40 دقائق
جريمة إعدام موثّـقة.. "الثأر" وقوانين العشيرة في زمن تطبيق العدالة الانتقالية
الخميس، 21 مايو 2026
ما تزال قضايا الثأر في سوريا تشكّل تحدياً أمنياً واجتماعياً مستمراً، وخاصة في المناطق ذات الصبغة العشائرية في شمال وشمال شرقي البلاد، رغم المحاولات الحثيثة لضبطها قانونياً وعرفياً وعبر المؤسسات القضائية، وتحريمها دينياً عبر العديد من الأحكام والفتاوى الشرعية، آخرها الفتوى الصادرة عن مجلس الإفتاء الأعلى في سوريا في منتصف العام الفائت، والتي قضت بتحريم الثأر والانتقام خارج إطار القضاء والقانون.
مؤخراً، غطت الشارع السوري موجة واسعة من الغضب والاستنكار عقب انتشار تسجيل مصور قيل إنه التقط في محافظة الرقة، يوثق جريمة إعدام ارتكبها شاب بحق شاب آخر، في حادثة بررها مرتكب الجريمة لاحقاً بأنها "للثأر" من قاتل أخيه، ووصفها ناشطون وأهالٍ بأنها "بشعة" و"تهدد السلم الأهلي" في المنطقة.
الحادثة بدأت عندما أقدمت مجموعة مسلحة على اختطاف الشاب عبد الله الرمضان، بعد انتحال صفة أمنية، قبل أن يتم تسليمه إلى القاتل الذي أعدمه بإطلاق عدة رصاصات على رأسه وجسده، بحسب ما أظهر مقطع الفيديو الذي وثّق الجريمة.
وفور انتشار المقطع عبر منصات التواصل الاجتماعي، وردود الفعل المنددة، طالب الأهالي قوات الأمن الداخلي والجهات المعنية بفتح تحقيق عاجل لكشف هوية المتورطين وتقديمهم إلى العدالة، وسط دعوات من عموم السوريين لفرض إجراءات أمنية مشدّدة وإنزال أقصى العقوبات بحق مرتكب الجريمة والمشاركين فيها، بهدف منع تكرار مثل هذه الحوادث.
ومع تداول أنباء من مصادر محلية تفيد بأن الجريمة جاءت على خلفية قضية ثأر، وأشار بعضها إلى أن الضحية لم يكن طرفاً مباشراً في الخلاف الذي اندلعت بسببه حادثة القتل الأولى؛ ظهر المدعو "مالك العابد" عبر مقطع مصوّر، برّر فيه قتله الشاب عبد الله الرمضان بأن الأخير أقدم قبل 3 سنوات على قتل شقيقه بمشاركة مجموعة من الأشخاص، مستشهداً بتسجيلات صوتية قال إنها تثبت تورط الرمضان بجريمة قتل شقيقه.
وزعم أن هدفه من تصوير الجريمة كان لعرض تفاصيلها على والدته "التي احترق قلبها على ولدها القتيل طوال السنوات الـ3..."، كدليل إثبات على أنه أخذ بثأر شقيقه. مدعياً أن أحد أقاربه هو الذي سرق المقطع ونشره على مواقع التواصل.
من خلال المقطع الأخير، يتضح أن ارتكاب "العابد" لجريمته كان بدافع الثأر الشخصي المحض، وهذا الشكل (الثأر لمقتل أحد أفراد العائلة، وخاصة الإخوة الذكور) منتشر بشكل كبير داخل الأوساط العشائرية، ويعدّ عُرفاً من أعرافها. وهذا ما أشار إليه "العابد" في مقطعه المصوّر حين قال: "لي مع القتيل قضية ثأر، والمعروف بيننا نحن العشائر أن الثأر لا بد من تنفيذه ولو بعد مئة عام".
وخلال حديثه لموقع تلفزيون سوريا، يصف مؤسس المجلس الأعلى للقبائل والعشائر السورية، مضر حماد الأسعد، الحادثة بأنها "جريمة مروعة بحق العشائر وبحق الشعب السوري عامة، والإنسانية"، وطالب في حديثه لموقع تلفزيون سوريا، بمحاسبة الفاعل "بصفته مجرماً"، مؤكداً أن القبائل والعشائر ترفض ذلك الفعل رفضاً قاطعاً.
ويَحمل عُرف "القتل بالثأر" الذي يعود في جذوره إلى الفترة الجاهلية، معتقد أن "الدم لا يغسل إلا بالدم"، ويبقى أهل القتيل يعيشون في حالة استنفار دائم وتحيُّن الفرصة لأخذ الثأر من القاتل أو من أحد أقربائه من الدرجة الأولى (ابنه، أبيه، أخيه، عمه). وغالباً ما يؤخذ الثأر خلال ساعات النهار وعلى العلن، كما ويتباهى الفاعل بجريمته أمام الجميع، دون أي اعتبار للعواقب القانونية والقضائية.
"الثأر موجود منذ آلاف السنين، سواء لدى العرب أو الرومان أو الفرس وغيرهم، ولكن له شروط؛ فهناك القتل العمد والمقصود، وهناك القتل غير المقصود، والقضاء والقدر، والتسبب بالوفاة... إلخ، ولا يمكن الأخذ بالثأر في جميع الحالات المذكورة"، وفق الأسعد.
ويشير إلى أن عادة الثأر متجذرة أكثر لدى العشائر العربية نتيجة "عدم وجود قانون صارم يحاسب القاتل أو الذين تسببوا بالوفاة، وعدم قناعة أبناء العشائر في القوانين الوضعية الموجودة في الدول، ومزاجية بعض القضاة، وعدم إطلاقهم أحكاماً عادلة بحق مرتكب الجريمة"، كل هذه الأسباب وأسباب أخرى تدفع ابن العشيرة إلى الثأر وأخذ حقه بيده من القاتل.
ويؤكد الأسعد وجود الكثير من العشائر والقبائل التي ترفض الأخذ بالثأر، انطلاقاً من الدافع الديني الذي يحرّم القتل، بالإضافة إلى توفر العديد من البدائل، منها "الديّة" والسجن، والترحيل (الجَلوة بالعامية). وبشكل عام لدى العشائر السورية تفهّم كبير بعدم الأخذ بالثأر، واللجوء إلى الصلح العشائري من خلال ما يطلق عليه "سواني العشائر" أو "المضبطة العشائرية" التي تحدّد الأسس الحقيقية لأحكام القضاء العشائري.
خلال سنوات الثورة، تراجعت حالات الثأر الفردية مع توزّع أبناء العشائر بين فصائل القوى المسيطرة على الأرض، لكن تلك الحالات تحوّلت في بعض الأوقات إلى شكلٍ أخذ طابع الانتقام الجماعي، مثال ما حدث مع أبناء قبيلة الشعيطات عقب سيطرة تنظيم "داعش" على محافظة دير الزور عام 2014، وتوغّله في البلدات والقرى الممتدة على طول نهر الفرات، واستغلاله الأسس العشائرية المحلية لترسيخ حكمه، وتشكيل تحالفات استراتيجية مع بعض العشائر بينما كان يقمع بوحشية قبائل أخرى.
جرى تشجيع القبائل التي انضمت إلى التنظيم على إرسال أبنائها للقتال دفاعاً عن الجماعة، وتزويج بناتها إلى قادة التنظيم، ودمج المقاتلين في المجتمع المحلي. وسارت الأمور لصالح التنظيم، في حين فازت القبائل الأخرى بأعداء كثر على المدى الطويل- سواء بالنسبة للتنظيم نفسه أو لحلفائه من القبائل المحلية.
في آب 2014، تمردت قبيلة الشعيطات في جنوب شرقي دير الزور. رداً على ذلك، قمع التنظيم تمردهم بوحشية كبيرة، وجعل منها مثالاً للقبائل الأخرى، حيث اقتيد مئات الشبّان من أبناء الشعيطات (قدرت بعض التقارير عددهم بأكثر من 700 شاب) إلى الصحراء، وقتلهم بالرصاص وبالسلاح الأبيض.
تلك الجريمة التي ألمّت برجال قبيلة الشعيطات، دفعت فريقاً من شبّانهم الناجين -بعد القضاء على التنظيم في محافظة دير الزور 2017- إلى تشكيل فصيل مسلّح تحالف مع قوات النظام المخلوع الذي عاد للسيطرة على مساحة واسعة من دير الزور، وذلك بدافع الانتقام من أبناء القبائل الذين تحالفوا في السابق مع التنظيم وشاركوه المجزرة. وفي أثناء ذلك، لوحظ ارتفاع كبير في عمليات القتل العمد التي تفاوتت بين منطقة وأخرى من ريف دير الزور.
في الجزء الآخر من المحافظة، والذي سيطرت عليه "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد)، ساهمت الأخيرة في زيادة التفتت القبلي عبر استثمارها في الولاءات والانقسامات. وبالرغم من عمليات الاغتيال التي استهدفت شيوخ ووجهاء العشائر في المنطقة، إلا أن حالات الثأر والانتقام من قتلتهم بدت شبه غائبة عن المشهد.
بسبب غياب الدولة في تلك السنوات، أخذت العشائر والقبائل دور الدولة بشكل كبير، وخاصة في مناطق شمال وشمال شرقي سوريا. وكان القضاء العشائري هو السائد هناك وكانت الأحكام العشائرية نافذة، بحسب الأسعد الذي أكد أن المجالس التي تمثّل العشائر والقبائل السورية كان دورها محورياً في إنهاء أكبر المشاكل والمعضلات، من خلال "مكتب الصلح العام" العشائري.
بدأ تحرير البلاد من نظام الأسد عبر عملية "ردع العدوان" التي انطلقت في أواخر تشرين الثاني 2024، وانتهت بدخول فصائل المعارضة السورية إلى العاصمة دمشق وهروب رئيس النظام بشار الأسد إلى موسكو، فجر 8 كانون الأول.
لم تشهد مراحل العملية التي امتدت لنحو 11 يوماً، حالات ثأر -معلنة- فردية أو جماعية، سواء على مستوى العشائر أو الطوائف. إذ شدّدت القيادات العسكرية في ذلك الحين، وعلى رأسها قائد هيئة تحرير الشام سابقاً والرئيس السوري حالياً أحمد الشرع، على عدم ممارسة أي نوع من أنواع الثأر والانتقام من الموالين للنظام المخلوع.
وتعالت منذ ذلك الوقت، أصوات المطالبين بالقصاص من مرتكبي الانتهاكات بحق السوريين خلال حقبة النظام المخلوع، وتطبيق مبدأ العدالة الانتقالية، بالتوازي مع تسجيل حالات محدودة من الثأر والانتقامات الفردية في العديد من المناطق السورية – ولم تقتصر على المناطق ذات الانتشار العشائري- والتي غالباً ما كانت تنفّذ على يد "مسلحين مجهولين".
وفي حزيران 2025، أصدر مجلس الإفتاء الأعلى في سوريا، فتوى حرّم فيها الثأر والانتقام، مؤكداً أن الإسلام يضمن حق المظلوم في المطالبة بحقه، لكن "بالطرق المشروعة"، مستشهداً بقوله تعالى: "لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم"، وقوله صلى الله عليه وسلم: "دعوة المظلوم تُرفع فوق الغمام، ويقول الرب: وعزتي لأنصرنك ولو بعد حين".
وشدد المجلس على أن "القصاص لا يجوز إلا للإمام أو نائبه"، وأن من يقوم به بنفسه "يستحق العقوبة"، معتبرا أن تجاوز القانون "يفتح أبواب الفتنة، ويمسّ هيبة الدولة، ويهدد أمن المجتمع".
وأضاف المجلس، "الانتقام خارج القانون يزرع الفوضى، ويؤدي إلى إشاعة الفُرقة والعداوات، ويهدم أسس العدل والسلم الأهلي"، محذرا من الدعوات العامة إلى الثأر، ومؤكدا أن الإسلام يرفض الغلو في العقوبة، وقد قال تعالى: "ولا تقتلوا النفس التي حرّم الله إلا بالحق، ومن قُتل مظلومًا فقد جعلنا لوليه سلطاناً فلا يسرف في القتل".
في منتصف أيار 2025، أصدر الرئيس الشرع مرسوماً يقضي بتشكيل هيئة وطنية للعدالة الانتقالية "تُعنى بكشف الحقيقة حول الانتهاكات الجسيمة التي تسبب فيها النظام المخلوع ومساءلة ومحاسبة المسؤولين عنها بالتنسيق مع الجهات المعنية، وجبر الضرر الواقع على الضحايا، وترسيخ مبادئ عدم التكرار والمصالحة الوطنية"، وفق ما ورد في نصّ المرسوم.
ساهم المرسوم بتهدئة نفوس عموم السوريين المتضررين من مجرمي النظام السوري وانتهاكاتهم، ولكن لم يمض شهر واحد على إصداره حتى اندلعت أحداث العنف في السويداء بين مسلحين دروز والعشائر البدوية، وتوسعت الاشتباكات سريعا في القرى والبلدات، لتوقع مئات الضحايا بين الطرفين، بالتزامن مع دخول القوات الحكومية في محاولة لاحتواء المشهد المتدهور.
خلال تلك الأحداث التي ما تزال البلاد تعيش انعكاساتها المؤلمة على الاستقرار والسلم الأهلي، اتسعت حالة الثأر والانتقام لتأخذ شكل ما أطلق عليه مسمّى "الفزعة"، حين احتشدت عشائر وقبائل من مختلف المناطق السورية، واتجهت إلى السويداء بهدف الدفاع عن العشائر البدوية في المحافظة ضد أبناء المكون الدرزي فيها.
وتحاول هيئة العدالة الانتقالية، عبر "مكتب السلم الأهلي والمجتمعي" الذي يشغل فيه الأسعد دور المنسّق العام، السعي لإيجاد الحلول المناسبة لمختلف المشاكل التي تهدد الاستقرار والسلم الأهلي والمجتمعي في سوريا.
ويقول الأسعد: "عندما تكون الدولة قوية تخف وطأة العشيرة، واليوم يوجد أكثر من مجلس للعشائر والقبائل، ونتمنى أن تكون هناك شراكة بين وزارة العدل السورية ومجلس الصلح العام الذي تأسس منذ فترة وجيزة، بهدف التعاون لإنهاء مختلف المشاكل المرتبطة بالأعراف العشائرية"، وعلى رأسها الثأر.
يُعاقب القانون السوري على جرائم الثأر بشدة، حيث يعدّ الثأر والأخذ بالحق خارج نطاق القضاء جريمة جنائية متكاملة الأركان تندرج تحت بند القتل العمد، ولا يُعفى مرتكبها من العقاب ولا يُعتبر دافع "الثأر" عذراً مُخفّفاً للعقوبة.
ويُصنّف الثأر الذي ينتهي بالقتل على أنه "قتل قصد" أو "قتل عمد" مع سبق الإصرار، وتصل عقوبته إلى الأشغال الشاقة المؤبدة، أو الإعدام في حال توافر ظروف مشددة مثل سبق الإصرار. كما لا يقتصر التجريم على المنفذ المباشر فقط، بل يعاقب القانون كل من يحرّض على الثأر، أو يسهّل ارتكاب الجريمة، أو يشارك فيها.
Loading ads...
ويُعدّ الثأر محرماً شرعاً لما يسببه من إشاعة للفوضى، وهدم لأسس العدالة والأمن، وتهديد للسلم المجتمعي. ويُلزم القانون والمؤسسات الدينية الأفراد وذوي الدم بضرورة اللجوء إلى المؤسسات القضائية والشرعية لاسترداد حقوقهم بطرق مشروعة وعادلة.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه

