5 أشهر
المرأة السورية في المرحلة الانتقالية ومقاومة الأبوية المتجدِّدة
الأحد، 7 ديسمبر 2025
يعدُّ تغيُّر دور المرأة السورية، خلال سنوات الحرب، تحولاً عميقاً طال البنية الذهنية للمجتمع السوري، التي ما زالت في مرحلة التكوُّن والتشكُّل، إذ دفعت الظروف القاسية عدداً كبيراً من النساء إلى دخول مجالات لم تكن متاحة لهنَّ سابقاً، كدخول سوق العمل، وإدارة الأسرة، وتولي مسؤوليات اقتصادية واجتماعية، ومواجهة تبعات النزوح والفقدان. هذه التجارب، رغم قسوتها البالغة، أفرزت تحولاً لا يمكن التقليل من أهميته، إذ شكَّلت لحظة اضطرارية دفعت المجتمع إلى إعادة النظر في قدرات المرأة وحدود أدوارها، كما أسهمت في بناء تصوُّر جديد عن قدرتها على المبادرة والفعل، الأمر الذي جعل هذا التحوُّل، رغم ألمه، خطوة ضرورية كان لا بدَّ من مرور المجتمع بها كي يعيد فهم ذاته وعلاقاته ومرتكزاته الاجتماعية.
إنَّ التجربة اليومية التي عاشها المجتمع السوري دفعته إلى إعادة التفكير في توزيع الأدوار بين الجنسين، فالحياة في زمن الحرب لم تترك مساحة للمفاهيم التقليدية التي كانت تحصر المرأة في دائرة الرعاية المنزلية. تلك التحولات العملية أنتجت بنية ذهنية جديدة، ظهرت داخل الوعي الجمعي السوري بصورة تدريجية، إذ بات التعامل مع ظهور المرأة في المجال العام احتمالاً واقعياً خرجت فيه عن المألوف. ورغم ذلك، ما يزال المجتمع السوري في المرحلة الانتقالية محكوماً بذهنية أبوية متجذِّرة يصعب التخلص من تبعاتها، إلا أنَّها لم تعد الذهنية ذاتها التي كانت تحكم الحياة قبل التحوُّلات الأخيرة، فالنظام الأبوي لم يتراجع، لكنَّه غيَّر لغته وآلياته، فأصبح يقدِّم نفسه ضمن إطار أكثر مرونة، حيث منحت المرأة مساحات جديدة ظاهرياً، بينما بقيت مراكز القرار راسخة داخل بنية ذكورية تعيد صياغة سلطتها بما يتناسب مع الظروف المستجدة.
لم تعد الأبوية، في شكلها الراهن، تعتمد خطاب التفوُّق الصريح، فما نراه على أرض الواقع ليس إلا محاولة لإظهار انفتاح شكلي على مشاركة النساء، مع الحفاظ على السيطرة من خلال إعادة توزيع الأدوار بطريقة تحافظ على الهيمنة القديمة. وبذلك غدت الأبوية المتجدِّدة أقل صداماً وأكثر مهارة في تكيُّفها مع لغة المرحلة الانتقالية، ويظهر ذلك بوضوح مع تزايد حضور الخطابات الرسمية التي تتحدَّث عن تمكين النساء ودعم مشاركتهنَّ، فالحكومة الانتقالية نفسها تحاول أن تظهر توجُّهاً نحو رفع نسب مشاركة المرأة داخل مؤسسات الدولة، إذ تحمل خطاباتها الرسمية إشارات واضحة إلى رغبة في بناء نموذج حكم أكثر انفتاحاً وأكثر تمثيلاً للنساء، غير أنَّ هذه الرغبة تبدو في كثير من الأحيان أقرب إلى موقف شكلي منها إلى إرادة سياسية فعلية، فالخطاب العام يعلن دعم مشاركة النساء في مواقع صنع القرار، لكنَّ الواقع يكشف عن فجوة واضحة، وهذا ما نلاحظه في المواقع القيادية الأساسية التي ما تزال تحت سيطرة رجال يمثلِّون امتدادات للبنية الذهنية التقليدية.
إنَّ المشاركات النسائية التي نشهدها في المرحلة الانتقالية لا تتجاوز الحدود التي لا تهدِّد مركز الهيمنة، ما يجعل الخطاب الرسمي في حالة انفصال عن التطبيق العملي، وهذا التفاوت بين الخطاب والممارسة يظهر أنَّ التحول السياسي لا يكفي وحده لإعادة تشكيل بنية اجتماعية تمتد جذورها عميقاً داخل الثقافة المحلية، فالمجتمع الذي عاش طويلاً ضمن نسق سلطوي قائم على الامتثال ما يزال ينتج مقاومة ضدَّ أيِّ تغيير يمسُّ مفهوم السلطة ذاتها، سواء داخل الأسرة أو المؤسسة.
بالإضافة إلى أنَّ المرحلة الحالية في سوريا تعدُّ من أصعب الفترات التاريخية التي مرَّ بها المجتمع، إذ تتداخل فيها آثار الحرب مع غياب الاستقرار السياسي، كما تتزامن هذه المرحلة مع تحولات اقتصادية واجتماعية هائلة تضغط على كلِّ فئات المجتمع، ومنها النساء. هذه الصعوبة ترتبط ارتباطاً وثيقاً بارتباك الوعي الجماعي الذي يعيش حالة انتقالية لم تستقر فيها القيم الجديدة بعد. لذلك فإنَّ النساء يواجهن تحدِّيات مضاعفة؛ تحديات ناتجة عن استمرار الذهنية الأبوية، إضافة إلى تحديات تتعلَّق بفرص العمل، وانعدام الأمن، وتراجع الخدمات الأساسية، وانتشار الفقر.
ولا شكَّ أنَّ المرأة السورية التي اكتسبت دوراً أكبر خلال الحرب تواجه الآن محاولة لإعادة ضبط موقعها وفق معادلات سياسية واجتماعية جديدة، بعضها يهدف إلى احتواء صعودها، وبعضها يعترف بدورها، لكنَّه يشترط عدم تجاوز حدود معينة. ورغم تلك التحديات، يستمر التحوُّل الاجتماعي المدفوع بالتجربة المعيشة، فالنساء اللاتي قدن أسرهنَّ خلال الحرب أو شاركن بفاعلية في مشاريع مجتمعية يصعب إعادتهنَّ إلى موقع التبعية القديم. فالتجربة التي عاشتها المرأة صنعت قناعة ذاتية لدى كثير من النساء بقدرتهنَّ على اتخاذ القرار، كما صنعت قناعة لدى شرائح واسعة داخل المجتمع بأنَّ تحمُّل المرأة للمسؤولية لم يكن حالة استثنائية، إذ يمكن البناء على هذه التجربة للوصول إلى الشكل الأمثل الذي ينبغي أن تكون عليه مكانة المرأة السورية.
Loading ads...
إنَّ التحوُّل الحقيقي في سوريا اليوم يقوم على مخاض وعي جديد يتشكَّل ببطء، ومستقبل هذا التحوُّل يعتمد على قدرة المجتمع الانتقالي على تجاوز القيود القديمة، وعلى إرادة الحكومة الانتقالية في تحويل خطابها الداعم للنساء إلى إجراءات ملموسة. ومع أنَّ الطريق ما يزال طويلاً، إلا أنَّ البنية الذهنية التي ولَّدتها سنوات الحرب تحمل إمكانات كبيرة لتغيير موقع المرأة داخل المجتمع السوري، شريطة أن تساند السياسات الجديدة التجربة بدل أن تحاصرها؛ لأنَّ أي محاولة للعودة إلى النظام الأبوي التقليدي سيحجِّم الخبرات التي اكتسبتها المرأة السورية، وسيضع المجتمع أمام انتكاسة لا يمكن تحمُّل تبعاتها في مرحلة تحتاج إلى كلِّ طاقة بشرية قادرة على إعادة البناء والترميم.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه

