كشفت قياسات نادرة من أعماق الجليد في القارة القطبية الجنوبية أن ذوبان قاعدة جرف روس الجليدي لا تحكمه حرارة المحيط وحدها، بل تسيطر عليه طبقات الماء وحركة المد والجزر في منطقة حساسة تقع عند الحد الفاصل بين الجليد الراسخ والعائم.
وتقدم الدراسة المنشورة في دورية Science Advaneses واحدة من أطول السلاسل الزمنية المباشرة التي سجلت في هذه البيئة شبه المستحيلة الوصول، إذ تابع الباحثين لمدة 10 أشهر ما يحدث تحت نحو 600 متر من الجليد والثلج.
تعد مناطق التأريض في الأرفف الجليدية من أكثر المواقع أهمية وغموضاً في فهم مستقبل القارة القطبية الجنوبية. ففي هذه المناطق ينتقل الجليد من كونه مثبتاً فوق اليابسة إلى جليد عائم فوق مياه المحيط.
ورغم أن المساحة قد تبدو محلية، فإن ما يحدث هناك يمكن أن يؤثر في استقرار الأرفف الجليدية، وبالتالي في قدرة الغطاء الجليدي خلفها على مقاومة الانزلاق نحو البحر.
وتعمل الأرفف الجليدية كحواجز طبيعية تبطئ اندفاع الجليد الداخلي إلى المحيط، فإذا زاد ذوبانها من الأسفل، أو ضعفت بنيتها، قد يتسارع فقدان الجليد، ما يضيف مزيداً من المياه إلى المحيطات ويرفع مستوى سطح البحر على المدى الطويل.
لكن المشكلة أن معظم هذه العمليات تحدث في تجاويف مظلمة أسفل مئات الأمتار من الجليد، حيث يصعب تركيب أجهزة أو جمع بيانات مباشرة.
ركزت الدراسة على منطقة قرب مجرى كامب الجليدي، عند جرف روس الجليدي في غرب القارة القطبية الجنوبية، وفي ديسمبر 2019، استخدم الفريق البحثي حفاراً بالماء الساخن لفتح ثقب بعمق 587 متراً عبر الجليد والثلج، وصولاً إلى تجويف مائي رقيق لا يتجاوز سمكه في المتوسط 30 متراً.
ومن خلال هذا الثقب، أرسلت أجهزة لقياس درجة الحرارة والملوحة والتيارات والعكارة، كما نشرت مجموعة من المجسات المعلقة لمراقبة المياه على مدار 10 أشهر، بفواصل زمنية تقارب نصف ساعة. هذه القياسات أتاحت للباحثين رؤية تفصيلية لكيفية تغير الماء تحت الجرف الجليدي يومياً وعلى مدار دورات المد والجزر.
وأظهرت البيانات أن عمود الماء تحت الجليد كان منقسماً بوضوح إلى طبقتين.
وفي الأسفل، وجد ماء بحري أدفأ نسبياً وأكثر ملوحة، يشبه مياه جرف روس عالية الملوحة، لكنه كان قد تعرض لبعض التبريد والتخفيف نتيجة اختلاطه بمياه ذوبان الجليد. أما في الأعلى، قرب قاعدة الجليد، فكانت هناك طبقة أبرد وأقل ملوحة، تحتوي على نسبة أكبر من مياه الذوبان الجليدي.
ويبلغ سمك الطبقة العليا عادة نحو 15 متراً، مع تغيرات بين 9 و17 متراً. ورغم أنها بدت متجانسة إلى حد كبير في درجة الحرارة والملوحة، فإن الحد الفاصل بينها وبين الطبقة السفلى كان شديد الحركة.
وفي بعض القياسات، تحرك هذا الحد عدة أمتار خلال أقل من ساعتين، في إشارة إلى وجود موجات داخلية تحت الجليد.
هذه الموجات لا تشبه أمواج سطح البحر، بل تتحرك داخل الماء نفسه عند الحدود بين طبقات مختلفة الكثافة، وتشير الدراسة إلى أن هذه الموجات، مع تأثير التيارات والنتوءات في قاع البحر أو الشقوق في قاعدة الجليد، قد تولد اضطراباً وخلطاً بين الطبقتين.
وهذا الخلط مهم لأنه يسمح بنقل الحرارة من الطبقة السفلى الأدفأ نسبياً إلى الطبقة العليا الملامسة للجليد، ما يساهم في استمرار الذوبان من أسفل.
وتقول الدراسة إن معدلات الذوبان لا تسير بنمط ثابت، بل تتذبذب بقوة مع دورات المد والجزر، فقد وجد الباحثون أن الذوبان يزداد خلال فترات المد الأقوى، خاصة ضمن دورة تقارب 14 يوماً بين المد الربيعي والمد الضعيف.
وبحسب تقديرات الدراسة، بلغ متوسط معدل الذوبان المحلي عند موقع القياس نحو 0.18 متر سنوياً، مع هامش عدم يقين يقارب0.05 متر سنوياً. ويتوافق هذا الرقم تقريباً مع قياسات محلية سابقة ومع تقديرات أوسع تعتمد على الاستشعار عن بعد في المنطقة.
ويقول الباحثون إن الأهم من الرقم نفسه هو آلية الذوبان، فقد أظهرت النتائج أن الذوبان يرتبط بسرعة تدفق المياه وبالفارق الحراري بين الماء ونقطة تجمده قرب الجليد.
وخلال فترات المد الربيعي، تصبح التيارات أقوى، فيزداد الخلط ونقل الحرارة إلى قاعدة الجليد، أما خلال المد الضعيف، فينخفض الذوبان عادة، وإن كانت بعض الفترات شهدت تيارات سريعة لا يفسرها المد وحده.
وتشير الدراسة إلى أن الذوبان خلال أسبوع يتمركز حول أقصى المد الربيعي قد يكون أكبر بـ3 مرات من الذوبان في الفترات المحيطة به داخل الدورة نفسها.
ويفسر الباحثون هذه البيئة باعتبارها نظاماً يشبه المصبات البحرية، لكن بصورة مقلوبة ومخفية تحت الجليد، فبدل أن يصب نهر عذب في البحر من السطح، تضيف قاعدة الجليد مياه ذوبان عذبة وخفيفة إلى الطبقة العليا، فتتحرك هذه المياه الطافية نسبياً بعيداً عن منطقة التأريض (Grounding Zone)، بينما تدخل مياه بحرية أدفأ وأكثر ملوحة من أسفل لتعويضها.
ويمكن أن يحدد هذا الدوران شبه المصبي كيفية انتقال الحرارة والملوحة ومياه الذوبان داخل التجويف الواسع تحت جرف روس، وبما أن التجويف يمتد لمسافات كبيرة، فإن التغيرات المحلية عند منطقة التأريض قد تترك بصمتها على حركة المياه في مناطق أوسع أسفل الجرف.
ولا تضيف الدراسة مجرد قياسات جديدة فقط، بل تكشف آلية فيزيائية قد تكون غائبة أو ممثلة بشكل مبسط في كثير من النماذج المناخية ونماذج الغطاء الجليدي، فالنماذج التي تتنبأ بمستقبل مستوى البحر تحتاج إلى تمثيل ذوبان الأرفف الجليدية من أسفل، لكن هذه العملية تحدث على مقاييس صغيرة وسريعة، مثل المد والجزر والموجات الداخلية والخلط بين طبقات الماء.
ويقول الباحثون إن التوقعات المناخية تعمل غالباً على مقاييس زمنية طويلة تمتد لعقود وقرون، بينما تتحكم في الذوبان عمليات تتغير خلال ساعات أو أيام أو أسابيع. لذلك يروا أن فهم هذه الآليات الدقيقة ضروري لتحسين التقديرات المستقبلية، حتى لو لم يكن من السهل إدخال كل تفاصيلها مباشرة في النماذج الكبرى.
رغم ندرة البيانات وقيمتها، فإن الدراسة تركز على موقع واحد قرب مجرى كامب الجليدي، وهو نظام له خصائصه الخاصة، منها أن خط التأريض فيه شبه ثابت نسبياً. لذلك لا يمكن تعميم النتائج تلقائياً على كل الأرفف الجليدية في القارة القطبية الجنوبية، خاصة أن تضاريس قاع البحر وسمك الماء وحرارة المياه وحركة الجليد تختلف من منطقة إلى أخرى.
كما أن تقدير معدل الذوبان لم يكن قياساً مباشراً كاملاً طوال فترة الدراسة، بل اعتمد على نماذج ومعادلات تستخدم سرعة التدفق والفارق الحراري ومعاملات احتكاك ونقل حرارة، وهي عوامل تحمل قدراً من عدم اليقين. ومع ذلك، فإن اتساق النتائج مع قياسات وتقديرات أخرى يعزز الثقة في الصورة العامة التي تقدمها الدراسة.
وتوضح الدراسة أن قاعدة جرف روس الجليدي ليست بيئة ساكنة، بل نظام ديناميكي تتفاعل فيه طبقات الماء مع المد والجزر والتضاريس المخفية تحت الجليد.
Loading ads...
وعلى الرغم من أن معدل الذوبان المقاس في هذا الموقع ليس مرتفعاً بصورة استثنائية، فإن الآليات التي تتحكم فيه قد تكون حاسمة لفهم كيف تستجيب الأرفف الجليدية لمحيط يتغير تدريجياً.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه





