استدعت وزارة الخارجية السورية في الثامن والعشرين من أكتوبر السفير الأردني لديها لتسليمه مذكرة احتجاج على الضربات الأردنية على درعا، والتي أدت إلى فاجعة إنسانية وأفسدت البيئة التي تسير فيها العلاقات السورية الأردنية خلال العامين الأخيرين.
ومن المفارقات المؤلمة بالنسبة للسوريين أن يكون سفير الأردن أول من تستدعيه سوريا الجديدة، وأن يكون الاستدعاء بالتحديد في اليوم نفسه الذي استقبلت فيه دمشق رئيس وزراء العراق. هذه إكراهات السياسة عمومًا ومكرها ومكائدها، لكنّه لا ينبغي التعامل معها كأزمة بقدر ما هي فرصة لسوريا والأردن لاستخلاص الدروس من فاجعة درعا ومعالجة مكامن الخلل التي أدّت إليها، وكذلك الإدارة الفورية لهذه المأساة، والتي أفسدت الأمور بقدر أكبر مما ساعدت في إصلاحها.
وقبل الحديث عن الدروس، لا بُد من التأكيد على حقيقة مُهمة، وهي أن الحفاظ على متانة العلاقات السورية الأردنية ينبغي أن يُشكل الأولوية بالنسبة للبلدين في هذه المرحلة، وهذا ما بدا واضحًا من خلال سياق المعالجة الذي انطلق بدءًا من البيان الثاني الذي أصدره الأردن على لسان المتحدث باسم الحكومة، والذي أسف فيه لسقوط ضحايا مدنيين، ثم البيان السوري الأردني المشترك الذي صدر في اليوم نفسه، والذي أكّد على أهمية احتواء التداعيات وتشكيل لجنة مشتركة لهذه الغاية، وصولًا إلى خطوة استدعاء السفير الأردني، والتي تبدو إلى حد كبير منفصلة عن سياق هذه المعالجة بالنظر إلى كونها استجابة لضغط الرأي العام السوري، لكنّها مُكملة بطبيعة الحال لسياق الاحتواء. وما تحتاجه سوريا والأردن، حكومتان ورأي عام، الآن هو الهدوء ومعالجة ما خلّفته هذه القضية بسرعة واستخلاص الدروس منها. مع ذلك، فإن المعالجة لا ينبغي أن تقتصر على التحرّكات السياسية، بل الأهم أن تشمل معالجة الألم الكبير الذي سببته الضربات الأردنية للمجتمع في جنوبي سوريا تحديدًا.
هناك مجموعة من الدروس المهمة التي يُمكن استخلاصها من هذه القضية، ويُمكن تلخيص أهمها بثلاثة دروس. الأول: التنسيق السياسي والأمني بين سوريا والأردن في التعامل مع الملف الأمني في الجنوب السوري، والذي بدا مرتبكًا وغير مفهوم في الواقع في هذه القضية.
وما عزّز هذا الارتباك عدم ذكر البيان الأردني الثاني وجود تنسيق بين سوريا والأردن بشأن الضربات، على عكس البيان الأول الذي أصدره الجيش الأردني، فضلًا عن البيان الذي أصدرته الخارجية السورية، والذي لم ينفِ فحسب وجود تنسيق مُسبق، بل ذهب إلى حد وصف الضربات الأردنية بأنها انتهاك مرفوض للأجواء السورية. لا نعلم تمامًا ما إذا كان التنسيق المُسبق غير موجود بالفعل، أو أن تراجع الأردن عن التمسك برواية التنسيق يرجع إلى محاولة احتواء القضية وعدم إحراج حكومة الرئيس أحمد الشرع في الداخل السوري، لكن حتى لو افترضنا السيناريو الثاني، فإن الارتباك في إدارتي سوريا والأردن لهذه القضية واضح.
لا نتحدث هنا عن أهمية التنسيق في تقييم هذه القضية وحدها، بل لأنها قد تكون بداية لمُخطط يستهدف تسميم العلاقات السورية الأردنية عبر ملف الأمن في الجنوب.
الدرس الثاني، وهو الأكثر أهمية، يتمثل في الإدارة الإعلامية والسياسية لقضية من هذا النوع. وهذه الإدارة أفسدت في الواقع الأمور أكثر مما أصلحتها، وأطلقت العنان لرأي عام غاضب للتعبير عن غضبه بطريقة حوّلت القضية إلى شرخ كبير بين رأيين عامين في سوريا والأردن.
لا أتحدث هنا عن الحاجة إلى سُلطة حكومية للتأثير على تفاعلات الرأي العام، بل عن الإدارة الصحيحة التي تمنع أن تتحول تفاعلات الرأي العام إلى وضع يُعقّد على الإدارة السياسية التعامل مع هذه القضية.
رصانة الخطاب السياسي والإدارة الإعلامية مسؤولية كبيرة في هذه الظروف، ولا تقل أهمية وتأثيرًا عن الدبلوماسية. حساسية العلاقات الأردنية السورية وملف الجنوب السوري تفرضان على الأردن وسوريا معًا النظر بعمق إلى أهمية رصانة الخطاب والإدارة الإعلامية لأي قضايا تمس هذه العلاقات في المستقبل.
أما الدرس الثالث، فيتمثل في مُعضلة كبيرة تواجه العلاقات السورية الأردنية، لا تتعلق فقط بمخاطر الملف الأمني في الجنوب السوري، بل بحقيقتين مُهمتين، أُولاهما أن العوامل المُشكّلة لهذا الملف خارجة عن إرادة البلدين أصلًا، وثانيتهما إسرائيل، التي تعمل على تعزيز بيئة أمنية مضطربة في الجنوب من خلال تقويض الحضور الأمني والعسكري للدولة السورية فيه، وهو ما يُفسح المجال أمام نشاط تنظيمات متطرفة للبحث عن أرضية لها للعمل في المنطقة وتنفيذ أجنداتها.
Loading ads...
وعليه، فإن ما ينبغي توقعه الآن هو أن الملف الأمني قد يسلك مسارًا تصاعديًا، بحيث يُشكل ضغطًا أكبر على العلاقات السورية الأردنية في المستقبل، وهذا يفرض أولوية كبيرة تتمثل في الاتفاق على استراتيجية سياسية وأمنية واضحة بين البلدين لإدارة هذا الملف ومخاطره المحتملة في المستقبل، بحيث لا تتكرر فاجعة درعا مرّة أخرى. تُشكل العلاقة القوية بين الأردن وسوريا ركيزة أساسية في مواجهة مشاريع الفوضى في الجنوب السوري، والتي تعمل إسرائيل على تغذيتها لغايات احتلالية. والجنوب السوري يُشكل الدرع الأهم لكل من سوريا والأردن في التعامل مع هذه المشاريع. والحقيقة الثابتة هنا أن كلًا من سوريا والأردن بحاجة إلى استخلاص العبر من هذه الدروس، ليس فقط من أجل احتواء هذه القضية، بل استعدادًا لما يُمكن أن يكون أسوأ في المستقبل.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً
«النجاة العَرَضيّة» والإنسان المستباح
منذ ساعة واحدة
0
دروس من فاجعة درعا لعلاقات الأردن وسوريا
منذ ساعة واحدة
0

