ساعة واحدة
إيران على طاولة الخسائر.. التفاوض بعد سقوط المشروع الإقليمي
الأحد، 15 فبراير 2026
دخلت المفاوضات الأميركية-الإيرانية طورها التمهيدي في لحظة إقليمية غير مسبوقة من حيث توازنات القوة، ما يجعلها مختلفة جذرياً عن كل الجولات السابقة، سواء تلك التي سبقت الاتفاق النووي عام 2015 أو التي تلته.
فالمسألة اليوم لا تتعلق بإعادة ضبط تفاهم تقني حول التخصيب، بل بمحاولة إعادة صياغة موقع إيران في الإقليم، وحدود دورها، وأدوات هذا الدور.
قرار طهران نقل مسار التفاوض من تركيا إلى سلطنة عُمان لا يمكن فصله عن هذا الإدراك، فتركيا، رغم موقفها الرافض للضربات الإسرائيلية ولسيناريوهات إسقاط النظام الإيراني، تبقى دولة أطلسية، وشريكاً سياسياً للولايات المتحدة، خاصة في سوريا، ومنافساً مباشراً لإيران في أكثر من ساحة، من سوريا والعراق إلى القوقاز ووسط آسيا، ووجود المفاوضات على أراضيها يضع إيران في مساحة مكشوفة سياسياً واستخبارياً، ويُبقي التفاوض محاطاً ببيئة ضاغطة ومعقدة.
في المقابل، تمثل عُمان خيار "الهدوء الاستراتيجي"، وهي دولة محايدة، بعيدة عن الصدامات، ومتخصصة تاريخياً في إدارة القنوات الخلفية والملفات التي تمس الأمن القومي للأطراف المعنية.
تتصرف الإدارة الأميركية الحالية بعقلية مختلفة جذرياً عن الإدارات التي سبقتها، فلسفة "الصفقة" لا تحضر هنا كشعار سياسي، بل كمنهج عمل كامل..
لكن العامل الجغرافي ليس وحده ما يفسر هذا الانتقال، الأرجح أن طهران تدرك أن ما يُبحث اليوم يتجاوز النووي إلى ملفات تمس جوهر النظام وأدوات بقائه، ولذلك تسعى إلى إدارة المفاوضات في فضاء أقل ضجيجاً، وأبعد عن التسريبات، وأكثر قابلية لضبط الإيقاع.
على الضفة المقابلة، تتصرف الإدارة الأميركية الحالية بعقلية مختلفة جذرياً عن الإدارات التي سبقتها، فلسفة "الصفقة" لا تحضر هنا كشعار سياسي، بل كمنهج عمل كامل: ضغط عسكري واقتصادي، تراكم خسائر على الطرف الآخر، ثم دفعه إلى طاولة تفاوض لا تُطرح فيها حلول وسط بقدر ما تُعرض خيارات قاسية.
اختيار شخصيات مثل ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر وتوماس باراك ليس تفصيلاً شكلياً، بل انعكاس لذهنية ترى السياسة امتداداً لإدارة الصفقات الكبرى، حيث تُقاس النتائج بوضوح الربح والخسارة، لا بتوازنات رمادية.
هذا النهج يستند إلى قراءة أميركية تعتبر أن إيران تفاوض اليوم من موقع أضعف من أي وقت مضى منذ مطلع الألفية، فخلال أقل من عامين، تلقّى المشروع الإيراني سلسلة ضربات استراتيجية متلاحقة، استهداف مباشر لقدراته النووية والصاروخية في حزيران 2025، تحجيم الدور العسكري والسياسي لحليفه الأهم في لبنان بعد الضربات الإسرائيلية التي انتهت بوقف إطلاق النار أواخر 2024، ثم الخسارة الكبرى بسقوط النظام السوري الذي شكّل لعقود عمقاً استراتيجياً لطهران، وقاعدة نفوذها الأوسع في المشرق.
هذه الخسائر الخارجية ترافقت مع تصدع داخلي عميق، فالاحتجاجات الشعبية التي اندلعت على خلفية الانهيار الاقتصادي لم تكن حدثاً عابراً، بل مؤشراً على هشاشة اجتماعية غير مسبوقة، قوبلت بقمع دموي كشف حجم القلق داخل النظام. للمرة الأولى، أصبح “تعامل النظام مع شعبه” جزءاً صريحاً من الخطاب الأميركي التفاوضي، لا مجرد ملف حقوقي هامشي.
في هذا السياق، جاء الطرح الأميركي شديد الوضوح، حيث لا تفاوض جزئيا، ولا حلول ترقيعية، المطلوب تفكيك عناصر القوة التي تعتبرها واشنطن مصدر تهديد طويل الأمد.
وقف كامل للتخصيب داخل إيران، تفتيش غير مقيّد، منع إعادة ترميم المواقع المستهدفة، إنهاء برنامج الصواريخ الباليستية، وقطع الدعم العسكري عن الحلفاء الإقليميين، الهدف ليس تعديل السلوك فحسب، بل منع إعادة إنتاج التهديد مستقبلاً، خصوصاً فيما يتعلق بأمن إسرائيل، الذي بات بعد 7 أكتوبر خطاً أحمر مطلقاً في العقيدة الأميركية.
الرد الإيراني، كما حمله عباس عراقجي، حاول المناورة ضمن هامش ضيق، في الملف النووي، قُدّمت صيغة "التخصيب المشترك" كحل وسط يحفظ ماء الوجه السيادي، ويمنح الغرب إشرافاً عملياً. في الصواريخ، كان الرفض قاطعاً، مع التشديد على الطابع الدفاعي للبرنامج، وربطه باستمرار التهديدات الإسرائيلية.
أمّا في ملف الحلفاء والاستقرار الإقليمي، فاختارت طهران الاحتماء بخطاب قريب من الموقف العربي الرسمي حول فلسطين ووقف الاعتداءات، من دون الدخول في جوهر مسألة النفوذ والأدوات.
السؤال الذي تطرحه هذه المفاوضات لم يعد تقنياً ولا قانونياً، بل استراتيجياً بامتياز، هل تقبل طهران بالتخلي عن أدوات نفوذها الإقليمي مقابل ضمان بقاء النظام؟
غير أن إصرار إيران على حصر التفاوض بالنووي، وإخراج الصواريخ من النقاش، لا يعكس ثقة بقدر ما يعكس ترتيباً قاسياً للأولويات، التفاوض لم يعد أداة تحسين شروط، بل وسيلة لتفادي سيناريوهات وجودية، ومع إدارة أميركية تُظهر استعداداً فعلياً لاستخدام القوة، يصبح اللعب على حافة الهاوية مغامرة غير مضمونة النتائج، خصوصاً في ظل وضع داخلي هش.
في هذه اللحظة، يبدو المشروع النووي الإيراني أقرب إلى ورقة قابلة للتضحية بها مقابل بقاء النظام، في حين يمثّل البرنامج الصاروخي وشبكة الحلفاء آخر ما تبقى من نفوذ إيران الإقليمي.
السؤال الذي تطرحه هذه المفاوضات لم يعد تقنياً ولا قانونياً، بل استراتيجياً بامتياز، هل تقبل طهران بالتخلي عن أدوات نفوذها الإقليمي مقابل ضمان بقاء النظام؟ أم تحاول الاحتفاظ بها، ولو على حساب مواجهة مفتوحة قد لا تكون قادرة على تحمل تبعاتها؟
Loading ads...
ما يجري اليوم ليس مفاوضات حول برنامج نووي، بل تفاوض على موقع إيران في النظام الإقليمي الجديد. وقد تكون هذه الجولة، بنتائجها أو فشلها، لحظة فاصلة تحدد إن كانت إيران ستتحول إلى قوة إقليمية منضبطة، أم ستواصل التمسك بنفوذ يتآكل تدريجياً تحت ضغط الوقائع.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً
من الآخر.. لا تُعارض
منذ ساعة واحدة
0

