ساعة واحدة
بعد قرار وزارة الطاقة السورية.. ما أبرز الحراقات التي قد تدخل خطة إعادة التشغيل؟
الخميس، 17 سبتمبر 2026
أعاد قرار وزارة الطاقة السورية إعادة تشغيل عدد من المصافي المحلية إلى الواجهة ملف الحراقات النفطية التي انتشرت خلال سنوات الحرب في مناطق عدة من البلاد، ولا سيما في الشمال الشرقي وريف حلب، بعدما كانت السلطات قد بدأت خلال الأشهر الماضية بإغلاقها وإزالتها بداعي المخاطر البيئية والصحية وخروجها عن الأطر التنظيمية.
وأعلن وزير الطاقة محمد البشير، اليوم الخميس، في مؤتمر صحفي مشترك مع الرئيس التنفيذي للشركة السورية للبترول يوسف قبلاوي، أن الحكومة قررت إعادة تشغيل عدد من "المصافي الكهربائية المحلية" بطاقة تصل إلى 35 ألف برميل يومياً من النفط الخام، على أن تكون تحت إدارة وإشراف الشركة السورية للبترول ووفق ضوابط تتعلق بسلامة التشغيل وجودة المنتجات والحد من الأضرار البيئية.
لكن اللافت أن الوزارة لم تسمِّ المواقع أو المنشآت التي ستدخل فعلياً في خطة إعادة التشغيل، كما أن مصطلح "المصافي الكهربائية" الذي استخدمه الوزير لا ينطبق بالضرورة على كل الحراقات البدائية التي أغلقتها الحكومة خلال الأشهر الماضية. ومن هنا تبرز عدة مواقع كانت جزءاً من منظومة التكرير المحلي خلال سنوات الحرب، لكن وضعها الحالي يختلف من محافظة إلى أخرى.
تأتي منطقة ترحين بريف حلب الشرقي في مقدمة المواقع التي ارتبط اسمها بالتكرير البدائي في شمال سوريا. فقد تحولت المنطقة خلال سنوات الحرب إلى مركز رئيسي لتكرير النفط، واعتمدت عليها مناطق واسعة كانت خارج سيطرة النظام المخلوع في تأمين المازوت والبنزين والوقود اللازم للنقل والزراعة والمولدات والأفران.
وبحسب تحقيق سابق لـ"تلفزيون سوريا"، تحولت ترحين إلى مركز اقتصادي ارتبط به آلاف العمال والسائقين والورش وأعمال النقل والتفريغ والصيانة، فيما يصف أصحاب الحراقات دورها خلال سنوات الحرب بأنه كان جزءاً من منظومة تأمين الوقود للمناطق الخارجة عن سيطرة النظام المخلوع.
وكانت مصادر محلية قد قدرت في أيار الماضي عدد الحراقات في ترحين بأكثر من ألف حراقة، بينما يشير بيان متداول لأصحاب الحراقات، نُشر في أيلول الجاري، إلى أن العدد بلغ نحو 2257 حراقة. ويصعب التحقق بصورة مستقلة من الرقم الأخير، لكنه يعكس حجم التجمع الذي نشأ في المنطقة خلال السنوات الماضية.
وفي أيار الماضي بدأت الشركة السورية للبترول إجراءات إزالة الحراقات في ترحين، ما أدى إلى احتجاجات من أصحابها والعاملين فيها، الذين طالبوا بتعويضات وبدائل للعمل.
ومع ارتفاع أسعار المحروقات أخيراً، عاد أصحاب حراقات ترحين إلى طرح إعادة تشغيل منشآتهم؛ إذ تداولت وسائل إعلام محلية في 15 أيلول الجاري بياناً قالوا فيه إنهم مستعدون لإعادة العمل بالتنسيق مع وزارة الطاقة وتحت إشرافها، وإنتاج المازوت والبنزين ومشتقات أخرى.
في دير الزور، كانت الصورة مختلفة عن ترحين، فقد شهدت المحافظة انتشاراً واسعاً للحراقات منذ سنوات الحرب، خصوصاً بالقرب من مناطق إنتاج النفط، وأصبحت مصدراً مهماً للمشتقات في مناطق كانت بعيدة عن المصافي النظامية.
لكن بعد عودة مؤسسات الدولة إلى المنطقة وتسلمها إدارة الحقول النفطية، اتخذت وزارة الطاقة قراراً بوقف الحراقات التقليدية، معتبرة أنها تعمل خارج الأطر القانونية والرقابية وتتسبب بأضرار بيئية وصحية. ونفّذت الأجهزة المختصة خلال الأشهر الماضية حملات لإغلاقها وإتلاف عدد منها.
وفي آب الماضي، أعلنت الشركة السورية للبترول الانتهاء من إزالة الحراقات البدائية في دير الزور، بينما قدرت تقارير رسمية عدد المنشآت التي أزيلت بنحو ألفي حراقة.
وتشير هذه المعطيات إلى أن الحديث عن إعادة تشغيل حراقات دير الزور بصورتها التقليدية لا ينسجم مع السياسة التي اتبعتها الشركة خلال الأشهر الأخيرة. لذلك، لا توجد حتى الآن معلومات موثوقة تفيد بأن الحراقات البدائية التي أزيلت في المحافظة ستعود إلى العمل، والأرجح أن المقصود في قرار الوزارة هو منشآت تكرير يمكن إخضاعها لإدارة الدولة ومعايير تشغيل ورقابة مختلفة، وليس إعادة إنتاج نموذج الحراقات العشوائية السابق.
وتوضح دراسة سابقة للمركز العربي لدراسات سورية المعاصرة أن دير الزور عرفت أيضاً في مراحل سابقة مصافي تكرير كهربائية صغيرة، بينها منشآت قرب حقل الورد ومعمل غاز كونيكو ومواقع أخرى، وهو ما يوضح الفارق التقني بين المصافي الكهربائية والحراقات البدائية التي انتشرت على نطاق أوسع.
أما في محافظة الرقة فقد أعلنت الشركة السورية للبترول في حزيران الماضي الانتهاء من إزالة الحراقات البدائية في المحافظة بشكل كامل، ضمن خطة قالت إنها تستهدف الحد من التلوث وتحسين معايير السلامة والصحة العامة وإدارة الموارد النفطية وفق أسس أكثر تنظيماً.
وكانت الحراقات قد انتشرت في مناطق بادية الرقة خلال سنوات الحرب، وأصبحت جزءاً من شبكة التكرير البدائي التي نشأت حول حقول النفط ومناطق استخراج الخام. إلا أن إزالة هذه المنشآت خلال العام الحالي تجعل من الصعب اعتبارها جزءاً مؤكداً من قرار إعادة التشغيل الجديد.
في محافظة الحسكة، تختلف المعطيات بصورة واضحة، إذ توجد منشآت تكرير محلية في مناطق حقول رميلان والسويدية وكرزيرو، ارتبط بعضها خلال السنوات الماضية بما كان يعرف بالمصافي أو الحراقات، فيما استخدمت الإدارة السابقة للمنطقة تجهيزات كهربائية لتكرير النفط.
وكانت دراسة للمركز العربي لدراسات سورية المعاصرة أشارت إلى أن شركة الجزيرة التي أنشئت لإدارة الملف النفطي في المنطقة عملت على استيراد تجهيزات وقطع غيار للمصافي الكهربائية، في محاولة لزيادة تكرير النفط المحلي.
والأهم أن منشآت في "تل عدس" و"السويدية" عادت بالفعل إلى التشغيل في 10 أيلول الحالي، بحسب تقارير محلية، بعد توقفها في آب، ضمن اتفاق يسمح بتشغيل المصافي لمدة ستة أشهر، مع تحديد حصص الإنتاج وشراء النفط وفق آلية متفق عليها مع الشركة السورية للبترول.
كما شهدت منطقة رميلان في أيلول أزمة مرتبطة بملف أكثر من ألف عامل يعملون في منشآت وحقول تشمل عودة والطفلة والسويدية وكرزيرو ومحطة تل عدس، ما يؤكد استمرار وجود بنية تكرير محلية في هذه المنطقة، وإن كانت أوضاعها الإدارية والتشغيلية قد تغيرت مع انتقال إدارة القطاع النفطي إلى مؤسسات الدولة، بحسب ما أفادت به صفحات محلية.
يمكن القول إن قرار وزارة الطاقة لا يعني، وفق المعطيات المتاحة، عودة الحراقات التقليدية إلى العمل بالشكل الذي كانت عليه خلال سنوات الحرب. فالبشير تحدث تحديداً عن "مصافٍ كهربائية محلية" ستعمل تحت إشراف الشركة السورية للبترول وضمن ضوابط تتعلق بالسلامة والجودة والبيئة.
وهذا التفصيل مهم خصوصاً أن الحكومة أغلقت خلال الأشهر الماضية حراقات بدائية في دير الزور والرقة، وريف حلب الشمالي، بسبب طبيعة عمليات التكرير العشوائية والمخاطر الناجمة عنها. وقد وثقت تقارير سورية وعربية أضراراً بيئية وصحية مرتبطة بهذا النوع من النشاط، بينها تلوث التربة والمياه وانبعاث الغازات السامة وحوادث مميتة بين العاملين.
في المقابل، فإن عودة المصافي المحلية، ولا سيما المنشآت ذات التجهيزات الكهربائية، يمكن أن تشكل جزءاً من محاولة سد الفجوة بين إنتاج النفط الخام محلياً والحاجة إلى استيراد المشتقات الجاهزة، في وقت تواجه فيه البلاد ارتفاعاً في كلفة الاستيراد.
Loading ads...
والسؤال الأهم الذي ستجيب عنه المرحلة المقبلة هو: هل ستعيد وزارة الطاقة تشغيل منشآت تكرير قائمة بعد تأهيلها وإخضاعها للرقابة، أم ستسمح لبعض الحراقات السابقة بالعودة ضمن شروط جديدة؟ الإجابة الرسمية عن أسماء المواقع ستكون حاسمة لتحديد حجم مساهمة القرار في تخفيف أزمة المحروقات وأسعار المازوت في سوريا.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه

