يتطرّق الفيلسوف السلوفيني سلافوي جيجيك، في معرض شرحه لفلسفة جاك لاكان في كتابه «كيف نقرأ لاكان»، إلى نقاش دار بشأن مصير سجناء غوانتانامو على قناة «إن بي سي» في منتصف عام 2004. وكانت إحدى الحجج الغريبة لقبول وضعهم الأخلاقي والقانوني هي: «إن هؤلاء السجناء هم من أخطأتهم القنابل في الأساس»، فبما أنهم كانوا هدفا للقصف الأميركي ونجَوا منه، وبما أن هذا القصف كان جزءا من عملية عسكرية «قانونية»، فلا يمكن إذن الاحتجاج بشأن مصيرهم عندما يُزجّ بهم في السجون في أعقاب العملية. ويُستشفّ من هذه الحجة أنه مهما كان وضعهم الحالي، فهو أفضل من أن يكونوا في عداد الموتى.
وبناءً على منطق «النجاة العَرَضيّة»، يُنظر إلى بقائهم أحياء في أقفاص السجن، محرومين من أي حقوق دستورية أو إنسانية، ويمارَس بحقهم التعذيب، بوصفه وضعا استثنائيا يمثّل «منحة» أو بديلا «أقل قسوة» من موتهم المحتوم الذي كان مقدرا لهم. إن هذه الحجة تُسقط عن المعتقل أي استحقاق قانوني، وتجعل من بقائه على قيد الحياة مجرد «خطأ بيولوجي» أو خلل في كفاءة آلة القتل، مما يشرعن للسلطة تجريده من صفته الإنسانية.
يفسر جيجيك هذا الوضع الاستثنائي بالاستناد إلى لاكان، حيث يرى أن السجناء يقعون في المساحة الفاصلة والبرزخية «بين الموتَين»، أي بين الموت القانوني (الرمزي) والموت البيولوجي. في الوضع الطبيعي، يتطابق الوجود البيولوجي للإنسان مع وجوده الرمزي (اسمه، جنسيته، حقوقه المدنية). لكن التراجيديا تحدث عندما يموت الإنسان رمزيا وقانونيا، وتُمحى هويته وحقوقه بالكامل، بينما يظل جسده البيولوجي يتنفس ويشعر بالألم. هذا التجريد الكامل من أي وضع قانوني محدد يحولهم إلى نموذج «الإنسان المستباح» (Homo Sacer) بحسب المفهوم الشهير للفيلسوف الإيطالي جورجيو أغامبين، وهو الفرد الذي طُرد من حماية القانون الإنساني والإلهي معا، فتوجد حياته خارج مظلة الحق، ويغدو جسده قابلاً للانتهاك والتعذيب والقتل دون أن يُعدّ ذلك، في نظر السلطة، جريمة يعاقب عليها القانون.
لفهم المأساة المفاهيمية التي يجسدها «الإنسان المستباح»، والأساس النظري الذي تستند إليه السلطة الحديثة في سلب حقوق الأفراد، يعود أغامبين إلى اللسان الإغريقي للوقوف على التمايز الذي أقامته الفلسفة اليونانية القديمة بين مفهومين للحياة: المفهوم الأول هو «الزوي» (Zoē)، وهو مصطلح يعبر عن مجرد المعطى البيولوجي الخام، أي حقيقة العيش المحض، أو الفعل العاري للحياة المشترك بين جميع الكائنات الحية من آلهة وبشر وحيوانات. إنه النبض، والتنفس، والاستمرار البيولوجي الذي تحكمه الضرورة المطلقة.
أما المفهوم الثاني فهو «البيوس» (Bios)، ويشير إلى «شكل الحياة» المؤهلة سياسيا واجتماعيا وأخلاقيا داخل الفضاء العمومي. إنه نمط العيش الخصيص لإنسان حر أو مجموعة إنسانية تمتلك القدرة على الفعل والكلام (Logos) ضمن إطار المدينة.
لتوضيح هذا التمايز، يعود أغامبين إلى نصوص أرسطو، وتحديدا تعريفه للإنسان بوصفه «حيوانا سياسيا». يرى أغامبين أن السياسة لم تبدأ كتطور طبيعي وتلقائي للجانب البيولوجي عند الإنسان، بل قامت على فصل حاسم، إذ حُبست «الزوي» (Zoē) وأُبعدت قسرا داخل النطاق الخاص للأسرة والمنزل، لكي ينشغل الإنسان هناك بضرورات البقاء والتكاثر، ويتفرغ كذكر حر للدخول إلى فضاء المدينة بغية تحقيق «البيوس» الفاضل أو «الحياة الكريمة». بعبارة أخرى، ديمقراطية المدينة اليونانية لم تقم على «تسييس» الحياة، بل على «إبعاد» الحياة البيولوجية العارية عن السياسة.
غير أن هذا النفي المستمر لـ «الحياة العارية» لم يكن محوا كليا لها، بل كان شرطا أساسيا لكي تقوم المدينة ذاتها، وكان يمنحها هذا الاستبعاد القدرة على رسم حدودها القانونية والسياسية. ويُطلق على هذا المنطق «الإدماج عبر الإقصاء» أو آلية «الاستثناء»، فالقانون يحتاج إلى خلق مساحة عارية خارجه ليبرر سيادته في الداخل، ولهذا يظل الكائن المستبعد (الزوي) مرتبطا بالسلطة عبر قرار إقصائه عينه، واقفا على العتبة التي تفصل وتصل بين الداخل والخارج، وبين الطبيعة والقانون.
انطلاقًا من هنا، يوسع أغامبين فكرة ميشيل فوكو حول «السياسة الحيوية». رأى فوكو أن دخول إدارة الحياة (الصحة، النسل، والوفيات) في حسابات الحكم أمر حداثي خالص بدأ في القرن الثامن عشر مع انتقال السلطة من صيغة «الحق في الإماتة وترك الفرد يحيا» إلى صيغة «صناعة الحياة وترك الفرد يموت»، أي أن الملك كان لديه سلطة قتلك أو تركك تعيش كما يحلو لك، لكن السلطة الحديثة تتحكم بحياتك (عيشك) ولا تهتم بطريقة موتك أو توقيته.
الفارق الجوهري بين العالم القديم والعصر الحديث، بحسب أغامبين، هو أن «الحياة العارية» في العصر الحديث لم تعد محبوسة في هوامش النطاق الأسري، فقد انهارت الحدود التأسيسية التي وضعها أرسطو، وأصبحت الحياة البيولوجية ذاتها هي الرهان الأهم والهدف المباشر لآليات السلطة والحسابات السيادية.
هذا التطور هو الذي جعل السلطات الشمولية الحديثة ممكنة. فعندما تنهار الحدود بين «الزوي» و«البيوس»، وتأخذ الدولة الحديثة على عاتقها الرعاية الشاملة للحياة البيولوجية لمواطنيها (عبر الصحة والأمن والهوية البيومترية)، فإنها في الوقت ذاته تمتلك القدرة المطلقة على سحب هذه الرعاية، وتجريد المواطن من غلافه السياسي والحقوقي (البيوس)، لتحويله في لحظة الاستثناء إلى مجرد جسد بيولوجي صرف (زوي). إن عملية التجريد هذه هي الخطوة الأولى التي تسبق الزج بالفرد في المعتقلات أو تركه للغرق في البحار أو الموت تحت القصف العشوائي، فلكي تقتل السلطة إنسانًا دون أن تُحاسَب، عليها أولاً أن تفصله عن «البيوس» الخاص به، وأن تختزله إلى مجرد حياة عارية قابلة للاستباحة والتبديد دون أي ثقل وجودي أو تبعات قانونية.
لفهم كيفية إنتاج «الإنسان المستباح»، يجب فحص النظام القانوني والسياسي الذي يصنعه. ينطلق هذا الفهم من مقولة كارل شميت: «السيادي هو من يملك القرار في حالة الاستثناء (الطوارئ)»، لكن أغامبين يأخذ هذه العبارة إلى مدى أبعد من مجرد تفسيرها الدستوري المعتاد.
يكمن التناقض الأساسي في أن «السيادي» يوجد داخل القانون وخارجه في الوقت نفسه، فالقانون يعجز عن العمل وسط الاضطراب، ولضمان النظام يُعلن الحاكم «حالة الاستثناء» فيوقف العمل بالقوانين مؤقتا لحمايتها. هذا التعطيل لا يلغي القانون تماما، بل يجعله نافذا بطريقة عكسية، يتحكم بالأفراد عبر رفع الحماية عنهم والامتناع عن تطبيق حقوقهم. هذه الحالة هي ما يصفها أغامبين بـ «الحظر» أو «النبذ»، حيث لا يصبح الشخص حرا خارج النظام، بل يُلقى مجردا من حماية القانون ليقع مباشرة تحت سطوة السلطة وبطشها.
إنه في سجلات القانون الروماني القديم: «الإنسان المستباح» (Homo Sacer)، أي الملعون، أو المنبوذ، أو المُفرَز خارج الجماعة.
إن «الإنسان المستباح» هو ذلك الشخص الذي أُدين بجرم أو حُكم عليه بقرار سيادي أدى إلى طرده الكلي من المجتمع المدني والديني، منتجًا نتيجتين قانونيتين مفارقتين تشكلان معًا جوهر الاستباحة: أولاً، يُسمح لأي شخص بقتله وإهدار دمه دون أن يُعدّ هذا الفعل جريمة قتل جنائية تستوجب العقاب. ثانياً، لا يجوز تقديم هذا الشخص كأضحية أو قربان للآلهة في الطقوس الدينية.
لقد أُقصي هذا الكائن من القانون الإنساني (فحياته لم تعد محمية بالقصاص أو التشريع الجنائي)، وأُقصي في ذات اللحظة من القانون الإلهي (فموته لا يحمل أي قيمة شعائرية أو رمزية). إنه في منطقة برزخية فاصلة، فاقدٌ لكل قيمة قانونية، ولم يتبقَّ منه سوى قابليته المطلقة للقتل. إن ما يُنتج في هذا الفراغ المزدوج هو بالضبط ما يمكن تسميته بـ «الحياة العارية»، الحياة التي جُردت من كل تشريع، والتي يمكن سلبها دون أن يترتب على ذلك أي أثر أخلاقي أو ديني أو قانوني.
إن جسد الملك (أو السيادي) وجسد الإنسان المستباح (Homo Sacer) هما في الواقع وجهان لعملة السيادة ذاتها، فكلاهما، السيادي والمستباح، يوجدان «خارج» القانون العادي. وكما أن السيادي هو الشخص الذي يبدو جميع الناس أمامه بمثابة «أشخاص مستباحين» (يمكن تعليق حقوقهم بقرار منه)، فإن «الإنسان المستباح» هو الشخص الذي يتصرف جميع الناس تجاهه كـ «سياديين» (إذ يمكن لأي شخص أن يقتله دون عقاب). إن هذه العلاقة التناظرية تبين كيف أن السلطة المطلقة تتأسس عبر قدرتها الدائمة على إنتاج «الإنسان المستباح».
ينتقل جورجيو أغامبين من التاريخ القديم ومفارقات القانون الروماني إلى القرن العشرين وما تلاه، ويقول إن «المخيم» أو «المعتقل» ليس مجرد شذوذ تاريخي، ولا هفوة أخلاقية عابرة تنتمي إلى بربرية فاشية أو نازية طارئة تم التغلب عليها، بل هو المصفوفة الخفية والمختبر الحقيقي الذي تتشكل داخله العلاقة المعاصرة بين السلطة والحياة.
لفهم هذه الأطروحة يجب النظر إلى المخيم بوصفه التجسيد المكاني والجغرافي الدائم لـ «حالة الاستثناء». تاريخيا، كانت حالة الاستثناء أو الأحكام العرفية تُفهم بوصفها إجراء زمنيا مؤقتا، أي تعليقا طارئا للقانون لمواجهة خطر داهم، يزول بزوال المسبب. ولكن في المخيم، تتحول حالة الاستثناء من بُعد «زماني مؤقت» إلى بُعد «مكاني دائم»، إذ يتم اقتطاع رقعة جغرافية محددة وإعفاؤها كليا من النظام القانوني الساري، وفي هذا الفضاء المفرغ من أي ضمانات حقوقية، يندمج الواقع بالقانون كليا إلى حد تصبح فيه إرادة الحارس أو ضابط المعسكر هي القانون المطلق، ويغدو كل فعل عنيف يُمارس داخل الأسلاك الشائكة شرعيا بالضرورة، لأن التشريع ذاته قد تم تعليقه.
في هذا الفضاء السياسي العاري، حيث تسود السلطة المطلقة وتغيب الوسائط الحقوقية، يُنتج المخيم نمطه الخاص والمرعب من الكائنات الإنسانية. استلهم أغامبين من أدبيات الناجين من معسكرات الموت النازية شخصية «المُسْلِم» (Muselmann)، وهو ذلك الجسد البشري المنهك كليا، الذي استُنزف حد العدم، ففقد كل مقوماته الذاتية والنفسية والإرادية. لقد فقد القدرة على الكلام والتفكير، وحتى الشعور بالألم أو التعاطف، وأصبح مجرد آلية بيولوجية متبلدة تتحرك بخطى آلية نحو الموت. إن «المُسْلِم» هو التجسيد الأقصى والأكثر صفاءً لـ «الحياة العارية»، إنه الكائن الذي أُفرغ من كل محتوى إنساني، ليغدو مجرد جثة تتنفس، محرومة حتى من كرامة الموت.
وتعود كلمة «Muselmann» لغويا إلى الألمانية الكلاسيكية وهي تعني حرفيا «مُسلِم»، ولم يكن استخدامها في معسكرات الاعتقال النازية مشيرا إلى هوية دينية فعلية، بل كان لقبا دارجا في لغة المخيمات. ونشأت هذه الاستعارة في أوشفيتز من تضافر صورتين نمطيتين استشراقيتين في المخيلة الأوروبية آنذاك: الأولى جسدية تتعلق بانهيار السجين التام من الجوع وضمور عضلاته، مما يجعله يجلس منكمشا برأس متدلٍ وظهره مقوس نحو الأرض في وضعية بدت للآخرين كالسجود أثناء الصلاة، والثانية نفسية تربط بين حالة اللامبالاة المطلقة وفقدان إرادة البقاء وبين فكرة «القدرية» والاستسلام المحتوم للقدر التي كانت تُنسب في التصورات الغربية للإسلام.
لا يقتصر كل ما سبق على الأنظمة الشمولية بل يمتد إلى الديمقراطيات الحديثة، وهو ما تطرقت إليه الفيلسوفة حنة آرندت بقولها إن الديمقراطية الحديثة تربط «الحقوق الإنسانية» الكونية بحقيقة «الولادة» البيولوجية، مما يعني عمليا ربطها بـ «المواطنة»، فحقوق الإنسان لا تُمنح للفرد بوصفه إنسانا مجردا، بل بوصفه مواطنا ينتمي إلى دولة قومية معترف بها.
عندما تنهار منظومة الدولة، يُجرَّد الإنسان من سياقه الوطني وانتمائه، ويفقد فورا غلافه الحقوقي (البيوس)، فيتحول في لحظة واحدة إلى «حياة عارية» تُلقى خارج أسوار الحقوق، ويُصنَّف ككائن يُدار بيولوجيا (يُطعَم، يُؤوى، ويُحصى)، ولكنه يُقصى سياسيا وقانونيا إلى «الاستثناء» الذي قد يفرضه حاكم محلي أو أي دولة أخرى تمتلك سلطات على جسده.
إذا كانت قراءة جيجيك لغوانتنامو تمثل وصفا دقيقا لـ «الإنسان المستباح» في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، فإن الإنسان السوري يمثل التجسيد الأقصى والأكثر فجيعة وشمولية لمفاهيم «الحياة العارية» و«حالة الاستثناء» و«الأموات الأحياء» و«الإنسان المستباح»، حيث تحولت سوريا بأكملها، وامتداداتها في دول اللجوء، إلى «غوانتنامو مفتوح» يمارس فيه كل «أصحاب السيادات» المحلية والدولية طقوس «الاستثناء» على أجساد السوريين.
إن منطق «النجاة العَرَضيّة» الذي شُرعن به اعتقال سجناء غوانتنامو يفسر تعامل العالم مع السوريين اليوم. لقد أمطرت السماء السورية على مدار سنوات بالبراميل المتفجرة والصواريخ الارتجاجية والأسلحة الكيميائية، ووفقا للمنطق العسكري كان يُفترض بالسوريين أن يكونوا جثثا هامدة تحت الأنقاض، أو أرقاما مجهولة في المقابر الجماعية. وبناءً عليه، فإن بقاء ملايين السوريين على قيد الحياة يُنظر إليه سياديا كـ «نجاة عَرَضيّة» أو خلل بيولوجي.
بفعل هذه «النجاة العَرَضيّة»، سُلب حق السوريين في الحياة الكريمة سلفاً، وأصبح يُنظر إلى بقائهم أحياء بوصفه منحة و«حالة أقل قسوة» من الموت المحتوم الذي «أخطأهم» صدفة. حتى بعد سقوط النظام يعاقَب السوري ضمنياً على جريمة بقائه حياً، ويمارَس عليه الاستثناء ككائن فائض عن الموت، فاقد لأي استحقاق قانوني.
لقد أُسقط السوريون، بشكل جماعي وغير مسبوق تاريخيا، في تلك المنطقة البرزخية التي وصفها لاكان بـ «بين الموتَين». إن تحويل السوري إلى «إنسان مستباح» لم يعد مجرد عرض جانبي، بل تحول إلى ناموس يحكم التعاطي مع الجسد السوري، وسببه أن سوريا تحولت فيها حالة الاستثناء (الطوارئ) من بُعد «زماني مؤقت» إلى بُعد «مكاني دائم».
Loading ads...
وإذا كانت كل سلطة تعتلي حكم سوريا تتشبث بهذا الاستثناء (الطوارئ)، فكيف ننتظر من العالم أن يعيد إدماج السوري في حيز الحقوق والقانون (البيوس)؟ إن إبقاء السوري في حالة «الحياة العارية» وسوريا بأكملها جغرافيا مستباحة لا يحكمها سوى قانون الاستثناء يلبّي حاجة بنيوية لدى باقي دول المنطقة والعالم التي ترسخ سيادتها وشرعيتها داخل أسوارها عبر استباحة ما يقع خارجها.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً
«النجاة العَرَضيّة» والإنسان المستباح
منذ ساعة واحدة
0
دروس من فاجعة درعا لعلاقات الأردن وسوريا
منذ ساعة واحدة
0

