لم يكن مساء الأربعاء الماضي (20 أيار) في صالة سينما سيتي بدمشق مجرد عرضٍ لفيلم جديد، بقدر ما بدا وكأن دمشق تستعيد أبناءها دفعة واحدة؛ وجوه أهل الفن من كتّاب وممثلين ومخرجين، إضافة إلى الدماء الجديدة من خريجي المعهد العالي للفنون المسرحية، جميعهم فرّقتهم السنوات الثقيلة، عادوا ليجلسوا جنباً إلى جنب في عرض خاص احتضنته الصالة بعد التحرير، بدعوة من شركة إنتاج فيلم "اليوم صفر" للمخرج مجيد الخطيب، في الخامسة مساءً امتلأت الصالة بأحاديث تشبه لمّات الأصدقاء بعد غياب وانتظار لمشاهدة فيلم جال بين بلدان العالم، حصد الجوائز، وعاد إلى بيته بين أهله وناسه.
قدّم الفنان ياسر البحر صديقه المخرج مجيد الخطيب قبل بدء العرض بحفاوة، نزل إلى منصة العرض برفقة فريق الفيلم، ومعظمهم من خريجي قسم التمثيل والتقنيات المسرحية في المعهد العالي للفنون المسرحية، ليستهل الخطيب كلامه بالحديث عن فكرة الفيلم التي زارت أفكاره قبل نحو عشر سنوات، خلال دراسته السينما في الولايات المتحدة، مؤكداً أن "اليوم صفر" لم يكن ليرى النور لولا وجود شركاء "يؤمنون بالسينما كقيمة فنية، لا كمشروع تجاري فقط"، وأضاف أن الشركة المنتجة خاضت مغامرة في العام 2024 سنة إنتاج الفيلم الذي "يناقض السردية الرسمية لنظام الأسد في ذلك الوقت، ويحمل خطاباً كنّا نتناقله همساً".
وتوقف الخطيب عند تجربة التصوير داخل مخيم اليرموك، موضحاً أن الفريق واجه معضلة أخلاقية تتعلق بالتصوير داخل بيوت مهجّرة لا يُعرف مصير أصحابها، قبل أن يفتح مدير التصوير أمين أبو القاسم، وهو من أبناء المخيم، منزل جده المدمّر أمام فريق العمل ليكون صاحب النصيب الأكبر من مشاهد التصوير.
النظرة الأولى لبوستر العمل سمحت لنا أن نرى غراباً يقف على مقدمة قارب مطاطي يطفو على بحر تغطيه غيوم سوداء، يعاكسه كلب أليف يقف على أرض ثابته وفوقه شمس النهار، هذه الرمزية وجدناها بين دقائق الفيلم، فهو ينتمي إلى الدراما النفسية الحربية.
تبدأ الدقائق الأولى من الفيلم بعام 2012 مع مجموعة من الرسائل الصوتية والتي تقول خلالها "سلافة" (مرح حجاز) التي تدرس الطب في برلين لحبيبها "مروان" (علي كامل الدين) كم أنها تحبه، لتشاهد عبر هاتفها المحمول مشاهد للمظاهرات التي شكّلت انطلاقة الثورة في سوريا، لننتقل في المشهد التالي إلى العام 2017 فنجد "سلافة" تخيط جرحاً مزق بطن "سكار" المصور الأجنبي الذي دخل البلاد عبر البحر لتوثق آلة التسجيل خاصته الحرب، في بيت نال من الحرب ما ناله، يركض باتجاهها ابنها "سارية" (جاد دباغ) الذي أنجبته من "مروان"، فترفع يدها بإشارة واضحة له بالتوقف، وهنا نلحظ سماعة أذنه التي دونها لا يستطيع أن يسمع العالم.
بين "سلافة" و "سكار" تنشأ علاقة متوترة تقوم على صدام رؤيتين مختلفتين للنجاة، فهي تؤمن بالنجاة الجماعية، بينما يتعامل هو مع النجاة بوصفها فعلاً فردياً، ويطرح الفيلم عبر حواراته التي كان أغلبها باللغة الإنكليزية أسئلة حول أخلاق الصورة وحدود التوثيق، وهو ما تختصره الجملة المحورية التي سمعناها على لسان بطلة العمل "في الحياة ليس كل شيء يستحق أن يُصوَّر أو يُوثَّق".
الغراب الذي وظّفه المخرج ليدل على عمق الخراب بين ثنايا الموت، وضع مقابله الكلب "ميجور" الذي له اسم وقصة وحياة مع هذه العائلة الصغيرة المحاصرة، فقد احتضنه "مروان" بعد وفاة أمه ورباه، لتكمل سلافة المهمة وتدربه على شمّ رائحة الغاز والطعام، ويساعدها أيضاً في تنبيه "سارية" عن أي خطر محدق، لكنه في النهاية يلقى مصيره، فنرى ذكرياته وهو يقتحمها "سكار" بعباراته المؤذية التي تقابلها دموع "سلافة".
يأخذ الغراب المساحة الأكبر، نراه عندما قضى "مروان" وهو يحاول إنقاذ الناس، وأيضاً لحظة دخول الرصاصة القاتلة التي دخلت من فتحة النافذة الصغيرة وأنهت حياة "سلاف"، هنا يستيقظ "سكار" من كوابيسه ويقرر النجاة بمفردة بعد أن التقط لتلك الجثة الميتة وبجانبها طفلها بعض الصور، يترك الطفل وحيداً ويغادر بعد أن انتزع سماعته.
في تصريح خاص لموقع تلفزيون سوريا، قال الخطيب إن عنوان "اليوم صفر" يشير إلى لحظة انتهاء حياة الشخصيات بشكلها القديم وبدء حياة جديدة مختلفة بالكامل.
وأضاف أن الإنسان السوري الذي عاش الحرب "بات يعيش كل يوم وكأنه اليوم صفر من جديد"، مؤكداً أن عرض الفيلم في دمشق يعني له أكثر من أي مشاركة خارجية، لأن "الاستحقاق الحقيقي لأي عمل فني أن يُعرض بين أهله وناسه أولاً".
وعن النهاية المثيرة للجدل، خاصة في المشهد الذي يخلع فيه "سكار" سماعة الطفل، أوضح الخطيب أنه تعامل معها بوصفها "نوعاً من الموت الرحيم"، مضيفاً: "كأن الشخصية تخبره بأنه عندما يأتي الموت، لن تسمعه".
الفنانة مرح حجاز قالت في تصريح لموقع تلفزيون سوريا أيضاً، إن أكثر ما جذبها إلى الشخصية هو عمقها الإنساني، خاصة أنها تعود من أوروبا إلى قلب الحرب بدافع الحب.
وأضافت أنها حاولت خلال التحضير للدور الاقتراب من أشخاص عاشوا تجارب مشابهة، مؤكدة أن "الحب قادر على تغيير مسار حياة الإنسان بالكامل".
كما أشارت إلى أن العمل على شخصية الأم داخل الحصار كان مرهقاً نفسياً، خصوصاً مع وجود طفل يعاني من مشكلة سمعية وسط ظروف قاسية، معتبرة أن الفيلم يقترب من حكايات عاشها السوريون بصمت “ورحل بعضهم من دون أن يتمكن من روايتها”.
بدوره، قال الفنان مرهف الكراد إن شخصية "سكار" تمثل نموذجاً لشخص "يبرر الغاية بالوسيلة"، موضحاً أن الفيلم يناقش كيف يمكن للإعلامي أن يفقد إنسانيته أثناء ملاحقته للصورة.
وأشار الكراد إلى أن التحضير للشخصية استمر لأشهر طويلة، خاصة مع تحدي الأداء بلغة أجنبية، مضيفاً أن المشهد الأخير، حين يخلع "سكار" سماعة الطفل، لا يقوم على القسوة فقط، بل على فهم الشخصية لمعنى الخوف، "فهو شخص لا يسمع أيضاً".
مدير الإضاءة حيدر الحامض أكد أن الفيلم شكّل التجربة الروائية الطويلة الأولى لمعظم الفريق التقني، مشيراً إلى أن التحضير البصري استمر نحو ثلاثة أشهر، جرى خلالها تصميم الإضاءة وحركة الكاميرا داخل لوكيشن واحد تدور فيه معظم الأحداث.
أما السينوغراف غيث مرزوقي، فقال إن الفريق حاول بناء فضاء بصري "يشبه الحلم والكابوس معاً"، عبر تفاصيل تحمل أبعاداً نفسية ورمزية، من غياب الكهرباء والماء، إلى الأوراق الملصقة في الحمام التي تستخدمها الأم مع الطفل للتواصل داخل المنزل المحاصر.
الفنان ياسر البحر، الذي قدّم الخطيب قبل العرض، اعتبر في تصريح خاص لموقع لتلفزيون سوريا أن الفيلم يمثل نموذجاً لما وصفه بـ "الفنان المشتبك مع مجتمعه"، مشيراً إلى أن أهمية عرض الفيلم في دمشق تكمن في مواجهته المباشرة مع جمهوره المحلي، لا باعتباره مادة للترفيه، بل عملاً يلامس الذاكرة والعنف والأسئلة الثقيلة التي عاشها السوريون، وأضاف أن ما فعله الخطيب “ليس مجرد صناعة فيلم داخل جدران مدمرة، بل محاولة لإعادة وضع الفن في مواجهة واقعه الحقيقي”.
"اليوم صفر" فيلم روائي طويل من إنتاج شركة Pentalens Arts & Entertainment عام 2024، وهو من تأليف وإخراج مجيد الخطيب، وبطولة مرح حجاز، ومرهف الكراد، وعلي كامل الدين، والطفل جاد دباغ.
Loading ads...
وحصد الفيلم جائزة أفضل إخراج لفيلم روائي طويل في كوريا الجنوبية، إلى جانب جائزتي لجنة التحكيم الخاصة في مهرجاني عنابة والإسكندرية، قبل أن يصل أخيراً إلى دمشق المدينة التي خرجت منها حكايته الأولى.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً

