في قرى جنوبي إدلب التي طالها الدمار، عاد الأهالي حديثاً إلى بيوت لم يبقَ من كثير منها سوى الجدران، وإلى حياة يومية مثقلة بنقص الخدمات، وغياب المراكز الصحية، والاعتماد على غرف مسقوفة بأغطية بلاستيكية.
لكن معاناة العائدين لم تتوقف عند حدود الدمار وغياب الخدمات، إذ تحولت الأنقاض والأبنية المهجورة، بعد سنوات من الهجر، إلى بيئة مناسبة لتكاثر الأفاعي والحشرات والعقارب، التي باتت تشكل خطراً يومياً على السكان، ولا سيما الأطفال.
أم توفيق، واحدة من سكان قرية معرة حرمة الذين عادوا إليها بعد سقوط النظام، تقول إنه على الرغم من أن المنطقة مدمرة، فإنها عادت مع عائلتها للعيش في القرية بعد أكثر من عشر سنوات من السكن في مخيمات الشمال السوري.
وتضيف: "صبرنا على العديد من الظروف الصعبة، أبرزها قلة الخدمات وافتقار المنطقة إلى المشافي والنقاط الطبية والمدارس وغيرها، إلا أن المشكلة الأكبر هي ما نواجهه اليوم من انتشار كبير وغير مسبوق للأفاعي والحشرات والعقارب".
واجهت أم توفيق عدداً من الأفاعي بالقرب من منزلها، إلا أنها لم تتمكن من التخلص منها، إذ كانت دائماً ما تهرب وتختبئ بين أكوام الحجارة المدمرة في الحي. لكنها استطاعت، اليوم، قتل ثعبان أسود ضخم كان يبتلع أفعى أصغر منه حجماً.
وتقول: "تركتُ الأطفال يلعبون تحت الأشجار في مكان قريب من البيت، وذهبت لأكمل بعض أعمال المنزل، حين تعالت أصواتهم وصرخاتهم. عدت إليهم لأجد ثعباناً أسود ضخماً يمسك في فمه أفعى أصغر منه ويحاول ابتلاعها، وكان يحاول سحبها إلى داخل جذع الشجرة القريب من بيتنا. ورغم أن الخوف كان يتملكني، وجدت نفسي المسؤولة الوحيدة عن أطفالي، ما جعلني أركض نحو المجرفة وأتجه إلى الثعبان وأضربه عدة ضربات قضت عليه وعلى الأفعى التي حاول ابتلاعها".
أما إيمان، ابنة أم توفيق، فتقول إنها كانت عائدة من زيارة صديقتها حين سمعت صراخ إخوتها، ما جعلها تركض نحوهم لتتفاجأ بوجود ثعبان أسود يدخل إلى الشجرة التي اعتادت الجلوس على جذعها المقطوع مساء كل يوم.
وتضيف: "شعرتُ بالخطر، وتخيلت نفسي أجلس على الجذع بينما هناك ثعبان يختبئ في داخله".
ويحاول الأهالي الحد من مخاطر انتشار هذه الحشرات والأفاعي من خلال مراقبة الأطفال في الخارج قدر المستطاع، أو منعهم بشكل مباشر من الخروج للعب في الأماكن القريبة من الدمار والأبنية المهجورة. إلا أن كثيراً من هذه الحشرات يتسلل إلى داخل البيوت، بالتزامن مع ارتفاع درجات الحرارة وفتح الأهالي للأبواب والنوافذ.
وتضيف أم توفيق: "نجد أنفسنا أمام خيارين؛ الأول ترك النوافذ مفتوحة والبقاء في حالة ترقُّب وحذر وخوف، أو إغلاق كل النوافذ والأبواب وتحمُّل الحر الشديد".
وأكدت أم توفيق أنها ليست المرة الأولى التي يواجهون فيها خروج ثعابين حول بيتهم، إذ لاحظت مع عائلتها عشرات الثعابين قرب المنزل منذ عودتهم إلى القرية، كما أكدت أن أهالي القرية قتلوا عشرات الأفاعي منذ بداية الصيف حتى الآن.
وفي قرية المعيصرونية، لا يختلف الأمر كثيراً، إذ يتخلص الأهالي يومياً من عدة ثعابين تخرج في وضح النهار إلى القرية، بحسب واصل العلي، أحد سكان القرية، الذي قتل ثعباناً نهار أمس داخل بيته.
ويقول واصل: "بيتي مدمر بشكل جزئي، ما يجعل عشرات الثعابين تخرج علينا من الأجزاء المدمرة. الحي بأكمله تعرض للدمار، ففي الأيام التي لا تخرج فيها أفعى من بيتي، تخرج من بيت جيراني، فضلاً عن أنني أربي دجاجات في البيت، وأحياناً أجد الثعابين تدخل إلى مكان وجود الدجاج".
وليست الأفاعي وحدها ما يقتحم بيوت الأهالي ويهدد حياتهم، إذ تدخل العقارب إلى فرشهم وملابسهم وأغراضهم. وبحسب أم توفيق، فإن ابنها مد يده إلى حقيبته ليتناول قلماً، ليُخرجها ملدوغة من عقرب كان قد اختبأ بين أغراضه.
وتضيف: "لا يوجد في كل المنطقة مركز طوارئ أو مشفى أو نقطة طبية تقدم الخدمات اللازمة. سارعنا للوصول إلى مشفى عام في إدلب، ليكون الرد: لا يوجد مصل أو دواء في المستشفيات. أعطوه بعض المسكنات ووضعوه تحت المراقبة ثلاث ساعات ثم غادرنا".
أما "حبة السنة"، فهي الحالة الصحية الأكثر انتشاراً في قرى جنوبي إدلب، والمعروفة طبياً بداء الليشمانيات الجلدي، وهو مرض جلدي ناتج عن لدغة ذبابة الرمل، وتتحول الإصابة مع مرور الوقت إلى تقرحات جلدية. وبحسب إيمان، فإن معظم أطفال القرية أصيبوا بها، وفي ظل غياب المبيدات والأدوية ازداد انتشار الحشرة بشكل كبير.
وتقول أم توفيق إنها اصطحبت أولادها إلى مستوصف لتخفيف ألم التقرحات، حيث قام الأطباء بحقنها بإبر أملاً بشفائها، إلا أن الاستجابة كانت بطيئة ومحدودة، لتلجأ فيما بعد إلى الطب الشعبي، بعد أن نصحها أحد الأشخاص بتجربة دواء معين.
وتضيف: "كان الدواء عبارة عن قلم يحتوي على الأسيد، يقوم بحرق الجلد والحبة. وبالرغم من أن الألم لم يكن يُطاق أو يُحتمل، فإنني غامرت واستعملته مع الأولاد".
Loading ads...
وفي رسالة توجهها أم توفيق إلى الجهات المسؤولة، طالبت بإطلاق حملات لرش المبيدات في المناطق التي تنتشر فيها الحشرات والأفاعي، كما طالبت بتنفيذ حملات لإزالة الدمار والأنقاض التي باتت مأوى لمئات الأفاعي، وتشكل خطراً على حياة الأطفال والأهالي.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً

