديدة الحساسية.
الوجهة الأولى: توسيع الشراكة السياسية
ينطلق أصحاب هذا الرأي من تطلّع مشروع إلى أن تكون الحكومة السورية الجديدة أكثر انفتاحاً وتمثيلاً لتنوّع التيارات التي شاركت في الثورة السورية، أو ساندتها سياسياً وشعبياً على مدى سنوات. كثير من السوريين كانوا يأملون أن تشكّل التعيينات الدبلوماسية فرصة لإشراك شخصيات مدنية وثورية من خارج هيئة تحرير الشام، ولا سيما أن هذه المواقع تمثّل واجهة الدولة الجديدة أمام العالم، وتحمل أبعاداً رمزية لا تقل أهمية عن أدوارها العملية.
من هذا المنظور، بدت بعض التعيينات مفاجئة، بل ومحبِطة للبعض، لأنها أعادت إنتاج دائرة ضيقة من الثقة السياسية، بدلاً من توسيعها. ويخشى أصحاب هذا الرأي أن يؤدي ذلك إلى ترسيخ انطباع خارجي بأن التغيير لم يصل بعد إلى مستوى التنوع السياسي والمؤسساتي الذي حلم به السوريون بعد سقوط نظام الأسد، وأن منطق "الاستحواذ" قد يطغى على منطق "الشراكة"، ولو مؤقتاً.
تميل القيادات الجديدة بطبيعة الحال إلى الإبقاء على المناصب الحساسة بيد أشخاص يحظون بثقة عالية وقريبة، ليس بدافع الإقصاء، بل بدافع الحفاظ على تماسك القرار وضبط إيقاع المرحلة.
الوجهة الثانية: منطق المرحلة الانتقالية
في المقابل، هناك رأي آخر - وهو الأقرب إلى قناعتي في هذه المرحلة - يرى أن ما يجري مفهوم إلى حدّ بعيد إذا ما وُضع في سياقه الزمني والسياسي الصحيح. نحن أمام مرحلة انتقالية شديدة الهشاشة، لا تزال فيها بنية الدولة قيد التشكّل، ولا تزال التحديات الأمنية والسياسية والاقتصادية متداخلة ومعقّدة. في مثل هذه الظروف، تميل القيادات الجديدة بطبيعة الحال إلى الإبقاء على المناصب الحساسة بيد أشخاص يحظون بثقة عالية وقريبة، ليس بدافع الإقصاء، بل بدافع الحفاظ على تماسك القرار وضبط إيقاع المرحلة.
الدبلوماسية، خصوصاً في العواصم الكبرى، ليست مجرد عمل بروتوكولي، بل هي امتداد مباشر للسياسة العليا، وأي خلل أو تناقض في الرسائل قد تكون كلفته باهظة. من هنا، يمكن فهم رغبة القيادة السورية الجديدة في ضمان الانسجام السياسي الكامل بين الداخل والخارج، ريثما تستقر مؤسسات الحكم الانتقالي وتتوسع دائرة المشاركة لاحقاً.
المرحلة الانتقالية لا تحتمل المثالية الكاملة، لكنها أيضاً لا تحتمل إغلاق الأبواب. التوازن بين الأمرين -وهو الأصعب دائماً- سيكون المعيار الحقيقي لنجاح التجربة السورية الجديدة، داخلياً وخارجياً.
بين النقد والتجربة الشخصية
شخصياً، أتفهم جانباً كبيراً من الانتقادات المطروحة، وأعتبرها صحية وطبيعية في مرحلة ما بعد ديكتاتورية الأسد، حيث يُعاد الاعتبار لحرية الرأي والتعبير والاختلاف. كما أن التساؤلات حول خبرة بعض المعيّنين مشروعة، خاصة أن عدداً منهم لا يمتلك مساراً دبلوماسياً تقليدياً، كأن يكون سفيراً سابقاً أو خريج سلك دبلوماسي طويل.
لكن في المقابل، ومن خلال تجربتي الشخصية المباشرة، أرى أن اختزال الكفاءة بعامل السن أو بالشهادات التقليدية وحدها قد يكون ظلماً في بعض الحالات. لقد أثبتت التجربة السورية خلال سنوات الثورة أن كثيراً من الكفاءات تشكّلت خارج الأطر الكلاسيكية، واكتسبت خبراتها من العمل الميداني، ومن الاحتكاك المباشر مع الفاعلين الدوليين.
Loading ads...
وإذا جاءت التعيينات الدبلوماسية المتبقية بالمستوى نفسه من الجدية والكفاءة الذي عكسته الأسماء المعلنة مؤخراً، فأعتقد أننا أمام فرصة لتحقيق أداء دبلوماسي جيد في هذه المرحلة، خاصة إذا جرى لاحقاً تعزيز هذه الفرق بأشخاص ذوي خبرة دبلوماسية أوسع، يعملون ضمن فريق متكامل يجمع بين الثقة السياسية والخبرة المهنية.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً



