في مثل هذا اليوم، قبل ستة وعشرين عاماً، وأثناء عودتي من امتحان في الجامعة، استرعت انتباهي تلك الستائر السوداء التي أسدلها عمال البلدية على كل اللوحات الإعلانية بدمشق، إذ لم أكن قد علمت وقتئذ أنه رحل.
حاولت أن أحظى ببضع ساعات من النوم بعد عودتي حتى أستعد لامتحان اليوم التالي، غير أني صحوت على اتصال من صديقة هتفت مبهوتة: "توفى الرئيس"، هرعت لأستطلع الخبر من القناة الرسمية، أجل، الخبر صحيح، مات الذي قرر أن يحكمنا إلى الأبد.
عقدت الدهشة لسان الجميع، لدرجة أن البعض شككوا بمصداقيته، مسترجعين مروية متداولة تقول إن حافظ الأسد تعرض في وقت من الأوقات لوعكة صحية أفقدته الوعي، ثم توقف قلبه، فنقل إثر ذلك إلى ثلاجة الموتى، لكنه خرج منها ليحكم الشعب السوري مرة أخرى.
اعتبر خطيب أختي وقتئذ -وزوجها الآن- ذلك اليوم بمثابة يوم سعد وولادة جديدة بالنسبة له، بما أنه أمضى 14 عاماً من التعذيب والقهر في سجن تدمر بتهمة الانتماء لتنظيم الإخوان. وسيعيش هذا الإنسان نفسه لحظات ولادة أخرى عندما نشرت صغرى بناته صورتها مرتدية سوار علم الثورة- علم سوريا اليوم، قبل ساعات من سقوط نظام الأسد.
إثر إعلان موت الديكتاتور، صدحت المآذن بتلاوة القرآن، وأغلقت المحال التجارية، وتعطلت حركة السير، وبدت الحياة وكأنها توقفت في العاصمة طوال أربعين يوماً. كان الإحساس الذي فرضته علينا أجهزة المخابرات وقتذاك بأنه لا يحق لنا أن نعيش إن مات "قائدنا"، وإلا علينا أن ندفع الثمن بطريقة ما.
بعد أيام من الشلل، استغل أهلي هذه المناسبة لقضاء إجازة برفقة العائلة، وفي تلك الأثناء، جرى تثبيت ما أعلن عنه من تعديل للدستور بما يناسب عمر الرئيس الجديد، وذلك استعداداً لإجراء استفتاء يمهد لوصول الوريث إلى السلطة. أتذكر يومئذ كيف ضحك عمي هازئاً، وأخذ يكرر طوال الوقت جملة من مسرحية ضيعة تشرين: "وين الدستور؟.. أكله الحمار!"
بدأ الإعلام السوري واللبناني بتلميع صورة الأب والابن معاً، على اعتبار أن الثاني امتداد لنهج الأول، فصارت القناة الرسمية تعرض بين النشرات الإخبارية والتلاوات القرآنية برومو ترويجي يظهر الأب وهو يمارس فريضة الحج، ثم الابن وهو يؤدي مناسك العمرة على عجل، كما كرست حلقة من برنامج (خليك بالبيت) على قناة المستقبل للحديث عن مناقب الفقيد الذي يستحيل أن تنجب النساء مثله. ثم صارت مسيرات تؤيد وصول الابن إلى الحكم تجوب شوارع دمشق. لم يكن الشعب السوري يعرف آنذاك ظاهرة المسيرات المؤيدة التي يحشدها النظام لدعم أجنداته.
في البداية، حرص بشار على الظهور بمظهر من يحاول أن ينأى بنفسه عن نهج أبيه المتصلب وخطابه الخشبي، فقدم نفسه كإصلاحي في خطاب القسم وفي الإجراءات التي نفذها في بدايات حكمه. وسرعان ما أتى بوردة الصحراء، بريطانية المولد-أسماء، لتصبح "الوجه الجميل للديكتاتورية"، لكنها التهمت الصحراء- سوريا بكل ما فيها ومن فيها، على مدار 14 عاماً من حرب مدمرة، تحولت خلالها إلى سيدة الجحيم الأولى كما وصفها الإعلام الغربي، وذلك من خلال "أمانتها" السورية للتنمية. كما كشف زوجها بشار خلال الفترة ذاتها، عن وجهه الحقيقي: شخصية لامسؤولة، لكنها تعشق الظهور بمظهر المسؤول عن كل شيء، حتى ولو كان اغتيالات ومجازر وجرائم حرب، المهم ألا يظهر بمظهر الهش الذي يعيش في ظل أبيه العتيد.
راج الحديث عن الحرس القديم -أي بطانة الأسد الأب- خلال السنوات الأولى من حكم الابن، وهل سيتخلص بشار منهم ويبحث له عن بطانة جديدة، أم سيعجز عن ذلك. وحده الزمن هو الذي أثبت بأنهم هم من ثبتوا أركان حكمه، إذ لولاهم لما أصبح رئيساً لسوريا، وهذا ما أكده بطريقة غير مباشرة في أول خطاب له بعد اندلاع الثورة السورية، تلك الثورة التي خرج أهالي حمص في إحدى مظاهراتها بعد مجازر ارتكبها الأسد الابن بحق الشعب السوري، حاملين لافتات كتبوا عليها: (بشار حافظ الدرس!) في إشارة لاستمرار النهج الدموي وانتقاله من الأب إلى الابن بلا أدنى تغيير.
خلال مراسم التشييع المهيبة التي أقيمت لحافظ الأسد، أتذكر كيف قلت لمن حولي: "انظروا كيف نجا من الفضيحة بكل أناقة" كانت الفضيحة -لحداثة سني آنذاك- أصعب من المساءلة، غير أني استرجعت ما قلته بغتة مع بداية الثورة، عندما سمعت الجموع تهتف بصوت واحد: "ابن الحرام.. باع الجولان"، في إشارة لحافظ نفسه الذي أمر الجنود قبل سنوات طويلة بالانسحاب كيفياً من الجولان عندما كان وزيراً للدفاع. أجل، لم ينس الشعب كل ما فعله الأسد الأب، وها هي الدعوة للمحاسبة تطوله حتى وهو في القبر.
مع اقتراب قوات ردع العدوان من محافظة حماة، انتشرت عبر وسائل التواصل الاجتماعي أغنية (ميلي يا حماة ميلي) وهي أغنية حماسية من أغاني الثورة السورية اشتملت على شتيمة صريحة لحافظ الأسد، وأتى انتشارها الفيروسي عبر المنصات في تلك اللحظات الحاسمة كتشجيع للثوار ليتذكروا ما فعله الديكتاتور ببلدهم على مدى عقود، وليمضوا قدماً نحو تلك المدينة التي استقبلتهم بالزغاريد والأحضان فعلاً، فاعتبرت بيضة القبان التي قلبت الموازين، وأذنت بسقوط الأسد، وكيف لا، وهي المدينة التي لم تنس جرحها القديم، عندما دكها حافظ الأسد وشقيقه رفعت فجعلا عاليها سافلها وقتلا فيها أكثر من أربعين ألفاً وفقاً لأدنى التقديرات، ثم غادرا الحياة بلا عقاب ولا حساب.
طوال تلك السنين، وعلى الرغم من أن الثورة السورية لم تقم في عهده، ولم يكن هو السبب المباشر لقيامها، لم يغب اسم حافظ كمؤسس للديكتاتورية عن الأذهان، أليس هو من سن سنة التوريث في نظام حكم يفترض أنه جمهوري فسال لأجلها لعاب كل مستبد مؤمن بفكرة البقاء للأبد؟ أليس هو من جعل من "قلعة الصمود والتصدي" مطية لتجيير مصير بلد بأكمله -بشعبه ومقدراته- لمصلحة عائلة الأسد والدائرة المقربة منها؟ ألم تنتعش الدولة البوليسية في عهده وتشهد عصرها الذهبي ثم أورثها لابنه؟
تماماً كما اعتقد وريثه أنه خرج منتصراً من حربه على شعبه، فإن الأب ظن أنه سيخلد اسمه عبر توريث الحكم لابنه، وعلى الرغم من أنه حقق ما أراد، إلا أن "خلوده" في أذهان السوريين وبقاءه إلى الأبد أتى على طريقتهم لا طريقته.
أجل، لقد سقطت الديكتاتورية التي ابتدعها حافظ الأسد بعد 54 عاماً من الاستبداد والتسلط والاستخفاف بحكم دولة مثل سوريا، وشعب مثل الشعب السوري، يتظاهر بأنه نسي ويطأطئ رأسه حتى تمر عاصفة الطغيان، لكنه -مثله مثل كل الشعوب- يستحيل أن ينسى مهما طال الزمن، إذ بمجرد أن تسنح له الفرصة، يسارع لإخراج سجلاته، ثم يضع الميزان أمامه، ويعلن عن بدء المحاكمة في لحظة انفجار، ليثبت دوماً بأنه براغماتي أكثر من حكامه، وبأن ذاكرته أقوى من بطش كل من راهنوا على النسيان.
Loading ads...
أخيراً، يبقى السؤال: إن مَثُل بشار الأسد يوماً أمام العدالة، فهل ستُضاف إلى جرائمه جرائم أبيه التي ورثها عنه واستكملها سيراً على دربه؟ وهل تستطيع العدالة، بقوانينها الوضعية، أن تطال أولئك الذين كان الموت سفينة نجاتهم الوحيدة من عقاب ذاكرة الشعوب، تلك الذاكرة التي لا تسقط أحكامها بالتقادم؟
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً

