ساعة واحدة
شريان قديم يعود تحت الضغط: العراق وسوريا يعيدان فتح طريق الطاقة نحو المتوسط
الأربعاء، 29 أبريل 2026
في عالم الطاقة، لا تختفي المشاريع القديمة بقدر ما تدخل في حالة انتظار طويلة. خطوط الأنابيب التي توقفت بفعل الحروب أو السياسة، تبقى كامنة في الجغرافيا، جاهزة للعودة عندما تتغير المعادلات. هذا تماماً ما يحدث اليوم مع خط كركوك – بانياس، الذي عاد إلى الواجهة مدفوعاً بواحدة من أكثر اللحظات حساسية في سوق النفط الإقليمي.
فمع تصاعد التوترات في مضيق هرمز، الممر البحري الذي تمر عبره غالبية صادرات العراق، لم يعد الحديث عن بدائل مجرد نقاش نظري. بل تحول إلى حاجة ملحّة لدولة يعتمد اقتصادها بشكل شبه كامل على تدفق النفط إلى الأسواق العالمية. ومع تعقّد الملاحة وارتفاع المخاطر، بدأت بغداد تبحث عن منفذ آخر، لتجد أن الحل الأقرب جغرافياً هو التوجه غرباً نحو سوريا.
من الأرشيف إلى الواقع
العودة إلى هذا المسار لم تأت من فراغ. فخط كركوك – بانياس ليس مشروعاً جديداً، بل أحد أقدم خطوط تصدير النفط في المنطقة. يمتد لمسافة تقارب 800 كيلومتر، ويربط حقول كركوك الغنية بالنفط بالساحل السوري، حيث ميناء بانياس على البحر المتوسط.
منذ خمسينيات القرن الماضي، لعب هذا الخط دوراً محورياً في تصدير النفط العراقي إلى أوروبا، قبل أن يتوقف مراراً نتيجة التوترات السياسية والحروب، وصولاً إلى خروجه الكامل من الخدمة بعد عام 2003. وعلى مدى أكثر من عقدين، بقي المشروع مجرد فكرة مؤجلة، تُطرح في الاجتماعات الرسمية وتغيب عن التنفيذ.
لكن ما تغيّر اليوم هو السياق. فالأزمة الحالية أعادت تعريف الأولويات، وجعلت من هذا الخط، حتى وهو متوقف، جزءاً من الحل.
وبدلاً من انتظار سنوات لإعادة تأهيل الأنابيب، اتجه العراق وسوريا إلى خيار أسرع: النقل البري. على الأرض، بدأت مئات الصهاريج بالتحرك يومياً، حاملة زيت الوقود الثقيل عبر الحدود، في مشهد يعكس استجابة فورية لضغط اقتصادي حقيقي.
هذا التحول ليس تفصيلاً تقنياً بسيطاً. فاختيار نقل المشتقات بدل النفط الخام يعكس فهماً عملياً للقيود اللوجستية، إذ إن نقل الخام بالشاحنات غير مجدٍ اقتصادياً، بينما يمكن نقل الوقود الثقيل بشكل أكثر مرونة. ومع ذلك، تبقى هذه الطريقة محدودة من حيث الكميات، وتعتمد على قدرة الطرق والبنية التحتية، إضافة إلى التحديات الأمنية واللوجستية.
ورغم هذه القيود، فإن هذه القوافل أعادت تفعيل مسار كركوك – بانياس بشكل غير مباشر، لتصبح الشاحنات بمثابة "أنابيب متحركة" تربط العراق بالمتوسط.
في نهاية هذا المسار، تقف بانياس كعنصر حاسم في المعادلة. المدينة التي تضم ميناءً نفطياً ومصفاة وخزانات تخزين، تحولت مجدداً إلى نقطة استقبال وإعادة توزيع. هذه البنية التحتية، التي بقيت قائمة رغم سنوات الحرب، تمنح المشروع الحالي فرصة للنجاح، ولو جزئياً.
في بانياس، لا تقتصر العملية على التصدير فقط. جزء من الإمدادات يستخدم لتغذية السوق المحلية السورية، التي تعاني من نقص مزمن في المشتقات النفطية. هذا الاستخدام المزدوج المحلي والتجاري يمنح المشروع بعداً اقتصادياً أوسع، ويجعله مفيداً للطرفين في آن واحد.
كما أن موقع بانياس على المتوسط يفتح الباب أمام إعادة تصدير النفط العراقي إلى أوروبا، متجاوزاً الخليج ومضيق هرمز، وهو ما يعيد إحياء دور جغرافي ظل معطلاً لعقود.
أبعاد تتجاوز الاقتصاد
ما يجري لا يمكن قراءته فقط من زاوية الطاقة. فالمشروع يحمل في طياته بعداً سياسياً واستراتيجياً واضحاً. بالنسبة لسوريا، يمثل هذا التطور فرصة لإعادة تموضعها كممر إقليمي للطاقة، مستفيدة من موقعها الذي يربط بين آسيا وأوروبا.
هذا الدور، إن تطور، قد يمنح دمشق نفوذاً يتجاوز العائدات المالية المباشرة، ليشمل التأثير في حركة التجارة الإقليمية. أما بالنسبة للعراق، فإن فتح مسار غربي نحو المتوسط يعني تقليل الاعتماد على الممرات البحرية الحساسة، وهو هدف استراتيجي لطالما سعت إليه بغداد.
ورغم أن النقل البري يحقق الغرض في المدى القصير، إلا أن الحديث عن إعادة تشغيل خط الأنابيب يعود بقوة. الفارق بين الشاحنات والأنابيب ليس فقط في الحجم، بل في طبيعة التدفق نفسه. فالأنابيب توفر نقلاً مستمراً، بكلفة أقل، وبقدرة أكبر على تلبية الطلب العالمي.
إعادة تأهيل خط كركوك – بانياس، أو بناء خط جديد، قد يرفع الطاقة التصديرية إلى مستويات ضخمة، ويحول المسار إلى بديل حقيقي لمضيق هرمز. لكن هذا الخيار يواجه تحديات كبيرة، من التمويل الذي قد يصل إلى مليارات الدولارات، إلى الحاجة لاستقرار أمني في مناطق لا تزال حساسة، إضافة إلى التعقيدات السياسية الإقليمية.
مع ذلك، فإن استمرار الضغوط على طرق التصدير التقليدية قد يجعل هذه التحديات أقل تأثيراً مقارنة بالعوائد المحتملة.
والمشهد الحالي يعكس حالة من التكيّف السريع مع ظروف استثنائية. العراق يبحث عن منفذ، وسوريا تبحث عن دور، والنتيجة هي تقاطع مصالح أعاد إحياء مسار قديم بوسائل جديدة. وبينما تبدو الشاحنات حلاً مؤقتاً، فإنها تمهد لمرحلة قد تكون أكثر عمقاً، حيث تعود خطوط الأنابيب لتلعب دورها التقليدي، ولكن في سياق مختلف.
في النهاية، ما يجري اليوم قد لا يكون مجرد استجابة لأزمة عابرة، بل بداية لإعادة رسم خريطة الطاقة في المنطقة. فحين تضيق الخيارات، تعود الجغرافيا لتفرض حلولها، وتستعيد المسارات القديمة أهميتها.
Loading ads...
وفي عالم النفط، كما في السياسة، لا تموت الطرق القديمة.. بل تنتظر اللحظة التي تصبح فيها الخيار الوحيد الممكن.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


