في كتابه "روح القوانين" يقول الفيلسوف الفرنسي مونتسكيو (إنها تجربة أزلية، أن كل من يملك سلطة ينحو إلى إساءة استخدامها، ويمضي في ذلك حتى يصطدم بحدود توقفه).
لطالما كان الفساد ملازمًا للسلطة بشتى تجلياتها عبر الأزمنة المتعاقبة وإن تباينت نسبة التفشي وأنماط الإخراج الفني لهذا الفساد، ربما لأن الفساد من ألصق السمات بالكينونة الإنسانية، لا سيما حين تتمكن هذه الكينونة من مقاليد السلطة وتعمل على تطويع المؤسسات الإعلامية والثقافية والقانونية وحتى الدينية في خدمة نزعاتها ومصالحها وهذا ما شهدناه عبر قرون متوالية من أشكال الحكم على تنوعها واختلافها.
حجم الفساد المتأصل في طبيعة الكثيرين ممن كانت مغامرة الثورة بالنسبة لهم فرصة في الزمن الضائع ومقامرة بلا رأسمال يغامرون به..
في الحالة الثورية أو الانقلابية يصبح الأمر أشد ضراوة وأعصى على المقاومة أو المعارضة، كونه يستند إلى مشروعية استثنائية قامت على هزيمة الحاكم الجائر أو على تبني مشروع إصلاحي يعد بعدالة اجتماعية وسياسية طالما حلمت بها الشعوب المقهورة، يصبح النصر الذي حظيت به تلك السلطة الجديدة عامل تشويش على ملكة النقد والمساءلة والمطالبة بالشفافية لأن النصر يرفع المنتصرين الجدد إلى مرتبة الأبطال المبجلين ويصبح أي نقد أو سعي للمطالبة بالشفافية وتعرية الامتيازات الاستثنائية وتحري تضارب المصالح ضربًا من ضروب إعلان المعاداة مع العهد الجديد وجماهيره المؤيدة والمنتشية بخلاصها ووصوله، ويعزز من هذا كله انهيار المؤسسات التي كانت تشرف على إدارة الموارد والشؤون العامة، مع تنحية أو غياب عدد كبير من المؤهلات الإدارية والعلمية التي كانت تعمل في ظل النظام المنهزم، لتصبح مقاليد الأمور في كثير من المواقع بيد عناصر مؤهلة ثوريًا وربما تمتلك تاريخًا ناصعًا في النضال والتضحية خلال فترة مقارعة النظام البائد، لكنها تفتقر إلى أدنى الخبرات والمؤهلات المؤسساتية اللازمة لمباشرة عملية الإدارة، لا سيما في هذا الظرف الاستثنائي والصعب، وتصبح مقدرات البلاد ومؤسساتها رهينة تتأرجح بين قدرة السفيه وعجز الثقة.
ناهيك عن حجم الفساد المتأصل في طبيعة الكثيرين ممن كانت مغامرة الثورة بالنسبة لهم فرصة في الزمن الضائع ومقامرة بلا رأسمال يغامرون به، وهم اليوم يرون في المشروعية الثورية أو فيما قدموه من نضال في زمن الصراع الصعب مسوغًا للتحصل على حصة من هذه الغنيمة التي لم تكن يومًا من تركة النظام البائد بل هي مقدرات الشعب الذي ما يزال يدفع ما يفوق طاقته من المعاناة والضرائب، وتصبح المشاريع الملحة التي ينبغي لها أن تنجز بأسرع وقت لتعيد للمواطن المحروم والمنهوب والمسحوق بعضاً من أساسيات حياته، تصبح بعض هذه المشاريع استثمارات شخصية لبعض المتنفذين على نهج النظام ذاته الذي كنا نحاربه لعلة الفساد ذاتها، ذلك الفساد الذي تفشى في بنيتنا جميعًا وصار الركون إلى آلياته من العادات المألوفة مع تقادم الأيام، ومعظمنا يعلم كيف يمكن لتلك المشاريع أن تجيَّر لجهة بعينها عبر سلسلة من الإجراءات الإدارية السليمة التي يمكن التلاعب بها إن خففنا قليلًا من تحري مؤشرات الشفافية والرقابة والتدقيق اللازم، وتصبح البلاد مرة أخرى رهينة تداخل المصالح وسيادة المحسوبيات بذريعة التثقيل الثوري، وجريرة تسييس العدالة مما يدفع إلى تلاقي مصالح رموز السلطة القديمة برموز السلطة الجديدة ويصبح تحقيق المصلحة الاقتصادية المزعومة مقدمًا على تحقيق العدالة وسيادة القانون ورد المظالم، الأمر الذي يخلق حنقًا واحتقانًا شعبيًا مبررًا ويتحول الناس من حلم بتحقيق العدالة عبر مؤسسات القانون إلى الرغبة الجامحة في تحصيل الحقوق الشخصية بمنطق العدالة الانتقامية، ولن تجد أسهل من تبرير هذا الانجراف وسوق المبررات لتأييده، وهنا نصبح رهينة فسادين مدمرين، نهب المقدرات والانكباب على تكديس الثروات، وشيوع الانتقام الذي يفتت السلم الأهلي ويقطع الطريق على أي حلم بالتنمية والاستقرار والسلم الاجتماعي.
أولى تجليات هذا الفساد سيكون في قطاع الحاجات الأساسية للحياة اليومية من طعام وماء وطاقة وصحة، لكونها الأشد إلحاحًا، والتي تهدد بغيابها أو عدم كفايتها استقرار الحياة بأبسط أشكالها، وبسبب الارتباك الأمني لدولة
هشة محطمة البنى ورثت دمارًا ممنهجًا ومستحكمًا سيكون إيلاء الشطر الأمني القدر الأكبر من الموارد والاهتمام، ستكون الرقابة والحرص على الشفافية في حدودها الدنيا مما يجعل الظرف مواتيًا لمقتنصي الفرص الذين يعرفون كيف تصاغ القوانين والقرارات ويلمون بشكل واسع بسلاسل التوريد وبناء الشبكات الداعمة التي تعيدهم إلى ساحة التحكم بالاقتصاد وبالقرارات الاستثنائية بعلة حاجة البلاد المنهكة إلى رأسمالهم وخبراتهم.
الملمح الإيجابي في هذه المسارب المتعرجة أن المجتمع السوري اليوم قد ثقب جدار الخوف وتخطى العقبة وصار مسكونًا بأحلام تحقق الشطر الأصعب منها وهو سقوط هذا النظام المتغول بالرغم من الكلفة الباهظة التي ستترك في جسد السوريين ندوبًا عصية على الشفاء، وصار صوت عامة الناس يعلو لأدنى تجاوز يظهر للعلن، وبالرغم من التخبط بين تنظيم الإعلام ومصادرته وبين تهذيب لغة التواصل الاجتماعي وبين تكميم الأفواه، فإن الصوت العام بدأ يشكل آلية مباشرة من الضغط الذي دفع العديد من المسؤولين للتراجع عن قرارات كانت غير مدروسة بالقدر اللازم، وصار من الأعراف السائدة أن الصوت العام عندما يرتفع يجد له آذانًا مضطرة للإصغاء إليه والاستجابة لمطالبه سواء بالتراجع أو التعديل أو التعليل والتوضيح اللازمين، ولم تعد السلطة كسابق عهدها تتنزل قراراتها وإجراءاتها من الأخ الأكبر المتأله الذي لا راد لقضائه، وصار للإعلام فضاء أرحب يستطيع المواطن العادي وكل صاحب مظلمة أو حق النفاذ إليه وإسماع صوته للملايين.
المدينة الفاضلة ستبقى كما بقيت منذ فجر التاريخ أسيرة في أحلام الشعراء وحوارات الفلاسفة.
من محاسن حظوظ الحالة السورية أن الدولة العميقة التي أسهمت بشكل كبير في إفشال العديد من تجارب الربيع العربي، ليست من تركيبة الحالة السورية التي عاشت غطرسة العصابات الحاكمة وتألهها فلم تبذل أدنى جهد لبناء شبكة حماية عميقة كما جرى في بلدان عربية أخرى، بل كانت هي نفسها بتغولها الأمني المتغطرس الدولة العميقة التي لم تأبه لأحد، فقد كانت تنهب البلاد وتقتل الشعب وتستعبد الناس دون مواربة أو حياء، لذلك لن نفاجأ كسوريين بقوى خفية تتحرك لتعيد المياه إلى خلف السد مرة أخرى، فالفاسدون والمنتفعون من شبكات الفساد معروفون بالأسماء، وإن كانت العدالة اللازمة لم تصل إليهم بعد لأسباب ما تزال مجهولة، إلا أن العزل الشعبي سينال منهم وسيضيق عليهم الخناق وسيُلجئ القائمين على الأمور إلى محاسبتهم عاجلًا أم آجلًا.
Loading ads...
سيبقى السجال قائمًا على أشده بين نزعات الفساد الأصيلة عند بعض من تسلم زمام السلطة في كل مكان وبين صوت المطالبين بالعدالة والشفافية وتكافؤ الفرص وتقليص الفوارق وحيازة الامتيازات، كما سيستمر الصراع بين قراصنة ومافيات متسيدين أدمنوا نهب المقدرات، وبين شعب يدافع عن حقه في العدالة والحرية، ولن يفنى أي من الطرفين أو يحسم له الفوز بتمامه، لكن الآمال والسعي يبقيان معقودين على تضييق الفجوة وتقليص هوة الحقوق المهدورة إلى أدنى حدودها الممكنة، وسيكون لاستقلال القضاء وحرية الإعلام وقدرته على تعرية الفساد الذي يسكن دائمًا في الظلال وفي الحجرات المغلقة، أكبر الدور في ترجيح كفة تلك السجالات التي لن تنتهي، وليس ببعيد عن تلك الساحات ذلك الدور الكبير المناط بمؤسسات المجتمع المدني في الرقابة وإرساء قواعد الشفافية بأقصى درجاتها، إلا أن المدينة الفاضلة ستبقى كما بقيت منذ فجر التاريخ أسيرة في أحلام الشعراء وحوارات الفلاسفة.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً

