ثمة نزوع سوري عام، يتزايد يومًا بعد يوم، نحو التسطيح والاختزالية والأحكام المطلقة. فما زالت السلطة الانتقالية تتعامل مع التحديات بسلوك وبرامج إعلامية ديماغوجية، إذ ما زال يغلب على سلوكها استغفال الناس مظنَّة عدم معرفتهم بالتحديات والآفاق. ومن أمثلة ذلك ازدياد عملية توظيف الخطابات والكتابات السياسية من قبل ذبابها الإلكتروني وإعلاميها، بما يشوبها من النواقص والسلبيات، التي من ضمنها الانتقائية والجزئية فيما يتعلق بتضخيم الموازنة وحجوم الاستثمارات. مما يؤدي إلى مفاقمة الجهل بمعطيات الواقع المعاشي للسوريين، حيث تشير المعطيات إلى وصول نسبة الفقراء إلى ما يزيد عن 80 بالمائة من المواطنين الموجودين داخل سوريا. مما يفرض مهامًا داخلية كثيرة أمام السلطة في مقدمتها الحدَّ من أعباء العيش على المواطنين، إذ إنّ الفقر المتزايد يشكل بيئة مناسبة لتهديد السلم الأهلي. في حين أننا أحوج ما نكون إلى تنمية تشاركية بين مختلف القطاعات، وتشريعات ضامنة ومؤسسات وقضاء مستقل، وحوكمة رشيدة تقوم على المساءلة والشفافية.
وعليه فقد ساهمت الخطابات الديماغوجية في إشاعة وعيًا سطحيًا لدى قطاعات واسعة من أنصار هذه السلطة، على حساب تقديم وجهة نظر واقعية تساعد على التعاطي المجدي مع التحديات.
والنتيجة فإنّ مثل هذه التوظيفات الديماغوجية والخطابات الشعبوية لا تساهم في تعزيز المعرفة الحقيقية بالمخاطر والتحديات، الناتجة عن بنية السلطة القائمة، حيث تنطلق من اعتبار سوريا غنيمة حرب لأمراء أخوة المنهج السلفي الذين يتحكمون في أغلب المناطق السورية، بل تساهم في زيادة المخاطر على وحدة سوريا، إذ نتساءل عن تأثير خطف النساء، خاصة العلويات والدرزيات، ومعنى وجود " بيت للأخوات " في أكثر من منطقة تحت إشراف مشايخ سلفيين وبحماية أمنية من قبل أجهزة السلطة؟
والمعنى فإنّ الارتقاء في فهمنا للتحولات السورية، منذ 8 من كانون الأول/ديسمبر 2024، بأزماتها وإنجازاتها، بنجاحاتها وإخفاقاتها، ليس له علاقة بأوهام البعض عنها، ولا بالمقاييس التي نقيس بها مجريات الأمور، ولا بالرغبات التي نتمنى إسقاطها عليها، وإنما له علاقة برؤيتنا الموضوعية للأمور والتعمُّق في حقيقة الأشياء واستخدام وسائل التدقيق الموضوعية. ولا شكَّ أنّ هكذا معرفة هي التي تمكِّننا من وعي طبيعة التحولات، وحدود تناقضاتها، وإدراك عناصر قوَّتها، ذات المصدر الإقليمي والدولي، وضعفها في بنيتها الداخلية ومدى استجابتها لمتطلبات تقدم الشعب السوري. بما يمكِّننا من الاستعداد للتعاطي المجدي مع التحدِّيات التي يطرحها علينا الواقع العياني، في مختلف الجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، ومن ضمن ذلك تمكين السوريين من توظيف حراكاتهم السلمية، للتأثير على مسارات السلطة، على أمل إعادة النظر في توجهاتها الفئوية الضيقة، وبالتالي إعادة صياغة المعادلة الوطنية، من خلال حوار وطني شامل لكل ممثلي المكونات السياسية والاجتماعية السورية.
مما يتطلب الإقلاع عن الخطاب الغائم حول " الفلول "، وتفعيل العدالة الانتقالية الحقيقية، ليست الانتقائية أو الانتقامية، بما تتضمنه من محاكمات عادلة وجبر الضرر لفتح أفق السلم الأهلي. كما الإقلاع عن اتهام معارضي السلطة الانتقالية بـ " المتآمرين "
مما يتطلب الإقلاع عن الخطاب الغائم حول " الفلول "، وتفعيل العدالة الانتقالية الحقيقية، ليست الانتقائية أو الانتقامية، بما تتضمنه من محاكمات عادلة وجبر الضرر لفتح أفق السلم الأهلي. كما الإقلاع عن اتهام معارضي السلطة الانتقالية بـ " المتآمرين "، باعتبارها مشجبًا عُلِّقت عليه الأزمات المتنوعة التي يعاني منها الشعب، في حين يتم تغييب أدوار القوى الإقليمية والدولية في التغلغل والتأثير على تعميق الأزمات الداخلية.
إنّ الدولة فضاء عمومي لكل المواطنين يحكمه القانون المتوافق عليه، مما يفترض تقديم أهل الكفاءة والمصداقية الوطنية على أهل الولاء من أخوة المنهج السلفي. بهدف تأمين الحاجات الأساسية للمواطنين: التعليم، والصحة، والسكن، والعمل. مما يتطلب التنمية الشاملة لاستثمار الموارد الطبيعية والبشرية وتطويرها وتوظيفها لقيام اقتصاد منتج، يرفع مستوى معيشة السكان ويؤمّن العدالة الاجتماعية. ومن أجل ذلك مطلوب اليوم أن تتحول الخطط والبرامج إلى واقع حقيقي معاش يلمسه الناس، ليس في الشعارات والإعلام كما هو حالنا اليوم، بحيث تتوفر لكل المواطنين والمواطنات فرصة للتعليم الجيد والعمل المنتج والسكن المناسب والأمن الصحي والغذاء الكافي.
إنّ الأمر يتطلب الانخراط في إنتاج نظرة سورية راهنة إلى سائر القضايا والتحديات، وما يعنيه هذا من ضرورة الانتقال إلى الحوار الوطني الشامل، الهادف إلى بناء دولة الحق والقانون، دولة كل مواطنيها المتساوين في الحقوق والواجبات.
Loading ads...
وهكذا، لن نخرج من حالنا الكارثي السائد إلا بشرطين، حسب المرحوم الأستاذ ميشيل كيلو: أولهما، الاعتراف بأنّ لدينا مشكلات لا نملك حلولًا لها، وأننا لن نقلع عن الاهتمام بها حتى نتوصل إلى حلول عملية تتكفل بإنهائها. وثانيهما، الاعتراف بأنّ واحدة من أعظم مشكلاتنا تكمن في نمط تفكيرنا، الذي يوهمنا بأنّ الحلول الكلامية هي حلول عملية لمشكلاتنا الواقعية.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً


