شكّل تصويت مجلس الشيوخ الأميركي، مساء أمس الأربعاء، لصالح موازنة الدفاع الوطني لعام 2026، والتي تضمّنت ملحقًا يقضي بإلغاء قانون قيصر المفروض على سوريا، محطة مفصلية في مسار العقوبات التي كبّلت البلاد لسنوات، وجاء إقرار المشروع بأغلبية 77 صوتًا مقابل 20، في خطوة تُمهّد عمليًا لإنهاء أحد أكثر القوانين تأثيرًا على الاقتصاد السوري ومفاصل الدولة.
ومع تصويت مجلسي النواب والشيوخ لصالح الموازنة، بات توقيع الرئيس الأميركي دونالد ترمب الإجراء الأخير لاستكمال المسار، وهي خطوة وصفها رئيس الشؤون السياسية في المجلس السوري الأميركي محمد علاء غانم بأنها "بروتوكولية" ومتوقعة خلال أيام، ما يعكس تحوّلًا واضحًا في المقاربة الأميركية تجاه الملف السوري بعد مرحلة طويلة من العزل والعقوبات.
غير أن أهمية هذا التطور لا تتوقف عند حدوده القانونية أو الاقتصادية، بل تمتد إلى ما يمكن أن يتركه من أثر مباشر على الداخل السوري، في ظل واقع جغرافي منقسم وسلطات أمر واقع متباينة.
فهل يفتح رفع قانون قيصر الباب أمام تعزيز شرعية الحكومة السورية، وتنشيط الاستثمار، وإعادة ربط المناطق السورية ضمن مسار اقتصادي وإداري واحد؟ أم أن العقوبات لم تكن سوى عامل واحد في معادلة أكثر تعقيداً لتوحيد الجغرافيا السورية؟
تنمية تعزّز الشرعية الداخلية
لا يقتصر رفع عقوبات قانون قيصر على كونه خطوة اقتصادية بحتة، بل ينطوي على أبعاد سياسية واجتماعية أعمق، تتصل بإعادة بناء العلاقة بين الدولة والمجتمع. فالتنمية الاقتصادية ـ بحسب مراقبين ـ عندما تكون تدريجية وملموسة، تتحول إلى أحد أهم مصادر الشرعية الداخلية، عبر استعادة ثقة المواطنين بقدرة الدولة على تلبية احتياجاتهم، وبسط دورها بوصفها الإطار الجامع لإدارة الموارد وتحقيق الاستقرار.
وفي هذا السياق أكدت وزارة الخارجية الأميركية، في بيان صادر عنها في تشرين الثاني الماضي حول رفع العقوبات المفروضة على سوريا؛ أن الهدف من هذه الخطوة هو منح السوريين فرصة حقيقية للانتعاش الاقتصادي، ودعم الاستقرار، وتمكين مؤسسات الدولة من أداء وظائفها الأساسية، مشددةً على أن تخفيف القيود الاقتصادية يهدف إلى الحد من الفوضى، وتقليص اقتصاد الظل، وتهيئة بيئة تسمح بإعادة بناء الاقتصاد على أسس أكثر استدامة.
من جانبه يرى الباحث السياسي بسام سليمان أن نتائج رفع قانون قيصر لن تكون فورية، لكنها ستظهر بوضوح على المدى المتوسط، موضحًا أن تنمية اقتصادية تدريجية ستسهم في تعزيز الشرعية الداخلية للحكومة السورية، وستدفع أطرافًا كانت بعيدة عن مسار بناء الدولة إلى الالتفاف حول هذا المسار، عندما تلمس نتائج ملموسة على الأرض.
ويضيف سليمان في حديثه لموقع تلفزيون سوريا، أن وجود دولة تعمل على تحقيق مسار تنموي حقيقي، وتراعي احتياجات الناس وتوجهاتهم، سيؤدي بطبيعة الحال إلى تراجع دور الفواعل ما دون الدولة، موضحًا أن السكان، حتى في المناطق التي تسيطر عليها هذه الفواعل، سيبدؤون بالتساؤل عن جدوى استمرارها في ظل غياب التنمية والانتعاش الاقتصادي.
وبحسب سليمان، فإن رفع قانون قيصر يشكّل خطوة محورية في مسار بناء الدولة، وإنهاء اقتصاد الحرب، وتقليص نفوذ القوى الخارجة عن إطار الدولة، لصالح سلطة تستند إلى التنمية بوصفها مصدراً للشرعية والاستقرار.
تأثير سياسي غير مباشر
تنظر الحكومة السورية إلى رفع قانون قيصر باعتباره خطوة نحو تعزيز التعاون الدولي وإعادة دمج الاقتصاد السوري في النظام المالي العالمي، مما يمهّد لتحسين المناخ السياسي والأمني في أجزاء متعددة من البلاد بعد سنوات من العزلة والعقوبات.
ويرى اقتصاديون أن رفع العقوبات يفتح آفاقًا جديدة للتعامل الاقتصادي ويخفّف من الضغوط التي كانت تعيق إعادة الإعمار واستقرار المناطق المختلفة في سوريا، وهو ما يمكن أن يسهم في إعادة تشكيل العلاقات بين الجهات الفاعلة داخل البلاد ومع شركائها الإقليميين والدوليين.
في هذا السياق يوضح الباحث أحمد قربي، مدير وحدة التوافق في مركز الحوار السوري، أن تأثير رفع العقوبات على توحيد الجغرافيا السورية هو تأثير غير مباشر بطبيعته، مشيراً إلى أن رفع قانون قيصر يمثّل رسالة سياسية واضحة من الولايات المتحدة والعالم الغربي والعربي لدعم الحكومة السورية، لكن الدول عادة لا تتخلى عن جميع أوراقها دفعة واحدة، وحتى واشنطن لن تتخلى عن قسد بهذه السهولة.
ويقول قربي لموقع تلفزيون سوريا إن رفع قانون قيصر قد يسهم في زيادة الضغوط السياسية على كل من قسد وجماعة الهجري، لكنه يستبعد أن يقود ذلك بشكل مباشر إلى توحيد الجغرافيا السورية، لعدة أسباب أبرزها: أن الإشكاليات الجغرافية القائمة ليست مرتبطة أساسًا بملف العقوبات، فضلًا عن وجود فواعل مستقلة عن هذا السياق، وعلى رأسها إسرائيل، التي تمارس دورًا مؤثرًا في سوريا سواء رُفع قانون قيصر أم لا، بل وكانت من الجهات التي سعت سابقًا إلى الإبقاء عليه.
ويوافق الباحث في مركز جسور الباحث قربي في هذا الرأي بالقول: إن رفع قانون قيصر بشكل كامل سيكون باباً رئيسياً ومهماً لفتح أبواب تؤثر بشكل إيجابي في حل الأزمات منها أبواب الاستثمار وتعافي الاقتصاد.
ويستدرك علوان في حديثه لموقع تلفزيون سوريا بالقول: ولكن توحيد الجغرافيا السورية يظل رهين مسارات سياسية وأمنية أعمق، تتجاوز ملف العقوبات الاقتصادية، وتحتاج إلى توافقات داخلية وضمانات إقليمية ودولية، في حين يبقى رفع قانون قيصر عاملًا مساعدًا ومكمّلًا، لا أكثر في هذا المسار المعقّد.
امتحان للحكومة قبل توحيد سوريا
لا يفتح رفع قانون قيصر الباب تلقائيًا أمام توحيد الجغرافيا السورية، بقدر ما يضع الحكومة السورية أمام اختبار عملي لقدرتها على الانتقال من مرحلة كسر العزلة إلى مرحلة بناء دولة مستقرة، فإلغاء العقوبات يشكّل فرصة سياسية واقتصادية مهمة، لكنها تبقى فرصة مشروطة بإصلاحات ملموسة تسبق الحديث عن نتائج كبرى على مستوى وحدة البلاد.
وبحسب النص التشريعي الكامل لمشروع موازنة الدفاع الأميركية، تنص الفقرة (أ) على إلغاء كامل العقوبات المفروضة على سوريا بموجب قانون قيصر لعام 2019، في حين تضع الفقرة (ب) آلية رقابة سياسية وأمنية لاحقة تُلزم الرئيس الأميركي بتقديم تقارير دورية إلى الكونغرس لمدة أربع سنوات، تتضمن تقييمًا علنيًا وغير سري، مع ملحق سري عند الحاجة، حول التزام الحكومة السورية بجملة من المعايير، أبرزها: مكافحة تنظيم داعش والتنظيمات المصنفة إرهابية، احترام حقوق الأقليات الدينية والإثنية، إبعاد المقاتلين الأجانب عن مواقع القرار، مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، تنفيذ اتفاق 10 آذار/مارس 2025 مع قوات سوريا الديمقراطية.
من جانبه يؤكد السياسي السوري–الأميركي أيمن عبد النور أن رفع قانون قيصر يُعدّ خطوة مفصلية في مسار استقرار سوريا وإعادة بنائها، لكنه لا يمثل نهاية الطريق، مشددًا على أن نجاح هذه الخطوة مرهون بالتزام الحكومة السورية بتنفيذ البنود الثمانية الواردة في قرار الكونغرس الأميركي المتعلق بآلية إلغاء القانون ومتابعته.
ويشير عبد النور، في حديثه لموقع تلفزيون سوريا إلى أن المستثمرين قد يبدون ترحيبًا مبدئيًا بإلغاء قانون قيصر، لكنهم لن يغامروا بالدخول إلى السوق السورية ما لم تتوافر بيئة استثمارية حقيقية وواضحة، موضحًا أن هذه البيئة تبدأ بوجود محاكم تجارية مستقلة، وغرف تحكيم دولية، وبنية طاقة مستقرة بأسعار تنافس دول الجوار، إضافة إلى يد عاملة فنية مؤهلة وبنية تحتية قادرة على استيعاب المشاريع الكبرى.
كما يشدد على ضرورة اعتماد سياسات نقدية ومالية شفافة ومعلنة، وإعلام حر، وضمانات أمنية فعلية، معتبراً أن توفير هذه الشروط هو المدخل الحقيقي لجذب الاستثمارات، وليس مجرد رفع القيود القانونية.
Loading ads...
في النهاية يمكن القول إن رفع قانون قيصر ليس مكسبًا نهائيًا بقدر ما هو مرحلة اختبار لجدية الحكومة السورية في بناء دولة قادرة ومقبولة داخليًا وخارجيًا، فقبل الانتقال إلى ملف توحيد الجغرافيا، يبقى التحدي الحقيقي في ترسيخ مؤسسات فاعلة، وبيئة اقتصادية آمنة، وحوكمة شفافة، تضمن أن ما بعد قيصر لن يكون مجرد رفع عقوبات، بل بداية مسار استقرار مستدام.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً


