25 أيام
المركز العربي: مسارات لبنان المحتملة في ظل العدوان الإسرائيلي
الأربعاء، 22 أبريل 2026
بعد نحو عشرة أيام من التوصل إلى وقف مؤقت لإطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، في 16 نيسان/أبريل 2026، التوصل إلى هدنة مماثلة في لبنان لمدة عشرة أيام، دخلت حيّز التنفيذ في اليوم التالي.
ورغم أن الاتفاق الأصلي مع إيران كان يفترض أن يشمل الساحة اللبنانية، فإن واشنطن وتل أبيب عملتا على فصل المسارين، ودفع الأمور باتجاه مقاربة مستقلة للحرب في لبنان.
في هذا السياق، أُطلقت مفاوضات مباشرة بين لبنان وإسرائيل في واشنطن، على مستوى السفراء، قبل يومين من إعلان الهدنة، ما جعل وقف إطلاق النار يبدو وكأنه نتيجة مباشرة لتلك المحادثات.
دخل حزب الله على خط المواجهة بعد يومين من الضربة الأميركية–الإسرائيلية لإيران في 28 شباط/فبراير 2026، والتي أسفرت عن اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي وعدد من القيادات الأمنية والعسكرية.
ففي 2 آذار/مارس، أطلق الحزب صواريخ باتجاه موقع عسكري إسرائيلي جنوب حيفا، معلنًا أن العملية تأتي ردًا على اغتيال خامنئي ودفاعًا عن لبنان.
هذا التدخل لم يكن مجرد تعبير عن تضامن مع إيران، بل حمل أيضًا محاولة لإعادة تعديل ميزان الردع مع إسرائيل، بعد فترة طويلة من التزام الحزب بوقف العمليات القتالية منذ اتفاق تشرين الثاني/نوفمبر 2024، رغم الخروقات الإسرائيلية المتكررة التي استهدفت كوادره وبناه العسكرية.
خلال تلك الفترة، تكبّد الحزب خسائر بشرية وعسكرية كبيرة، ما دفعه إلى تجنب التصعيد المباشر، في ظل ضغوط داخلية وحسابات تتعلق بإعادة ترتيب صفوفه.
في المقابل، تصاعد الضغط الأميركي–الإسرائيلي على الدولة اللبنانية لدفعها نحو نزع سلاح الحزب، وهو ما انعكس في قرارات حكومية لاحقة، شملت حظر أنشطته العسكرية.
وعقب الهجوم الصاروخي في آذار/مارس، سارعت الحكومة اللبنانية إلى إعلان رفضها لأي عمل عسكري ينطلق من أراضيها، مؤكدة أن قرار الحرب والسلم يجب أن يبقى بيد الدولة، في موقف يعكس حجم التباين الداخلي حول دور الحزب.
استغلت إسرائيل الهجوم لتوسيع نطاق عملياتها العسكرية، فشنّت حملة واسعة استهدفت جنوبي لبنان ومناطق أخرى، واضعة هدفًا واضحًا يتمثل في السيطرة على المنطقة الواقعة جنوب نهر الليطاني وإخراج حزب الله منها.
وقد ترافق ذلك مع قصف مكثف وعمليات تهجير واسعة طالت أكثر من مليون مدني، وتدمير قرى وبنى تحتية بشكل واسع، في مشهد أعاد إلى الأذهان نموذج الحرب في غزة.
ورغم طرح مبادرة لبنانية لوقف شامل لإطلاق النار، تتضمن انسحابًا إسرائيليًا وانتشار الجيش اللبناني على الحدود، تجاهلت إسرائيل هذه المبادرة، مفضّلة الاستمرار في العمليات العسكرية لتحقيق مكاسب ميدانية.
في الوقت ذاته، ظهرت داخل لبنان أصوات إعلامية وسياسية حمّلت حزب الله مسؤولية الحرب بالكامل، وذهبت أبعد من ذلك بالدعوة إلى التطبيع مع إسرائيل، ما كشف عن انقسامات عميقة في الداخل اللبناني.
وبعد أسابيع من القتال لم تتمكن إسرائيل من تحقيق أهدافها بالكامل، خصوصًا في ما يتعلق بالسيطرة الكاملة على جنوب الليطاني، ما دفعها، تحت ضغط أميركي، إلى القبول بوقف إطلاق النار، مع الاحتفاظ بشريط أمني داخل الأراضي اللبنانية.
شكّلت المحادثات التي جرت في واشنطن في 14 نيسان/أبريل 2026 محطة مفصلية، إذ أعادت فتح باب التفاوض المباشر بين لبنان وإسرائيل لأول مرة منذ عقود. وأسفرت هذه اللقاءات عن مذكرة تفاهم تضمنت وقف الأعمال القتالية، وتهيئة الظروف لمفاوضات سلام محتملة.
ونصت التفاهمات على التزام إسرائيل بعدم تنفيذ عمليات هجومية داخل لبنان، مع احتفاظها بحق اتخاذ ما تعتبره إجراءات دفاعية، في مقابل تعهد الحكومة اللبنانية بمنع أي أنشطة عسكرية ضد إسرائيل من داخل أراضيها. وقد أعلن ترمب لاحقًا عزمه استضافة قيادات من الجانبين لإطلاق مسار تفاوضي أوسع، في خطوة تهدف إلى إدماج لبنان ضمن ترتيبات إقليمية جديدة.
في المقابل، رفض حزب الله نتائج هذه المفاوضات، معتبرًا أنها تقدم تنازلات مجانية لإسرائيل، ومؤكدًا أن استمرار الوجود العسكري الإسرائيلي يبرر استمرار المقاومة. كما شدد على أن وقف إطلاق النار جاء نتيجة لصموده الميداني والضغط الإقليمي، وليس نتيجة للمسار التفاوضي.
رغم دخول الهدنة حيّز التنفيذ، واصلت إسرائيل عملياتها العسكرية في الجنوب، وأعلنت إنشاء ما سمّته “الخط الأصفر”، وهو شريط أمني يمنع الاقتراب منه، ويُعامل كمنطقة تهديد، هذا التوجه يعكس محاولة لإعادة صياغة البيئة الأمنية في الجنوب، عبر فرض منطقة عازلة ومنع عودة السكان إلى عدد كبير من القرى.
وتشير هذه السياسة إلى نية إسرائيل تثبيت واقع ميداني طويل الأمد، يتجاوز الأهداف العسكرية إلى إعادة تشكيل البنية السكانية في المنطقة، ضمن تصور أوسع يمتد إلى ربط الجنوب اللبناني بمناطق حدودية في سوريا ضمن نطاق نفوذ أمني واحد.
كما تستند إسرائيل إلى تفسير فضفاض لبنود وقف إطلاق النار، يتيح لها مواصلة العمليات تحت ذريعة “الدفاع عن النفس”، ما يجعل الهدنة الحالية أقرب إلى ترتيبات هشة قابلة للانهيار في أي لحظة.
يقف لبنان اليوم أمام مفترق بالغ الحساسية، في ظل ضغوط خارجية تدفعه نحو مسارات تسوية إقليمية، يقابلها واقع داخلي منقسم حول دور حزب الله ومستقبل سلاحه.
وبين احتمال استمرار العدوان الإسرائيلي، وخطر الانزلاق إلى صراع داخلي، تبرز الحاجة الملحة إلى صياغة توافق وطني يعيد ترتيب الأولويات ويحول دون تفكك الجبهة الداخلية.
Loading ads...
في المقابل، يدرك حزب الله أن هامش المناورة يتقلص تدريجيًا، في ظل تصاعد الضغوط عليه داخليًا وخارجيًا، وهو ما يفسر إشاراته إلى الانفتاح على التعاون مع الدولة، ضمن معادلة تحاول التوفيق بين الحفاظ على موقعه ودوره، وبين تجنب انفجار داخلي قد يفتح الباب أمام تحولات أكثر عمقًا في بنية الدولة اللبنانية.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً



