بين سقوط مشروع الإدارة الذاتية في الشرق السوري، وتراجع شهية واشنطن وتل أبيب للاستثمار في وكلاء محليين جدد، تبدو السويداء بعد 2026 متجهة إلى لحظة حسم هادئة أكثر منها درامية.
ما كان يُسمّى «ورقة قسد» يُطوى اليوم على الطريقة الأميركية المعهودة: دعم كثيف لسنوات، ثم انسحاب بارد يترك الحلفاء في مواجهة دولة مركزية تستعيد أنفاسها، وجوار إقليمي يستعد لاقتسام النفوذ. في هذا السياق، لا تعود السويداء مجرد محافظة مهمَّشة وغاضبة، بل تصبح جزءًا من سؤال أكبر: كيف ستعيد سوريا الممزقة إنتاج نفسها، ومن سيدفع ثمن هذه الإعادة؟
المجتمع الدولي الذي تخلى عن قسد لن يمنح السويداء ما لم يمنحه للأكراد، والنظام الذي صبر على تحدّي الجبل سنوات لن يقبل أن يرى نموذجًا شبه مستقل في حدوده الجنوبية يتغذّى من حدود الأردن ونظرات إسرائيل.
انهيار قسد أو تحجيمها إلى حدود بعيدة عن أي شكل من أشكال «شبه الدولة» يعني عمليًا أمرين خطيرين للسويداء.
الأول: أن دمشق ستستعيد موارد بشرية وجغرافية واقتصادية كانت خارج قبضتها المباشرة، ما يعزّز قدرتها على إعادة فرض نموذجها الأمني في الأطراف، وخصوصًا في الجنوب.
والثاني: أن الرسالة التي تصل إلى كل المكوّنات المحلية واضحة: لا أحد في هذه البلاد يملك ترف التعويل على حماية أميركية أو إسرائيلية دائمة، لأن الدعم الخارجي هنا مشروط بملفات أكبر من أحلام السوريين وآلامهم. من ظنّ أن تجربة قسد يمكن أن تتكرر في الجبل سيكتشف أن «الوقت الدولي» تحرّك في اتجاه آخر.
سكوت إسرائيل وأميركا عن مصير قسد، بعد استخدامها لسنوات قوةَ صدمة ضد تنظيم الدولة، ثم حاجزًا أمام تركيا وإيران، يطرح أمام السويداء معادلة قاسية. إسرائيل، التي كانت ترفع شعار «حماية الدروز» كلما احتاجت إلى تبرير ضربة جوية أو موقف سياسي، ستجد نفسها أكثر ارتياحًا في التعامل مع دمشق مباشرة، ما دامت تحصل على ضمانات أمنية في الجولان وحدود آمنة في الجنوب. أما واشنطن، فكل ما تريده في نهاية المطاف «دولة سورية موحّدة لا تشكّل صداعًا جديدًا»، ولو كانت هذه الدولة استمرارًا مشوَّهًا للنظام القديم بوجه جديد. في هذا المناخ، ستُعامل السويداء لا باعتبارها قضية خاصة، بل كملف أمني يجب إغلاقه بأقل قدر ممكن من الضجيج.
مع ذلك، لا يعني هذا أن الجبل محكوم باستسلام كامل. على العكس، قد تكون لحظة ما بعد قسد هي الفرصة الأخيرة للسويداء كي تفرض شروطها في تسوية داخلية أوسع. فالنظام الذي يخرج من معركة طويلة في الشرق، مثقلًا بالعقوبات والانهيار الاقتصادي والتعب الاجتماعي، لن يكون في وضع يسمح له بفتح حرب شاملة في الجنوب، لا سيما في منطقة حساسة طائفيًا وحدوديًا. وسيكتشف أن أفضل ما يمكن أن يطمح إليه هو «إعادة احتواء» السويداء، لا سحقها، عبر تفاهم مع شيخ العقل والقوى المحلية يضمن عودة علم الدولة ومؤسساتها، وشكلًا من أشكال السيادة المركزية، مقابل ترك هامش حقيقي للإدارة الذاتية المدنية والأمن المحلي. هنا تمامًا تصبح براعة النخب في السويداء حاسمة: هل تستخدم هذه اللحظة لتثبيت مكاسب، أم تهدرها في شعارات قصوى لا تملك أدوات فرضها؟
شيخ العقل حكمت الهجري سيجد نفسه في قلب هذه المعادلة. الرجل الذي راكم رصيدًا شعبيًا بخطابه الصدامي مع السلطة، سيدفع عاجلًا أم آجلًا إلى الانتقال من لغة «كسر القطيعة» إلى لغة «التفاوض على الكرامة». المجتمع الدولي الذي تخلى عن قسد لن يمنح السويداء ما لم يمنحه للأكراد، والنظام الذي صبر على تحدّي الجبل سنوات لن يقبل أن يرى نموذجًا شبه مستقل في حدوده الجنوبية يتغذّى من حدود الأردن ونظرات إسرائيل. أمام هذا الواقع، قد تكون ورقة الهجري الأهم هي القدرة على تحويل شعبيته إلى تفويض تفاوضي: لا توقيع على بياض لدمشق، ولا انتحار جماعي في مواجهة مفتوحة، بل صيغة وسط تضمن عدم تكرار تجربة التخلي والبيع التي عاشها الأكراد.
من جهة أخرى، سيمرّ المجتمع في السويداء نفسه باختبار صعب. جزء منه سيزداد اقتناعًا بأن الاعتماد على الذات يعني الحفاظ على السلاح المحلي ورفض عودة الأجهزة الأمنية بصيغتها القديمة، حتى لو كلّف ذلك سنوات إضافية من التوتر والعزلة. وجزء آخر، أنهكه الفقر والهجرة والخوف من الفراغ، سيقبل بتسوية «أقل سوءًا» تعيد بعض الاستقرار، ولو تحت سقف سلطة لا يثق بها بالكامل. الصراع بين هذين الاتجاهين لن يكون أقل خطورة من الصراع مع دمشق، لأنه يحدد هوية المحافظة لعقود: هل هي مجتمع يختار مقاومة طويلة بثمن باهظ، أم مجتمع يفضّل تسوية ناقصة مع أمل بإصلاح تدريجي؟
إن لحظة إعادة ترتيب الخريطة السورية قد تتحول من تهديد إلى فرصة.
الخطر الحقيقي على السويداء في اليوم التالي لانتهاء ملف قسد ليس أن تُقصف أو تُقتحم فجأة، بل أن تُستنزف ببطء: استنزاف في السياسة، حيث تتحول انتفاضة الكرامة إلى مجرد ورقة تفاوض يستخدمها هذا الطرف أو ذاك؛ واستنزاف في المجتمع، حيث يهاجر الشباب القادرون على حمل عبء التغيير، ويُترك الجبل لشيخوخة مبكرة وخطابات بلا أذرع؛ واستنزاف في المعنى، حين يتحول الحلم بدولة عادلة إلى قناعة قاتمة بأن «هذا هو الممكن الوحيد».
Loading ads...
مع ذلك، يبقى هامش الأمل قائمًا. فإذا تمكنت السويداء من بلورة رؤية سياسية واضحة لما تريده بعد 2026، لا مجرد ما ترفضه، وإذا استطاعت أن توحّد قواها الاجتماعية حول حد أدنى من المطالب الواقعية: إدارة محلية موسّعة، وضمانات بعدم الانتقام الأمني، وشراكة حقيقية في القرار داخل الدولة، فإن لحظة إعادة ترتيب الخريطة السورية قد تتحول من تهديد إلى فرصة. أما إذا دخلت هذه اللحظة بلا رؤية، وبلا وحدة داخلية، وبإيمان ساذج بأن العالم سيعاملها بشكل أفضل مما عامل الأكراد، فإنها تخاطر بأن تصحو ذات يوم على واقع شبيه بما واجهته قسد: نهاية حلم كيان مستقل، وبداية زمن طويل من التعايش القسري مع سلطة لم تتغير إلا بالقدر الذي يضمن استمرارها.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً
طريق مدينة السويداء
منذ 2 ساعات
0

