2 ساعات
الدراما السورية الجديدة تفتح جراح الأحرار.. العدالة الانتقالية شرط استقرار الدول
الثلاثاء، 3 مارس 2026
شهد الموسم الرمضاني الأخير حالة غير مسبوقة من الجدل في المجال السوري العام، تجاوزت حدود التقييم الفني إلى مساءلة أعمق تتصل بالذاكرة والعدالة والمعنى الأخلاقي لاستحضار الألم. فقد أعادت بعض الأعمال الدرامية السورية الجديدة طرح وقائع عاشها السوريون خلال سنوات الثورة وما رافقها من جرائم وعنف بحق الأحرار، الأمر الذي أثار نقاشاً واسعاً، واحتجاجات من ذوي الضحايا، وحتى مسارات قانونية تعكس حساسية الموضوع وحدّته.
ولم تعد الدراما هذا العام منشغلة بإعادة إنتاج الحكايات الاجتماعية المألوفة أو تصدير الرواية الرسمية للنظام البائد، وإنما اتجهت نحو تجسيد التجربة السورية وما فعله نظام الأسد بالشعب، حيث السجون، والاختفاء القسري، والقصف، والسلاح الكيميائي، والمجازر، وأقبية التعذيب التي غيّبت آلاف الأسماء من دون أثر أو قبر.
وإن السجون السورية شكّلت خلال عقود فضاءات مغلقة تبلورت داخلها سرديات معقدة من الخوف والتحطيم النفسي وانتهاك الكرامة. وكذلك المجازر التي ارتكبها نظام الأسد وحلفائه من ريف دمشق إلى الحولة والبيضا وبانياس والتضامن، ومن حصار أحياء حمص إلى صيدنايا وفروع الأجهزة الأمنية المنتشرة في أنحاء البلاد، تراكمت أحداث أصبحت جزءاً من البنية العميقة للذاكرة الوطنية؛ حين تعكس مرآة الدراما هذه الوقائع، فلا أراها ظاهرة سيئة، وإنما برأيي تستحضر سؤال الدولة الجديدة ومسؤوليتها، وسؤال العدالة وإمكان تحققها، وسؤال المستقبل الذي يتوقف على كيفية إدارة هذا الإرث المثقل بالكوارث والأزمات الوطنية.
- كسر المحرّم في الفضاء السوري وإعادة بناء الذاكرة الجماعية
حمل موسم رمضان 2026 تحوّلاً نوعياً في مقاربة الدراما السورية لذاكرتها القريبة. فقد ظهرت أعمال مثل الخروج إلى البئر الذي اقترب من عوالم الاعتقال المرتبطة بسجن صيدنايا، والقيصر – لا زمان لا مكان الذي اعتمد بنية الحكايات المتعددة (الثلاثيات) لرصد تجارب التعذيب والاختفاء القسري وقصف المدن، وحصار الأحياء السكنية، وتهجير المدنيين، وتقسيم المجتمع وغيره ذلك من الأعمال. ولا تكمن أهمية هذه الأعمال في موضوعها، وإنما في تجاوزها حاجزاً ظلّ قائماً سنوات طويلة، حين كانت السجون وأقبية التحقيق مناطق معتمة خارج التمثيل الفني، وكان الاقتراب منها محفوفاً بالمحاذير السياسية والأمنية.
إن انتقال هذه الملفات إلى المجال العام السوري عبر الشاشة يعكس تحوّلًا في الوعي الثقافي، حيث خرجت تجارب الاعتقال من نطاق التداول المحدود بين العائلات والناجين والمنظمات الحقوقية وبعض جلسات الاستماع الأممية الرسمية، أو مثل ما حدث في تدويل قضية قيصر والصور المسربة من المسالخ الأسدية، ولكن الآن انتقلت في فضاء أوسع تتشكّل فيه سردية وطنية مشتركة. ويشير عالم الاجتماع والفيلسوف الفرنسي موريس هالبواكس (توفي: مارس 1945) إلى أن الذاكرة تتكوّن ضمن أطر اجتماعية تنظّم ما يُستعاد وما يُهمَّش. وفي السياق السوري، ومع انهيار النظام السابق، وكشف المقابر الجماعية، وفتح أبواب السجون وأقبية التعذيب، انتقل هذا النقاش من دائرة التوثيق الحقوقي إلى الحيّز الثقافي العام. ولبيان أهمية الوسيط الإعلامي في تجسيد الذاكرة الجماعية، يميّز المفكر يان أسمان بين الذاكرة التواصلية المتداولة شفهيًا بين المعاصرين، والذاكرة الثقافية التي تُرسَّخ عبر الفن والمؤسسات التعليمية والفضاء العام. ومن هذا المنظور، تؤدي الدراما دوراً في تحويل الألم من تجربة فردية معزولة إلى مكوّن راسخ في الذاكرة الثقافية الوطنية.
غير أن هذا التحوّل لا يخلو من تحديات أخلاقية. فالذاكرة، حين تُستدعى من دون أفق واضح للعدالة والمساءلة، قد تُغذّي انقسامات مجتمعية قائمة، وتُرسّخ هوية جمعية تتمحور حول الجرح بدل أن تتجه نحو التعافي. إدارة الذاكرة هنا ليست شأنًا فنيًا صرفًا، بل مسألة تتصل بمستقبل العقد الاجتماعي وإمكان إعادة بناء الثقة.
في البيئات السياسية المغلقة، تحتكر السلطة الرواية الرسمية للتاريخ، في حين ينشئ أدب السجون سردية موازية تحفظ أسماء ووجوهاً وتجارب لا تجد مكاناً في السجل العام.
- أدب السجون وسردية الضحية
لم تبدأ استعادة تجربة السجن مع الدراما، بل سبقتها شهادات أدبية شكّلت رصيداً أخلاقياً في مواجهة الصمت. وتُعدّ رواية القوقعة للكاتب السوري مصطفى خليفة مثالاً بارزاً على ذلك (الطبعة الأولى عن دار الآداب في بيروت عام 2008م)؛ ففيها يتحوّل الاعتقال إلى تجربة وجودية تعيد تشكيل الذات، ويتحوّل الجسد المعذّب إلى نص يوثّق ما جرى، والزنزانة إلى أرشيف يحفظ تفاصيل كان يُراد لها أن تختفي. وهذه الرواية التي ترجمت لأكثر من 10 لغات عالمية، وتشمل الفرنسية والإنكليزية والإسبانية والإيطالية والنرويجية والتركية والألبانية والمجرية والألمانية، تسرد الرواية يوميّات شاب أُلقي القبض عليه لدى وصوله إلى المطار عائدًا من فرنسا إلى وطنه سوريا، وذلك بعد انتهائه من دراسة الإخراج السينمائي، حيثُ أمضى أكثر من 13 سنة في السجون السورية من دون أن يعرف التهمة المُوجهة إليه. يُذكر أنَّ كاتب الرواية مصطفى خليفة كان قد اعتُقل بسبب تقرير كتبه عنه أحد زملائه في فرنسا، وليس بسبب أفكاره السياسية.
في البيئات السياسية المغلقة، تحتكر السلطة الرواية الرسمية للتاريخ، في حين ينشئ أدب السجون سردية موازية تحفظ أسماء ووجوهاً وتجارب لا تجد مكاناً في السجل العام. وإن انتقال هذه السرديات إلى الشاشة يمثّل خطوة إضافية في إخراج "أرشيف الضحية" من دائرة القراءة الفردية إلى الفضاء العمومي، حيث تتقاطع الشهادة والتوثيق مع النقاش المجتمعي، والشعور بالألم المشترك. ومع ذلك، تُحذّر سوسيولوجيا الضحية من اختزال الضحية في صورة الألم وحدها. إذ تشير تحليلات حنة آرندت للأنظمة الشمولية إلى أن العنف هو نتاج بنية مؤسسية تُطبع فيها الممارسات القمعية بطابع العادية. والاعتراف بالضحايا يكتسب قيمته حين يقترن بإعادة إدماجهم في الفضاء العام كمواطنين كاملين بدلاً عن التهميش وعدم الاكتراث بواقعهم.
- الذاكرة والعدالة.. من الاعتراف إلى المساءلة
ينبّه الفيلسوف الفرنسي بول ريكور في كتابه "الذاكرة والتاريخ والنسيان" إلى أن المجتمعات الخارجة من الصدمات العميقة تحتاج إلى ما يسميه "سياسة الاعتراف". فالتجربة العنيفة، لا يمكن نكرانها أو تهميشها لأنها ستظل كامنة في الوعي الجمعي، وتنعكس في صورة فقدان ثقة بالمؤسسات المسؤولة وبالخطاب الرسمي، فالاعتراف، وفق هذا التصور، يمثل خطوة أخلاقية تأسيسية تعيد للضحايا اعتبارهم من حيث ترسيخ مفهوم العدالة، وتضع الأساس لإعادة بناء الثقة بالحكومة الجديدة أو بين أفراد المجتمع السوري. غير أن الاعتراف وحده يظل إجراء ناقصاً إن لم يترافق مع آليات مساءلة واضحة تترجم هذه الذاكرة إلى فعل قانوني ومؤسسي يكون هدفه جبر الضرر ومحاسبة المجرمين وتعويض الضحايا.
وفي الإطار نفسه، تناقش الباحثة القانونية الأميركية مارثا مينّو في كتابها "بين الانتقام والمغفرة: مواجهة التاريخ بعد الإبادة الجماعية والعنف الجماعي"، المعضلة التي تواجه المجتمعات بعد الفظائع الجماعية. فهناك مساران محفوفان بالمخاطر: مسار الانتقام الذي يعيد إنتاج دورة العنف في صيغة جديدة، ومسار النسيان الذي يرسّخ الإفلات من العقاب ويُضعف
شرعية الدولة الناشئة. وتقترح مينّو مساراً ثالثاً يقوم على العدالة الانتقالية، حيث يتكامل الاعتراف العلني مع المساءلة القانونية وجبر الضرر وضمانات عدم التكرار، بما يسمح بإعادة تعريف المجتمع على أساس قيم مشتركة. وقد صدر كتابها لأول مرة عام 1998 م عن دار Beacon Press، ثم أُعيد نشره في طبعة ورقية عام 1999م، وهو جاء في سياق عالمي اتسم بتكثّف النقاش حول كيفية التعامل مع إرث الجرائم الكبرى بعد نهاية الحرب الباردة، وخاصة بعد: الإبادة الجماعية في رواندا (1994)، وجرائم التطهير العرقي في البوسنة، ومحاكمات مجرمي الحرب في يوغوسلافيا السابقة، ولجنة الحقيقة والمصالحة في جنوب إفريقيا بعد سقوط نظام الفصل العنصري. وكانت تلك الفترة لحظة مراجعة عالمية لسؤال: كيف تواجه المجتمعات تاريخها بعد الإبادة والعنف المنهجي؟
يتجاوز النقاش الدائر حول الدراما السورية الجديدة مسألة "فتح الجراح" إلى سؤال أعمق يتعلق بإمكان تحويل الألم السوري إلى مسار مداواة مدروس وحقيقي.
- العدالة المتوازنة
في السياق السوري الآني، يثير الحديث عن عفوٍ شامل أو عن إطلاق سراح بعض المتورطين في جرائم حرب أو في شبكات الاتجار بالمخدرات، تساؤلات عميقة في الشارع العام. فهذه الإجراءات، حين تُتخذ من دون محاسبة، تفتح الباب أمام مخاوف جدّية من إعادة إنتاج منظومة القمع والفساد والخوف التي عانى منها المجتمع لسنوات طويلة. وإن أي معالجة سطحية لملف العدالة قد تُفهم باعتبارها تسوية سياسية للمحافظة على نظام الحكم الجديد أكثر منها مساراً قانونياً وأخلاقياً، وهو ما يضعف الثقة الناشئة بين الدولة والحاضنة الشعبية العريضة للعهد السوري الجديد.
ومن هنا تأتي الحاجة إلى ما يمكن تسميته بـ "العدالة المتوازنة"، وهي مقاربة تقوم على التمييز الدقيق بين المسؤولية الفردية والانتماء الجمعي، وتجنّب تعميم الاتهام على شرائح اجتماعية أو مكوّنات بعينها. فالعدالة الرشيدة لا تُبنى على منطق العقاب الجماعي، بل على محاسبة واضحة لمن ثبت تورطهم في الانتهاكات، مع فتح قنوات حوار وطني مع الفئات التي لم تشارك في العنف ولم تتورط في الجرائم. ويحفظ هذا التوازن في الوقت ذاته حقوق الضحايا في المساءلة والإنصاف والتعويض. ويتطلب هذا المسار تكاملاً بين بعدين أساسيين، هما: العدالة الجنائية التي تتولى التحقيق والمحاسبة وفق معايير شفافة وإجراءات قانونية سليمة، والعدالة الاجتماعية التي تسعى إلى إعادة بناء الثقة، واحتواء آثار الصدمة، وترميم النسيج المجتمعي. فالمساءلة القانونية وحدها، إذا لم تترافق مع سياسات جبر ضرر وإعادة إدماج وإصلاح مؤسسي، قد تظل قاصرة عن تحقيق الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي المنشود.
وفي هذا الإطار، يتجاوز النقاش الدائر حول الدراما السورية الجديدة مسألة "فتح الجراح" إلى سؤال أعمق يتعلق بإمكان تحويل الألم السوري إلى مسار مداواة مدروس وحقيقي. فالأعمال الدرامية، حين تستعيد تجارب السجون والمجازر، تسهم في صياغة سردية وطنية تقوم على كشف ما جرى والدفع نحو الاعتراف به. ومع ذلك، فإن الفن لا يمكن أن يحل محل القضاء أو السياسات العامة، وإنما قد يهيئ مناخاً رمزياً يساعد المجتمع على مواجهة ماضيه بصورة أكثر وعياً واتزاناً.
Loading ads...
وبنهاية المطاف يمكن القول: إن غياب إطار قانوني وأخلاقي منضبط لإدارة هذه المرحلة قد يدفع بعض المتضررين إلى البحث عن أشكال انتقام خارج مؤسسات الدولة، بما يهدد السلم الأهلي ويقوّض فرص الاستقرار والتنمية في البلاد. أما الاستقرار الوطني المستدام فيتطلب مواجهة الماضي بوضوح وشفافية، وترسيخ سيادة القانون، وتفعيل دور هيئة العدالة الانتقالية، وبناء عقد اجتماعي جديد يؤسس لدولة تقوم على المواطنة المتساوية، وفيها يعيش جميع السوريين بكرامة، ويتمتعون بحقوقهم ويلتزمون بواجباتهم في إطار قانوني وطني عادل.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً
طريق مدينة السويداء
منذ 2 ساعات
0

