في زمن الحرب، لا تُقاس المعاناة فقط بعدد الضحايا أو حجم الدمار، بل تُقاس أيضًا بما يختلج في صدور الناس من مشاعر متضاربة، بين أملٍ يتشبثون به كقشة نجاة، وخوفٍ ينهش أرواحهم مع كل صافرة إنذار أو هدير طائرة.
في معركة "ردع العدوان"، لم يكن المدنيون مجرد متفرجين، بل كانوا في قلب الحدث، يعيشون تفاصيله لحظة بلحظة، يفرحون لتقدم المقاتلين، ويرتجفون من القصف الهمجي. وبين هذا وذاك، كانت الإنسانية تتجلى في أبهى صورها، من خلال مبادرات الإغاثة، والتكافل الاجتماعي، وصبر النازحين الذين حملوا الوطن في قلوبهم رغم البعد عن الديار.
الحالة النفسية المتأرجحة: بين الأمل والدمار
في مدينة إدلب، كانت "أم علي" تتابع الأخبار بلهفة منذ اللحظات الأولى لانطلاق المعركة. تقول: "كلي أمل بالنصر والفرج، ولكن الخوف كان منغصاً لفرحتنا بتقدم الثوار بسبب القصف الهمجي والانتقامي من الطيران الروسي والقصف المدفعي، حتى اضطريت إلى النزوح إلى أحد أقربائي في مدينة حارم لأبعد أطفالي عن القصف والموت".
تصف أم علي تلك الأيام بأنها الأصعب، لكنها لم تكن خالية من الأمل: "رغم همجية القصف، فرحة النصر كانت أقوى من أي شيء، بعد تحرير حلب وأرياف إدلب، أدركت أن النصر آت، وما هي إلا ساعات أخيرة للمعاناة الطويلة على مر 14 عاماً".
مشاعر متقلبة، بين دموع الخوف ودموع الفرح، كانت تختصر حال آلاف العائلات التي وجدت نفسها بين سندان الحرب ومطرقة الانتظار.
المساعدات الإنسانية في قلب المعركة: تعبٌ بطعم الفرح
في خضم القصف والنزوح، لم تتوقف الحياة، بل نهضت بأبهى صورها الإنسانية.
فاطمة، إحدى متطوعات الدفاع المدني، تروي: "كنا في حالة استنفار كاملة. سيارات الإسعاف، الممرضون، الأطباء، الإعلاميون… الجميع كان يعمل بلا توقف. حاولنا بكل طاقتنا تأمين الأهالي النازحة في مراكز إيواء في مدن حارم وسلقين، إضافة إلى تقديم الإغاثة والمواد الغذائية والبطانيات".
وتضيف: "تلك الأيام لا تغادر ذاكرتي، رغم التعب والجهد، كانت هناك فرحة تشفي كل شيء، كنا نشعر أننا نشارك في صناعة النصر، ليس بالسلاح، بل بالإنسانية".
لم تكن المساعدات تقتصر على المؤسسات، بل كانت هناك مبادرات فردية من الأهالي، فتحوا بيوتهم، تقاسموا أرزاقهم، واحتضنوا من شردتهم الحرب.
النازحون من خطوط التماس: بيوت ضيقة وقلوب واسعة
من قرية البارة في ريف إدلب الجنوبي والمحاذية لخط التماس مع كفرنبل، نزح أبو مصطفى مع عائلته إلى ريف إدلب الشمالي يقول: "منذ بداية المعركة، لجأت إلى بيت أحد أصدقائي، تكفل بعائلتي بالكامل، وكان البيت يضم أربع عائلات نازحة من مناطق مختلفة، هرباً من القصف الممنهج".
ويتابع: "أيام التحرير كانت أشبه بالحلم. واصلنا الليل بالنهار نتابع أحداث المعركة. كان ينام النساء والأطفال في غرفة، والرجال في أخرى. رغم ضيق المكان، الروح الاجتماعية والإنسانية كانت أقوى من أي شيء".
في تلك البيوت المؤقتة، تشكلت عائلات جديدة من التضامن، وتجاوز الناس خلافاتهم وانتماءاتهم، ليتوحدوا تحت راية واحدة: راية النجاة والكرامة.
الأمل بالنصر: ضوء في نفق القصف
رغم الفرح بالنصر وتقدم الثوار لم تغب مشاعر الخوف عن قلب "أم أحمد" والدة شرطي يعمل في المشفى الجامعي بإدلب، تروي أصعب لحظاتها: "عندما قرأت خبر قصف المشفى وابني بداخله، كاد قلبي أن يتوقف، حاولت الاتصال به، لكن الإنترنت كان مقطوعاً، لحظات من العلقم شعرت فيها أن الحياة انتهت".
لكنها تختم بدمعة أمل: "رغم كل شيء، كنا نعلم أن النصر قريب، كنا نعيش على هذا الأمل، وكان يمدنا بالقوة لنصمد".
معركة "ردع العدوان" لم تكن مجرد فصل عسكري في تاريخ الثورة السورية، بل كانت مرآة تعكس عمق التجربة الإنسانية التي عاشها السوريون. بين الفرح والرعب، تشكلت حكايات ستبقى محفورة في ذاكرة الوطن. حكايات عن نساء نزحن بأطفالهن، عن رجال فتحوا بيوتهم للغرباء، عن متطوعين لم يناموا لأيام، وعن أملٍ لم ينطفئ رغم كل شيء.
Loading ads...
في زمن الحرب، لا ينتصر فقط من يحمل السلاح، بل من يحمل الكلمة، والمساعدة، والرحمة. وهؤلاء، كانوا أبطالًا بصمت، صنعوا من الألم جسراً نحو النصر.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه

