هل تعاني من صعوبة عدم فعل شيء ؟ ربما لديك هوس الإنتاجية
من الطبيعي السعي إلى إنجاز مهام يومية، صغيرة كانت أم كبيرة. غير أن المشكلة تبدأ عندما يتحوّل اليوم بأكمله إلى قائمة لا تنتهي من الواجبات، ويغدو كل وقت فراغ فرصة لإضافة مهمة جديدة. كان الانتقال من مهمة إلى أخرى في الماضي يتم بوتيرة أبطأ، مع تركيز على دور واحد في كل مرة. أما اليوم، فقد أصبح تعدد المهام معيارًا شائعًا، وتزايدت التوقعات من الذات إلى حد غير مسبوق. في هذا السياق، تَظهر صعوبة عدم فعل شيء بوصفها حالة نفسية مرتبطة بالشعور المستمر بضرورة الإنجاز، فالبقاء بلا نشاط قد يُفسَّر داخليًا على أنه كسل أو تراجع، حتى وإن لم يكن كذلك، ومع مرور الوقت، يتعوّد العقل والجسد على الإيقاع السريع، ويصبح التوقف أمرًا غير مألوف.
وهم الإنتاجية وإدمان الانشغال
يرتبط الإنجاز بشعور إيجابي ناتج عن إفراز الدوبامين في الدماغ، وهو ناقل عصبي يعزز الإحساس بالمكافأة والتحفيز، وقد يدفع هذا الشعور إلى طلب المزيد من المهام للحفاظ على الإحساس ذاته، وهكذا تتشكل دائرة: إنجاز يؤدي إلى شعور جيد، والشعور الجيد يدفع إلى مزيد من الإنجاز.
لكن هذه الدائرة قد تحمل جانبًا خفيًا، فالإفراط في العمل من دون توازن يضع ضغطًا على الجسد والعقل، ويزيد من احتمالية الإرهاق، وقد تؤدي الحركة الدائمة إلى انخفاض الفعالية على المدى الطويل. عندما يمتلئ الجدول بلا فسحة للراحة أو للتواصل الاجتماعي، يتراجع التركيز وتتشتت الطاقة، وهنا تتجلى صعوبة عدم فعل شيء كجزء من نمط أوسع، حيث يُنظر إلى السكون كتهديد للإنتاجية، رغم أن الأبحاث تشير إلى أن فترات التوقف تساهم في استعادة النشاط وتحسين الأداء.
الحاجة الإنسانية إلى البقاء مشغولين
يبدو أن الميل إلى الانشغال ليس مجرد عادة فردية، بل سلوك متجذر، ففي دراسة سلوكية طُلب من مشاركين اختيار موقع لتسليم استبيان: موقع قريب يتيح إنهاء المهمة سريعًا والانتظار بلا عمل، أو موقع أبعد يتطلب وقتًا أطول ويقلل فترة الانتظار. عندما لم يكن هناك فرق في المكافأة، فضّل معظمهم الخيار الأقرب، ولكن عند تقديم تبرير بسيط للاختيار الأبعد، ازداد الإقبال عليه بشكل ملحوظ. تشير هذه النتائج إلى أن الإنسان قد يبحث عن أي مبرر ليبقى مشغولًا، حتى وإن كانت المهمة بلا معنى حقيقي، وكأن الانشغال بحد ذاته يمنح شعورًا بالطمأنينة أو القيمة.
الانشغال كاستراتيجية للهروب
يوصف الانشغال المفرط أحيانًا بأنه وسيلة لتجنب مواجهة الأفكار أو المشاعر، وقد يمنع ملء الوقت بالأنشطة، أياً كانت، لحظات الصمت التي تكشف أسئلة أعمق حول الاتجاه والغاية، كما أن الثقافة السائدة تميل إلى ربط الفراغ بالكسل، مما يعزز هذا النمط، إلا أن الانشغال لا يعني بالضرورة الإنتاجية. فالتشتت المستمر، مثل التنقل بين البريد الإلكتروني ووسائل التواصل أثناء أداء مهمة، يخلق إحساسًا بالحركة الدائمة، لكنه يضعف التركيز ويطيل زمن الإنجاز، وفي هذه الحالة تتكرر صعوبة عدم فعل شيء لأن التوقف يبدو غير مريح، بينما الاستمرار في الحركة يمنح وهم التقدم.
صعوبة عدم فعل شيء : لماذا تبدو الراحة مقلقة؟
تعود صعوبة عدم فعل شيء إلى عدة عوامل هي الاعتياد على التحفيز المستمر ما يجعل السكون تجربة غير مألوفة، والاعتقاد بأن القيمة الشخصية تقاس بحجم الإنجاز، وأخيرًا الخوف من مواجهة الفراغ الذهني. يوضح علم الأعصاب أن فترات التوقف تنشّط ما يُعرف بالشبكة الافتراضية في الدماغ، وهي المسؤولة عن الإبداع وترسيخ الذاكرة وحل المشكلات. كما أن النوم والراحة يساهمان في تنظيم هرمونات التوتر، ما يقلل من خطر الاحتراق الوظيفي، وحتى الاستراحات القصيرة أثناء أداء مهمة واحدة تساعد في الحفاظ على الانتباه لفترة أطول، وببذلك يتضح أن صعوبة عدم فعل شيء لا تعكس ضعفًا في الإرادة بل نمطًا متعلّمًا يمكن إعادة النظر فيه.
مصفوفة الانشغال: مراجعة واقعية للوقت
لتفكيك وهم الإنتاجية، يمكن إجراء مراجعة للأنشطة اليومية من خلال تصنيفها وفق معيارين: مدى ارتباطها بالالتزامات الفعلية، ومدى إحساسها بالمعنى، فقد تكون بعض الأنشطة مرتبطة بالعمل لكنها تفتقر إلى المعنى، وأخرى قد تكون ممتعة لكنها غير ضرورية في اللحظة الراهنة، وهناك أنشطة لا تحمل ارتباطًا ولا معنى، مثل التصفح العشوائي.
عند النظر إلى هذا التصنيف، تتضح مساحة يمكن تقليصها أو إعادة توزيعها، فالتخلص التدريجي من الأنشطة غير المرتبطة وغير ذات المعنى يفتح المجال لما هو أكثر أهمية، وهذه المراجعة تكشف أحيانًا أن صعوبة عدم فعل شيء ناتجة عن امتلاء الوقت بأعمال لا تضيف قيمة حقيقية.
إعادة تعريف الراحة كجزء من الإنجاز
غالبًا ما تُعامل الراحة كمكافأة تأتي بعد إتمام العمل، ولكنها في الواقع عنصر أساسي لاستمرارية الأداء. يُنظر إلى فترات الراحة في مجالات متعددة بوصفها جزءًا من الخطة، لا استثناءً منها، فالجسد يتعافى أثناء الراحة، والعقل يبتكر في لحظات الشرود الهادئ. عندما تُدمج الراحة في البرامج المتكررة بوعي، لا تعني تباطؤًا، بل استدامة، وهنا يصبح التعامل مع صعوبة عدم فعل شيء خطوة نحو توازن أكثر نضجًا بين الفعل والسكون.
الأسئلة الشائعة
هل الانشغال الدائم دليل على النجاح؟
ليس بالضرورة، فالانشغال قد يمنح شعورًا بالإنجاز، لكنه لا يضمن تحقيق أهداف ذات معنى أو نتائج فعالة.
هل الراحة تقلل من الإنتاجية؟
تشير الأدلة إلى أن الراحة المنتظمة تحسن التركيز والإبداع، وتقلل من الإرهاق، مما يدعم إنتاجية مستدامة على المدى الطويل.
نصيحة من موقع صحتك
قد تكشف إعادة النظر في العلاقة مع الوقت والإنجاز أن صعوبة عدم فعل شيء ليست عيبًا شخصيًا، بل انعكاسًا لثقافة تمجيد الانشغال. إدخال فترات راحة مقصودة، وتقليص الأنشطة غير الضرورية، وتقدير قيمة السكون بوصفه مساحة للتجدد، كلها خطوات تسهم في تحقيق توازن يحفظ الطاقة ويعزز جودة الحياة على المدى البعيد.
Loading ads...
آخر تعديل بتاريخ
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً



