يقود الجيل الفرنسي الشاب، أو ما يُصطلح على تسميته حالياً بـ"جيل زد" (Gen Z)، الحراك الكبير الذي يشمل كل المدن والقرى الفرنسية.
الحراك بدأ بطلاب المدارس احتجاجاً على أوضاع التعليم التي تزداد سوءاً يوماً بعد يوم، وتراجع شروطه، ونقص المدرسين، والخوف من المستقبل، واحتجاجاً على محاولات خصخصته وسحب كل الامتيازات، التي كرّستها الجمهورية الفرنسية من حيث نوعيته ومجانيته وحق جميع الفرنسيين والمقيمين على الأراضي الفرنسية فيه.
ثم امتد ليشمل الأساتذة والمعلمين أنفسهم لمساندة الطلاب في حراكهم المحق، محتجين هم أيضاً على تقليص امتيازاتهم، لا بوصفهم شريحة محددة من الفرنسيين، بل بوصفهم مواطنين فرنسيين تُسحب منهم معظم الامتيازات التي كانت تميز منظومة الجمهورية الفرنسية، بدءاً من الأجور وامتداداً إلى التأمين الصحي وغلاء المعيشة وفرض الضرائب التي لم يعد بمقدور المواطن الفرنسي التعامل معها.
وكان لافتاً في بداية هذا الحراك مشهد المواطنين الفرنسيين من كبار السن، الذين يقفون بين الطلاب الشباب المحتجين وبين الشرطة التي بدأت باكراً باستخدام العنف ضد المحتجين، وهو الأمر الذي فجّر الأحداث بعد أيام، وجعل شرائح عديدة من الفرنسيين تنضم إلى الحراك وتدعو إلى الإضراب، خصوصاً النقابات وحركة السترات الصفراء الشهيرة.
ووصل الأمر إلى ما وصل إليه خلال اليومين الماضيين من حرق وسرقات وتدمير وعنف وعنف أمني مضاد، بدأت معه الحركات السياسية الفرنسية المتصارعة، خصوصاً اليمين المتطرف واليسار المتطرف، بتبادل الاتهامات، وتحميل كل طرف الطرف الآخر مسؤولية ما يحدث، في محاولة لكسب الشارع الفرنسي إلى هذا الطرف أو ذاك في الانتخابات المقبلة.
والحقيقة أن المرء يعجز عن استيعاب كيف يفكر هؤلاء العرب أصحاب الرأيين: فأولهما يتماهى تماماً مع اليمين الفرنسي الكاره لكل ما هو عربي ومسلم وملوّن، والثاني يتناسى تماماً أن فرنسا "المسيحية" هي صاحبة الثورة الأعظم في التاريخ البشري..
ولأن ما حدث من عنف وحرق وسرقة بات معتاداً في المظاهرات الفرنسية، فإن الحديث عنه سيكون مكرراً، إلا من حيث ردة فعل كثير من العرب عليه، والتي تنقسم بين رأيين: الأول يتطابق تماماً مع ردة فعل اليمين المتطرف الفرنسي الذي يحمّل المهاجرين والعرب والمسلمين كامل المسؤولية عنه، والثاني يشمت بما يحدث في فرنسا من منطق ديني استعلائي، ففرنسا "المسيحية" في طريقها إلى النهاية، كما يقول أصحاب هذا الرأي.
والحقيقة أن المرء يعجز عن استيعاب كيف يفكر هؤلاء العرب أصحاب الرأيين: فأولهما يتماهى تماماً مع اليمين الفرنسي الكاره لكل ما هو عربي ومسلم وملوّن، والثاني يتناسى تماماً أن فرنسا "المسيحية" هي صاحبة الثورة الأعظم في التاريخ البشري، والتي كانت وما زالت العلامة الفارقة فيه.
وأن الحراك الحاصل حالياً يُتَّهم من قبل الحكومة واليمين المتطرف بالعداء للسامية، كون الشباب المتظاهر يحمل أعلام فلسطين في مقدمة مظاهراته، ويتحدث ممثلوه عن أن جزءاً من الخراب السياسي الحاصل في فرنسا سببه علاقة الحكومة الفرنسية مع إسرائيل وموقفها المخزي من حرب الإبادة في غزة.
وبكل حال، فإن الوضع الفرنسي بالغ التعقيد، وتبسيطه على الطريقة العربية المعتادة أمر بالغ السوء، وينزع عن الحراك الحاصل أهم ميزاته، وهي كونه حراكاً اجتماعياً وشعبياً ضد فائض البطش الاقتصادي الذي يكاد يبتلع كل قيم الجمهورية الفرنسية، والذي يستخدم الهوية الفرعية في رؤية الآخر سلاحاً سياسياً في وجه الخصم السياسي، ملقياً بهوية المواطنة الفرنسية نحو المجهول.
وهو ما يحاول "جيل زد" الفرنسي التمسك به بضراوة، عبر اختباره لحدود الحرية التي لطالما كانت من أهم شعارات الجمهورية الفرنسية، للمطالبة بمستقبل تحاول النخب السياسية الرأسمالية حجزه لصالحها وحجبه عن الشباب الفرنسي الذي تربّى على أن المستقبل حق مكتسب للمواطنة الفرنسية، وليس منحة أو هبة من هذه الفئة السياسية أو تلك.
وبالتأكيد، فإن النخب الرأسمالية السياسية الحاكمة سوف تسعى جاهدة لربط الفوضى الحاصلة بـ"جيل زد"، في محاولة منها لنزع الشرعية الشعبية عن الحراك الطلابي والمطلب الشعبي الحاصل، والذي بدأ يمتد إلى أكثر من دولة أوروبية.
لكن، برأيي الشخصي، هذه محاولات فاشلة من أساسها، ذلك أن "جيل زد" تشكّل وعيه داخل العالم الرقمي الذي تتحكم رموزه باقتصاد العالم، ووعيه السياسي والاقتصادي مستمد أصلاً من العالم الافتراضي غير المحدود، لا بسلطة ولا برقابة، ما يجعل من رفض هذا الجيل للسردية السلطوية المناهضة للحراك أمراً محسوماً. أيضاً، فإن علاقته بالهوية والتنوع والقضايا الاجتماعية هي علاقة منفتحة، غير محكومة بموروث اجتماعي، وقادرة على ابتكار روايتها الخاصة المختلفة عن رواية المنظومة المجتمعية والسياسية.
ولهذا الجيل أيضاً آباء تربّوا على قيم الحرية والعدالة والحقوق الطبيعية والمواطنة، وهم يرون اليوم مع أبنائهم أن وحش الرأسمال يسرق من أيديهم كل حقوقهم، ويتركهم عراة في فراغ التوحش الرأسمالي السياسي المسيطر.
هذا سوف يحبط محاولات نزع الشرعية الشعبية عن الحراك الطلابي والمطلبي الفرنسي، وهذا أيضاً، مع العنف الذي تواجه به السلطات الفرنسية الاحتجاجات، سوف يجعل قطاعات شعبية أخرى جاهزة للمشاركة في الحراك تحت قيادة "جيل زد".
خلال متابعتي لما يحدث في فرنسا، واستماعي لما يقوله قادة الحراك ممن لم تتجاوز أعمارهم العشرين سنة، لم أتمكن من عزل نفسي عن المقارنة مع الجيل نفسه في سوريا، رغم أن في المقارنة ظلماً كبيراً، فالجيل السوري نفسه لم يرث سوى ذاكرة عن الخوف والقمع والإقصاء والحرب والدمار والتهجير والنزوح والاندماج، وهي ذاكرة تمنع أصحابها من الاكتراث بقضايا مطلبية على الطريقة الفرنسية المتمردة، ذلك أن الشاب العشريني السوري حالياً لا يعرف إن كانت هويته وطنية أم دينية أم طائفية أم عائلية، ولا يعرف حقوقاً ليطالب باستعادتها، ولم يُتح له التفكير خارج إطار الموروث المجتمعي السوري القاتل حرفياً.
ففي حين يعتبر "جيل زد" الفرنسي المحتج اليوم أن قضية فلسطين وعلاقة الجمهورية الفرنسية مع إسرائيل ودعمها بالسلاح هي قضية مفصلية تستحق أن تكون جزءاً من الحراك، فإن القضية ذاتها بالنسبة إلى الجيل السوري المماثل هي قضية ذات بعد ديني، لا وطني ولا إنساني..
هو جيل يسعى إلى فهم ما تعنيه الدولة أولاً، فالدولة مفقودة، وبالتالي فإن كل ما يتعلق بها هو رفاهية ليس له أن يكون في واردها. حتى ذاكرة آبائه هي ذاكرة دمّرها الاستبداد والحرب والمجازر المتنقلة، وهي أيضاً لم تعرف لها حقوقاً تورّثها للأبناء.
هذا إضافة إلى أن علاقة "جيل زد" الفرنسي بالماضي الفرنسي علاقة واضحة، تشبه الوضوح الذي يضفيه النظام العلماني على المجتمع، في حين أن علاقة الجيل السوري نفسه مع ماضيه هي علاقة ملتبسة، لا فصل فيها بين الدين والسياسة، وبين الدين والمجتمع، وبين السياسة والمجتمع.
هذا الفرق يحفر في الوعي أيضاً، ويحفر في الموقف تجاه القضايا المجتمعية والوطنية والعالمية. ففي حين يعتبر "جيل زد" الفرنسي المحتج اليوم أن قضية فلسطين وعلاقة الجمهورية الفرنسية مع إسرائيل ودعمها بالسلاح هي قضية مفصلية تستحق أن تكون جزءاً من الحراك، فإن القضية ذاتها بالنسبة إلى الجيل السوري المماثل هي قضية ذات بعد ديني، لا وطني ولا إنساني، وهذا فرق جوهري يتعلق أولاً بالهوية التي يناضل الشاب الفرنسي لمنع تحولها إلى هوية ضيقة، في حين أن مثيله السوري لم يعرف يوماً ماذا تعني الهوية العابرة للدين أو للطائفة لصالح الوطن والإنسانية.
Loading ads...
سوف يبقى الحراك الفرنسي الطلابي الذي يقوده "جيل زد" علامة فارقة، رغم كل ما يحدث، وسوف يكون قدوة لأبناء الجيل نفسه في كل العالم. هذا منطق التاريخ والزمن، مهما كانت سلطة الماضي مهيمنة ومسيطرة.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه

